الاتحاد

دنيا

علي مصطفى: لن أنتج أفلاماً قصيرة بعد اليوم


دبي ـ إبراهيم الملا:
برز اسم المخرج الإماراتي الشاب علي مصطفى على الساحة السينمائية المحلية مؤخرا، حيث دشن علي، هذا الوعد بالتميز والحضور المتوقع بزوغه بقوة في المستقبل من خلال عرض فيلمه الروائي القصير: 'تحت الشمس' في مهرجان دبي السينمائي في دورته الثانية ضمن برنامج 'مخرجون واعدون من الإمارات'·
هذا الفيلم سيكون أيضاً على موعد للمشاركة في مسابقة أفلام من الإمارات · والفيلم الذي صوره علي، بكاميرا سوبر 16 مليمترا استند إلى تمزقات الذاكرة الشخصية وعوالم الطفولة المستعادة على شواطئ الجميرا في دبي· وعلى محور آخر يتعلق بقضية ملحة وشائكة في ذات الوقت هي قضية الإرهاب والنظرة الغامضة من قبل الآخر لدور التطرف الإسلامي الذي أدى الى نشوء هذا النوع من التيارات الدخيلة على الإسلام المتفتح والمتسامح·
تميز هذا الفيلم أيضا بحرفية خاصة في الإلمام بالتقنيات السينمائية، كما تميز بجرأته في طرح الموضوع والفكرة، رغم أن الخطابات الوعظية في نهايات الفيلم لم تكن على مستوى المفاصل الأخرى التي تميزت بالتماسك والإنحياز المخلص للصورة السينمائية المعبرة والشفافة والواثقة من قدراتها·
في هذا الحوار يحدثنا علي عن فيلمه الأخير وعن مرجعيته السينمائية ومشروعه القادم الذي أعلن أكثر من مرة أنه سيكون مفاجئاً وسيتضمن فيلماً روائياً طويلاً وبتكاليف إنتاجية ضخمة ·
العالم البصري
؟ من الواضح أن فيلمك الأخير 'تحت الشمس' لم يأت من فراغ، لأنه مستند كما رأينا إلى خبرة شخصية وافرة ومتمكنة من تقنيات الإخراج، خصوصاً وأنك صورته بكاميرا سينمائية هي سوبر 16 ملم، كيف كانت بدايات تعرفك على هذا العالم البصري الذي لم يستقطب الكثيرين بعد؟
؟؟ منذ كنت في الثامنة من عمري وأنا مولع بالرسم وبفن التحريك ( الآنيماشين)· وأذكر أنني كنت آتي بالألعاب والدمى وأحركها أمام الكاميرا وأمنحها نوعاً من الحياة والدراما المتخيلة، وفي العاشرة من عمري بدأت بتجريب أدواتي في تنفيذ الأفلام الروائية القصيرة المستندة إلى الحس القصصي، وعلى السيناريوهات البسيطة التي كنت أؤلفها في ذلك الوقت· وبعد تخرجي من الثانوية دخلت مباشرة في معترك الحياة العملية من خلال شركة العائلة المختصة بالتصميم الداخلي· وفي هذه الحرفة أو المهنة اقتربت كثيراً من أجواء التصميم البصري، وانتبهت أكثر لقدراتي الخاصة في ابتكار التصاميم المميزة التي ملأتها بأسلوبي الشخصي والمختلف عن التصاميم السائدة· وسهلت الخبرة الكبيرة التي اكتسبتها في هذا المجال من دخولي مباشرة لنيل الماجستير من 'لندن فيلم سكول' في بريطانيا، وكان فيلم 'تحت الشمس' هو مشروع تخرجي لنيل الماجستير، وتكفلت الجامعة بدفع نصف مصاريف الفيلم، مع حرية تصويره في أي مكان من العالم، فاخترت دبي كي أوثق لمواقع التصوير الحقيقية التي عاصرتها في طفولتي·
سيرة ذاتية
؟ من أين استقيت فكرة فيلم 'تحت الشمس'، ولماذا طرحت فكرة الإرهاب رغم أن الملامح الأولى للفيلم كانت تكشف عما يشبه سيرتك الذاتية ومناخات الطفولة والشقاوات والمغامرات التي عادة ما تصاحب هذه الفترة؟
؟؟ لم أشأ أن أسرد في الفيلم سيرتي الذاتية بشكل حرفي ومطابق لما حدث في طفولتي، ولكنني اشتغلت على المناخات العامة التي أتذكرها عندما كنت أرتاد شواطئ الجميرا القريبة من منزلي وما يصاحب هذه الزيارات اليومية من مغامرات ومفارقات وحكايات طريفة· أما قضية الإرهاب التي طرحتها في الفيلم فكانت نتيجة لما رأيته في الإعلام الغربي عندما كنت في لندن من نظرة أحادية وهجوم عشوائي على الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لذلك حاولت أن أوصل رسالة في الفيلم تشرح حقيقة الإسلام الحرّ والمتسامح والبعيد عن فكرة الإرهاب والتطرف، وحاولت أن أزاوج بين هذه الرسالة وبين قصة طفل في يومه الأول مع الصيام·
؟ تطرقت في الفيلم وبشكل جريء وغير مطروق لقضية أبناء الأجنبيات من آباء مواطنين، وما يجابه هذا الجيل من نظرة مريبة تصل أحيانا للتعامل العنصري، وما يعكسه من أزمات نفسية واجتماعية خطرة وخفية ومربكة على مستوى الهوية والوجود· هل حاولت أن تطرح أزمتك الشخصية مع هذا الإشكال الاجتماعي، خصوصا وأن والدتك إنجليزية ؟
؟؟ بشكل أو بآخر، لكنني على المستوى الشخصي تجاوزت ومنذ زمن بعيد هذا الإحساس بالتوهان وبالتمزق الداخلي الذي يجابهه الآخرون أمثالي· حاولت بالطبع أن أطرح مشكلة الهوية المزدوجة لهذا الجيل الذي أصيب الكثير من أبنائه بأعراض 'الانتماء النصفي'! ولكنهم في النهاية مواطنون وعلى المجتمع أن يتقبل ذلك، كما أن على أبناء هذه الشريحة الاجتماعية أن يتجاوزوا صعوبات هذا الإحساس· لقد ظهرت إشكاليات في دول عريقة وكبيرة شبيهة لما يحدث هنا ولكن تم تجاوزها من خلال التراكم الزمني والتاريخي، ومن خلال الشفافية والإندماج والتخلص من النتائج المدمرة للممارسات العنصرية ضد الغريب والمختلف·
فيلم روائي
؟ لاحظت في فيلمك هذا الإلمام باللغة البصرية والاهتمام بالكادرات السينمائية وبجودة الصوت والصورة وبعمليات المونتاج وتصحيح الألوان، وهي مؤشرات تدل على قدرتك في التعامل مع مغامرة سينمائية أكبر، فما الذي تخطط له بعد هذا الفيلم ؟
؟؟ بعد هذا الفيلم وبعد الأفلام القصيرة المختلفة التي نفذتها أثناء الدراسة وما قبلها، سيكون 'تحت الشمس' هو آخر أفلامي القصيرة، حيث أنني مصرّ وبقوة على تنفيذ فيلمي الروائي الطويل بكاميرا 35 مليمترا خلال السنتين القادمتين· ولن يكون هذا الفيلم بالضرورة إماراتياً في موضوعه وأماكن تصويره، لأنني سأنفذه في عدة أماكن تتوزع بين لندن والعراق وإيران، وبإمكانيات وقياسات إنتاجية كبيرة· لقد اتخذت هذا القرار بعد أن تيقنت أن الفيلم القصير لا يلقى القبول ولا التمويل عند شركات الإنتاج· فالفيلم الطويل وحده هو الذي يملك فرصة أكبر للترويج والاهتمام الإعلامي واستقطاب المهرجانات وقاعات العروض السينمائية·
؟ ولماذا كنت غائبا طوال هذه الفترة عن مسابقة أفلام من الإمارات والتي تحولت إلى مظلة للسينمائيين الشباب في الدولة ؟
؟؟ كنت طوال الفترة الماضية مشغولا بالدراسة في الخارج، ولكنني بعد زياراتي للمجمع الثقافي وإطلاعي على فعاليات مسابقة أفلام من الإمارات العام الماضي، ذهلت وتفاجأت بكمية الأفلام المحلية التي احتضنتها المسابقة· لم أكن أتصور وجود هذا الزخم والاهتمام بالسينما كشكل إنتاجي في الإمارات، وبعد اختلاطي بالأجواء وتعرفي على الشباب الجدد المهتمين بهذا الفن قررت أن أشارك في المسابقة، وأن أكون متواجدا تحت هذه المظلة التي أتمنى أن تكون بداية لتعرف الناس على حماسنا المشترك في تفعيل فن السينما وفي لفت نظر المسؤولين والمنتجين لهذا التوجه الذي سيفيد الدولة وسيفيد مبدعيها بلا شك من الناحية الدعائية والإعلانية في المهرجانات السينمائية الدولية، أكثر مما تفعله الرياضة وكرة القدم مثلا والتي صرفت الدولة عليها الملايين وللأسف لم يكن المردود بحجم الميزانيات المهدرة والضائعة وسط الإنجازات الضعيفة والمخيبة·
نتمنى الآن وقبل كل شيء أن يتم إنشاء معهد للسينما في الإمارات كي يخدم هذه الشريحة اللامعة من المواهب السينمائية، وكي تكون الأساسات التقنية لحقول الصناعة السينمائية واضحة ومكتملة لدى محبي ارتياد هذه المغامرة البصرية الرائعة والراقية والإنسانية على جميع المستويات·

اقرأ أيضا