الاتحاد

دنيا

مؤتمر أدباء الأقاليم صوت المسكوت عنهم والمهمشين


القاهرة - حمدي أبوجليّل:
مؤتمر أدباء مصر في الاقاليم حدث ثقافي مهم يعقد سنويا بانتظام منذ قرابة ربع قرن، وله امانة عامة وامين عام ورئيس انتخبهما الادباء، ويتمسك به ادباء الاقاليم باعتباره طوق نجاة من التجاهل والغياب الادبي والاعلامي وفرصة للاحتكاك بمشاهير الادباء ومناقشة القضايا الثقافية، ويعقدونه كل عام في محافظة مختلفة من محافظات مصر، ويحرص معظم ادباء مصر على متابعته والمشاركة فيه، وقد عقدت دورته العشرين في مدينة بورسعيد وترأسها د· فوزي فهمي·
الشاعر سعد عبدالرحمن أمين عام المؤتمر بدأ دورته بما يشبه بيانا عنيفا، هاجم فيه قانون الطوارئ· وقال انه قانون سيئ السمعة كما هاجم التيارات الدينية المتشددة· وقال ان من حق الادباء ان يتخلصوا من القيود التي كبلتهم وينعموا بحرية حرموا منها طويلا·
ومع كلمات سعد عبدالرحمن الحماسية التي قوبلت بعاصفة من التصفيق اكثر من مرة توقع البعض دورة ساخنة وصدامية بين وزارة الثقافة والادباء المصريين خصوصا انها جاءت بعد احداث وازمات ثقافية في أهمية حريق مسرح بني سويف واستقالة وزير الثقافة ثم عودته، غير ان اعمال المؤتمر مرت بهدوء، وناقش المؤتمر على مدى ثلاثة أيام محاوره المعدة سلفا وهي 'المسكوت عنه' و'الأدب الهامشي' و'أدب الرفض السياسي' و'أدب العامية'·
الرفض السياسي
محور 'ادب الرفض السياسي' ناقشه عدد من الابحاث اهمها بحث الناقدة فريدة النقاش، تحت عنوان 'من ادب التحريض السياسي' وذهب الى ان الادب التحريضي يقوم بالاشتباك المباشر بين شكلين متناقضين للوعي ويتصارعان في الواقع، وهما الوعي الذي بثته اجهزة الدولة وهي تقوم بعملية الاستلاب الناعم حين تعين لكل انسان مكانه الذي يحدده التراتب الطبقي في مجتمع قائم على الاستغلال، وفي المقابل الوعي الثوري والنقدي الذي تنتجه علاقات الاستغلال جنبا الى جنب مع الكفاح المنظم ضدها·
وأضافت ان ادب التحريض السياسي، يؤتي أكله في سياق الكفاح العملي من اجل التغيير للافضل الذي يضيئه هذا الادب جماليا، وهو يوطد علاقة التحالف بين الطليعة المثقفة وطلائع الكادحين حين يفتح لها بابا للخروج من عزلتها· وينتسب ادب التحريض السياسي الى الادب الثوري بمعناه الاوسع ولذا يمكنه ان يتسع ليشمل المنشور السياسي والهتاف والشعار والاناشيد الوطنية والاغاني الحماسية وادب التشهير بالاستغلال والظلم الاقتصادي والاجتماعي·
المسكوت عنه
د· محمود اسماعيل ناقش محور 'المسكوت عنه' وشن هجوما عاصفا على التاريخ العربي بسبب اهمال الانتاج الشفاهي لعامة الناس· وقال ان المسكوت عنه في الثقافة العربية قديمها وحديثها يتجلى في اهمال المؤرخين القدامى للطبقة العامة تحت تأثير نزعة استعلائية طبقية ترى في العوام أراذل ورعاعا وسوقه وغوغاء ولصوصا وبطالين، ولم يروا في كلام العامة الشفاهي الا محض فتن ضد اولي الامر، وتعرض العامة في التاريخ العربي لشتائم شتى اهونها 'انهم حسيون عتاة سقطه رعاع واراذل' ووصفت اخلاقهم بالمكايسة والمماحكة والفجور والبعد عن المروءة والكذب والتصنع والملق· كما اتهم عوام الناس في التاريخ العربي بعدم التمييز بين الفاضل والمفضول والحق والباطل وهم حسب الوصف المعتمد للمؤرخين القدامى 'جهلة لم يستضيئوا بنور العلم'·
وبحث د· محمود اسماعيل جاء تحت عنوان 'ذهنيات العوام بين المسكوت عنه واللامفكر فيه' وتوقف عند النتاج العقلي والوجداني والمعرفي الذي انتجه العوام او البسطاء بشكل شفاهي ولم يسجل في كتب التاريخ الرسمي واندرج بمرور الايام والحقب تحت مصطلح 'المأثورات الشعبية' او الفولكلور· وقال ان ثقافة العوام الشفاهية هي المعبرة عن محتوى اللاوعي في الذات العربية وتمثل القطاع المقّنع والمختفي والمهمل في التاريخ والذات بل تشكل الصورة والظل المظلم في التاريخ العربي، او بالأحرى انها الكامن والمكبوت واللاوعي القادر على ملء الظل في الشخصية العربية، فهي بمثابة الحائط النفسي للظواهر الاجتماعية والتاريخية العربية وتتضمن معرفة تكمل المعرفة التاريخية وتعمقها وتوسعها·
واشار الى ما سماه حقيقة تسييس ثقافة العوام الشفاهية· وقال انها ثقافة تتسم بالثورة والتحريض بهدف التغيير، ودلالة ذلك ان العوام على مر التاريخ قاموا بانتفاضات وثورات ذات ابعاد سياسية اقتصادية وبرغم قمع ثوراتهم بوحشية وضراوة فإن بعضها نجح في تكوين حكومات قصيرة العمر وكانت اشبه بجمهوريات شعبية حققت الكثير من مبادئ العدل الاجتماعي· ولعل ذلك من اهم اسباب الاحجام عن تدوين ثقافة العوام عبر التاريخ العربي باعتبارهم اهل فتن وضلالات·
الهامش
محور 'أدب المهمشين' تعرض له الناقد د· مجدي توفيق، وعرف 'المهمشين' بانهم الفئة أو الجماعة التي تقف خارج العملية الانتاجية للمجتمع سواء كان ابتعادها لاسباب عرقية أو جغرافية أو اقتصادية· وقال ان شيوع مصطلح 'التهميش والمهمشين' في الادب المصري في الآونة الاخيرة يرجع لاسباب عديدة أهمها تصاعد الوعي الاجتماعي بوجود فئات كثيرة مهمشة أو مستبعدة في الاحياء الشعبية والصعيد والنوبة وبدو الصحراء الغربية، واخيرا اضيف إليهم بدو سيناء، وهذا ما انتبه له الادباء الشبان الذين ينتمون لهذه المناطق وجسدوه في أدبياتهم·
واضاف ان 'التهميش' فكرة قديمة في الادب العربي، ولو مددنا الخيط الى اخره فسنجد بدايتها في شعر الصعاليك العرب، وفي الادب العربي الحديث خصوصا لدى جيل الرواد، هناك نماذج دالة على ان التهميش والمهمشين كان الموضوع الأول للادب، كما عند نجيب محفوظ في روايتيه الشهيرتين 'الحرافيش' و'أولاد حارتنا'، و 'دعاء الكروان' لعميد الادب العربي د· طه حسين وتعتبر من النماذج الرائدة في الاهتمام بالفئات الاجتماعية المهمشة·
غير أن مصطلح 'أدب الهامش' اصبح شعارا ادبيا وثقافيا رفعه الادباء الشبان منذ التسعينيات وانتجوا فيه اعمالا لفتت الانظار بشدة، وانحرفت عن فكرة الهامش والمهمش التي ظهرت في أعمال الرواد باضافة ملامح تقنية جديدة مثل الرصد الخارجي الدقيق لتفاصيل المشهد اليومي المبتذل والمهمش الذي قد يحمل دلالة نفي الانسان عن العالم·
أدب العامية المصرية
الشاعر والباحث مسعود شومان تعرض لمحور 'ادب العامية المصرية' وقال ان مفهوم الابداع بالعامية يتسع ليضم الشفاهي والكتابي، الفردي والشعبي، وانتقد ما سماه الاهمال التاريخي لابداع العامية وتراثها عبر الاجيال المتعاقبة، وفرق بين الشعر الشعبي والزجل وبين انتاج شعراء العامية في العصر الحديث ابتداء من بيرم التونسي· وقال ان شعر العامية ليس امتدادا للزجل أو للشعر الشعبي فهما من الفنون الجماعية، بينما شاعر العامية الحديث يعبر عن هموم الفرد سواء تواكبت مع هموم الجماعة أو خالفتها وتمردت عليها·
وقال ان ظاهرة التناص مع بعض عناصر الثقافة الشعبية بتنوعاتها وآليات تشكلها في بنية النص الشعري تعد واحدة من الاستراتيجيات التي يعتمدها معظم شعراء العامية في الفترة الحالية، مشيراً إلى أن ظاهرة التناص لا تقتصر على الاستلهامات الفولكورية فحسب، وإنما تتسع لتشمل التناص مع تراثيات عدة، عربية وأجنبية، وفي هذا تأكيد ان شعر العامية ليس امتدادا للزجل أو الشعر الشعبي، فالشاعر الشعبي يعبر عن جماعته في سياق متجانس لا يسمح بالتمرد على الاعراف أو الخروج على التقاليد، وليس لمتلقي النص الشعبي حرية القبول أو الرفض ولكن حرية الاضافة· كما ان الزجل الذي بدأ مع عهد الملثمين من ملوك الاندلس يحفل بروح السخرية والدعابة ويتخذ من النقد الاجتماعي والسياسي اسلوبا لا يفارقه وينشغل بشكل اساسي باللحظات الساخنة والقضايا الآنية والمناسبات وهو يعبر عن الجماعة الشعبية في افراحها واتراحها، اما شعر العامية فهو شعر فرد يتبنى رؤية وموقفا تجاه العالم، والأهم انه شاعر يفارق برؤاه -غالبا- رؤية الجماعة الشعبية·

اقرأ أيضا