الاتحاد

دنيا

هل يبقى الإنسان نفسه حين يتغير وجهه؟

'الاتحاد' ـ خاص:
وجه 'كلوديا' كان من القبح بحيث صدم البروفيسورة المسؤولة عن قسم جراحة الأعصاب في المركز الطبي الجامعي في مدينة 'ليون' الفرنسية· وافقت وأجريت العملية الجراحية الشاقة والمعقدة التي انتهت بعد 120 ساعة بوجه جديد للفتاة الفرنسية كان لامرأة ميتة دماغياً·
إشكاليات كثيرة أثيرت حول تغيير الشكل· هل يبقى الإنسان نفسه عندما يتغير شكله؟ أما المسؤولون الجنائيون والأمنيون فيطرحون سؤالاً آخر: ماذا لو أن إرهابياً معروفاً زرع وجهاً آخر وراح يتجول به في أروقة الـ 'اف بي آي' مثلاً؟
العملية الجراحية كانت لتغيير الشكل القبيح· الفتاة ستبقى قيد المراقبة المشددة لستة أشهر، إذ أن عملية من هذا القبيل قد تؤدي الى حالات سرطانية·
'أورينت برس' تابعت الموضوع من مختلف وجوهه:
الكائن الهجين
عملية زرع وجه جديد لامرأة نجحت طبياً، لكنها أثارت جدلاً على كل المستويات، سيكولوجياً: هل يبقى الإنسان نفسه عندما يتغير وجهه؟
دائماً يحكى عن الوجوه المتعددة لشخص ما· هذا من الناحية المجازية، ولكن ماذا إذا حدث ذلك فسيولوجياً؟ بعد تلك العملية بدأ الكلام عن وجوه جديدة للطاعنين في السن، لنتصور أن أحدهم في الثمانين وله وجه ابن الثلاثين، الوضع النفسي يحد من تأثير العمر بنسبة معينة، نكون، إذ ذاك، أمام كائن هجين·
لكن المؤكد أن تغيير الوجه كان أكثر الأمور دقة وتعقيداً في الخريطة الفسيولوجية، فالوجه هو صورة المرء (والمرأة على وجه خاص)، وهو الذي يعكس الوضع الداخلي برمته، وعلى المستويات كافة، وحين يتغير أو حين تتم زراعة وجه آخر كيف يمكن ضبط التعابير، أما أننا نصبح أمام قناع خال من أية أحاسيس·
الطريف ان مسؤولي القضاء الجنائي، وكذلك مسؤولي الشرطة في العديد من البلدان الغربية كانت لهم تعليقاتهم· تحدثوا عن الإرهاب كموضة شائعة وسألوا: ماذا لو أن إرهابياً معروفاً زرع وجهاً آخر وراح يتجول به حتى داخل أروقة مكتب التحقيق الفيدرالي (اف بي آي) مثلاً؟
إشكاليات كثيرة تحيط بتغيير الشكل، الجدل يتواصل، وهذا يفترض أن نطل على ما حدث لتلك الشابة الفرنسية في المركز الطبي الجامعي في مدينة ليون الفرنسية·
تلاعب في النوع
العملية جرت بنجاح، والشابة غادرت المستشفى بعد ستة أسابيع فرحة بوجهها الجديد، قالت للصحافيين الذين كانوا ينتظرونها في الخارج: 'لقد أصبحت إنسانة مختلفة، وسوف يلزمني بعض الوقت لكي أتعرف على نفسي من جديد'·
أوساط طبية انتقدت العملية بشدة، لأن تلك الجراحة لم تكن لأسباب علاجية، 'كلوديا لم تكن قد تعرضت لأي حادث، إنما فعلت ذلك من باب الرغبة في تغيير 'اللوك' فقط وهذا ما يمثل تلاعباً في طبيعة النوع البشري!
عملية 'وجه فتاة ليون' كانت، في الواقع، عبارة عن ثماني عمليات متواصلة ومتكاملة استغرقت الواحدة منها حوالى 15 ساعة، أي بما مجموعه 120 ساعة، وقد شارك فيها عشرة جراحين من مختلف الاختصاصات· وفي الوقت نفسه كانت تجري عملية 'معكوسة'، ففيما كان الجراحون في مستشفى ليون يعملون على نزع 'بشرة وجه كلوديا'، كان جراحون آخرون يعملون في الوقت نفسه على نزع بشرة وجه امرأة أخرى في مستشفى مدينة 'ليل' كان في وضعية الموت الدماغي، ثم أنهى جراحو ليون تجهيز 'حقل' وجه كلوديا بما فيه من عضلات وأعصاب وغيرها·
ما تحت الثدي
وهكذا، وفور وصول البشرة المعدة للزرع، من مستشفى ليل، سارع جراحو ليون الى 'إعادة تشغيل' الدورة الدموية في وجه 'كلوديا'، في عملية استغرقت زهاء الأربع ساعات، حسبما أوضح أحد المشاركين في تلك الجراحة الاستثنائية البروفيسور 'برنار فوشيت' الذي يقول إن ذلك الجزء من العملية كان الأكثر دقة حيث كان عليه وزملائه وصل الشرايين العضلية والعصبية واحداً واحداً· بعد ذلك جرت 'إعادة تركيب' الجهاز المخاطي والأنسجة الأنفية، وصولاً الى الحجرة الفمية·
ولحماية وجه 'كلوديا' من رفض وجه الشخص الميت دماغياً، جرى استئصال قطعة صغيرة من لحم ما تحت ثديها وزرعها في الوجه، أما لماذا الثدي، فلأسباب جمالية لتحاشي استئصال لأي شيء من وجه الفتاة·
الدكتور 'دوبر مار' يوضح أن الوجه المستأصل الذي زرع لكلوديا هو وجه امرأة ميتة دماغياً وقد جرى اختياره من بين ثمانية وجوه أخذت عينات مسبقة من ستة منها لمواجهة كافة الاحتمالات·
يوضح أيضاً ان العملية قد نجحت ولم تعترضها أية سلبيات غير متوقعة، غير أنه يلزم ستة أشهر على الأقل للتأكد من نجاحها عملياً على وجه 'كلوديا' والتي ستبقى خلال ذلك تحت الرقابة الطبية المشددة·
أوامر دماغية
'أنجيلا سيريجي' البروفيسورة المعروفة في طب جراحة الأعصاب، كانت المشرفة على فريق الجراحين الذين قاموا بعملية تركيب وجه 'كلوديا' الجديد، والتي تعتبر سابقة أولى من نوعها في مجال الجراحة الدقيقة·
ما يهم البروفيسورة 'أنجيلا' الآن هو كيفية تصرف دماغ 'كلوديا' مع وجهها الجديد، وخاصة من ناحية الحركة والأحاسيس·· تقول: 'في حالة زرع أعضاء جديدة يتلقى العضو الجديد أوامره الدماغية من المنطقة المخصصة لأوامر الفم، أما في الحالة هذه فالعكس هو ما يحصل، أي ان منطقة الوجه (القديم) هي التي ستصدر الأوامر الى الجزء المزروع'·
الى ذلك، ولقياس المتغيرات الناجمة عن عملية الزرع، جرى إخضاع الفتاة الى سلسلة طويلة من الصور الشعاعية الدماغية، أما من الناحية النفسية فقد عرضت عليها صور فوتوغرافية مقارنة لوجهها قبل وبعد العملية، وأبدت ارتياحاً·
ميثاق الشرف الجراحي
وفي ردها على الانتقادات الشديدة التي طاولت العملية، تقول البروفسورة 'أنجيلا': 'ليس صحيحاً اننا انتهكنا ميثاق الشرف الجراحي، كل ما فعلناه في تغيير وجه 'كلوديا'، وبرغم أهميته الطبية، لا يعدو كونه جزءاً من تقنيات جراحة الأعصاب، إضافة الى أن هذه العملية تفتح الباب واسعاً على آفاق جديدة في طب جراحة الأعصاب، والتي لا تزال، في الواقع، حديثة وفي بداية عهدها حيث تمت عملية زرع أول ذراع مبتورة في عام ·'1998
تضيف: 'لا أعتقد أن تغيير وجه فتاة قبيحة بوجه جميل يشكل أي انتهاك لطبيعة النوع البشري، ثم انني اجتمعت شخصياً مع المريضة قبل إجراء العملية وشرحت لها كل تفاصيل المضاعفات الجانبية السلبية التي يمكن أن تواجهها، وقد وقعت خطياً على وثائق بموافقتها· من جهتي، لم أتردد لحظة في اتخاذ القرار وخاصة بعدما صدمتني درجة قبح وجهها'·
أنف ـ فم ـ ذقن
الأبحاث والتحاليل التفصيلية على 'كلوديا' بدأت اعتباراً من مارس ،2004 ثم عرض الملف على 'اللجنة الوطنية للعرق البشري' الفرنسية، التي رفضت تغيير الوجه بأكمله، لتوافق في النهاية على تغيير مثلث الأنف ـ الفم ـ الذقن فقط، والسبب هو استحالة 'إعادة تركيب' أنف وفم بالتقنيات الجراحية المتوافرة حتى الآن·
وبرغم التكتم الشديد على العملية، تسربت معلومات الى صحيفة 'صنداي تايمز' البريطانية التي نشرت تحقيقاً حولها يتضمن معلومات مغلوطة، بل ان صحافيين بريطانيين، عاملين في وسائل إعلامية أخرى وصلوا الى درجة كشف اسم وظروف الحادث الذي تعرضت له الفتاة الميتة دماغياً، وهذا ما يشكل مخالفة قانونية حسب الأنظمة الفرنسية، لكنه ليس كذلك في بريطانيا·
وقد وصل الأمر الى حد قيام صحافي بريطاني بعرض مبلغ 3000 يورو على ابنة السيدة الميتة دماغياً في مقابل الحصول على صورة فوتوغرافية لها· وبالنسبة الى 'كلوديا'، فقد تم سراً التقاط صورة فوتوغرافية لها بعد انتهاء العملية ونشرت في صحيفة 'ديلي تلجراف'· وليس بمقدور المستشفى أن المرضى مقاضاة تلك الصحف لأن نشر مثل تلك الأخبار والصور ليس ممنوعاً في القوانين البريطانية·
الأسئلة···
كما أسلفنا، الجدل يحتدم، هل يحق للإنسان التلاعب، جراحياً، في شكل وجهه، وسواء كان ذلك لأسباب جمالية أو حتى علاجية؟ وهل ان ما يصح على أعضاء الجسم الأخرى يصح أيضاً على الوجه بما يمثله من هيئة خارجية أو بصمة شخصية للإنسان؟
في سويسرا، لم يحصل حتى الآن أن تقدم شخص بطلب لاستحداث أي تغيير جزئي أو كلي في ملامح وجهه، ومن أسباب ذلك تشدد القوانين وتشدد جراحي التجميل في الموافقة على مثل ذلك، وكما يقول الدكتور 'برنارد كفلر'، رئيس تحرير 'المجلة الطبية السويسرية'، على المريض أولاً أن يعرض الأسباب الموجبة خطياً لطلب تغيير وجهه، وفي حال كانت تلك الأسباب مقنعة، على الجراح أن يوضح له كافة التفاصيل وكافة المضاعفات الجانبية السلبية التي يمكن أن تحصل خلال أو بعد إجراء العملية·
يقول الدكتور 'كفلر': 'غالبية الذين يأتون إلينا يكون هدفهم التلاعب الجمالي بملامح وجههم، وسرعان ما يتراجعون عن ذلك لصعوبة الشروط التي نفاجئهم بها'·
ماذا بعد الوجه؟!
الجراح السويسري يحذر من المضاعفات التي قد تنجم عن رفض الجسم للوجه المزروع، والتي تتمثل بحصول أمراض خطيرة جداً كسرطان الجلد بصورة خاصة· من هنا السؤال الأساسي الذي يتوجب طرحه على كل راغب في جراحة تجميلية لوجهه: هل أنت مستعد لمواجهة كل هذه المخاطر مقابل تغيير وجهك؟
شروط أخرى، لا تقل صعوبة وتعقيداً، يجب على اختصاصيي جراحة الوجه شرحاً لذوي المتوفي المتبرع ببشرة وجهه أيضاً· ويبقى السؤال: الجراحة الى أين بعدما أصبح حتى تغيير الوجه واقعاً؟
'أورينت برس'

اقرأ أيضا