الاتحاد

دنيا

من يخرِّب البيوت؟

تحقيق ـ خديجة الكثيري:
نجدهم مثل القنبلة الموقوتة المدفونة في مكان ما بيننا في البيت· نراهم ونجلس معهم· نشرب ونأكل ونضحك ونخرج ونعود، وفي كثير من المرات نعمل معاً··· نطلعهم على كل شيء يفرحنا ويحزننا، ونقوم معهم بتشجيع وتحريض منهم بأفعال أو التفوه بأقوال ربما نكون غير راضين عنها، ولكن لنكسب رضاهم، ولأننا نعتبرهم مثل الأخوة أو أكثر، ونرمز لهم بألقاب الأصدقاء الأوفياء، نساعدهم بالغالي والنفيس، ولا نبخل عليهم بما نملك حتى بأوقات العائلة· نعتبر بأنهم يستحقون منا ذلك بحكم رباط الصداقة المقدس الذي يربطنا· هم أناس وبشر مثلنا ولكن يختلفون عنا بما يضمرون في قلوبهم، سواء كان حسداً أو غيرة أو حقداً، وسواء كانوا يقصدون ذلك أو لا يقصدون··· النتيجة في نهاية الأمر، هي انفجار تلك القنبلة فيما بيننا، فنصاب نحن، ويخرجون هم مثل الشعرة من العجينة وكأن شيئاً لم يكن· هؤلاء باختصار هم 'خرّابين البيوت'·
يؤكد الدكتور محمد أبو العينين أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات فكرة الموضوع، ويقول: 'خرابين البيوت' موجودون بيننا، وهم حين يوجدون يشكلون خطراً على حياة الأزواج والعائلة· هم شخصيات مريضة، وشخصية تبني سعادتها على شقاء الآخرين، وتأتي خطورتها من كونها قريبة من الأسرة، تدخل البيت وكأنها فرد من أفراد العائلة· تأكل من أكلها وتعيش حياتها ثم تتحول إلى أداة هدم وتدمير للبناء الأسري بأكمله· ومن الممكن أن تؤدي هذه الشخصية- رجلاً كان ام امرأة- إلى الطلاق بين الزوجين، وإلى الفتنة والغيرة والمشاكل بين أفراد العائلة· فتلك الشخصية مهمتها الأساسية في الحياة، التدمير، ويمكنها من خلال أساليب عديدة ملتوية مثل الكذب والتحايل أن تفجر خلافات لا حصر لها بين الأزواج، فينقلب حال البيت رأساً على عقب، ويكره الزوج زوجته، وتدب نار الغيرة في قلب الزوجة، او العكس، ويكثر الشجار بين الزوجين ويتبادلان الاتهامات، وقد ينتهي بهما الأمر إلى الانفصال أو حتى الطلاق· وهنا تمتد آثار خرابة البيوت إلى الأطفال والأبناء الذين يعانون نفسيا بسبب انفصال الأبوين·
ليست عادية
ويضيف أبوالعينين بقوله، إنه قد تبدو شخصية 'خرابين البيوت' شخصية شخص عادي، قريب من الأسرة أو صديقة حميمة للزوجة، ثم رويداً رويداً تظهر على حقيقتها، لأنها تقضي وقتاً تحبك فيه مؤامرتها ودسائسها لأن النية السيئة مبيتة لديها، وفي أول فرصة تسنح لها تقوم بفعلتها الشنعاء فتقع 'الفأس في الرأس' كما نقول، ويشب الحريق في البيت· هنا مكمن الخطورة في هذه الشخصية المريضة التي تدخل بيتك وتتعرف على خباياه وأسراره· بل إنها قد تبدي رغبة في المساعدة وإذا بها هي نفسها سبب المشكلة·
والحقيقة أنه ليس من السهل على كثير من الناس اكتشاف أمر هذه الشخصية منذ البداية· وعموما على الأزواج أن ينتبهوا عند أي بادرة أو إشارة غير عادية تصدر من مثل هذه الشخصية، كما أن أي تقرب ملفت للنظر أو محاولة للتبسط الزائد عن الحد، أو التلميح بالكلام أو الإشارات ينبغي أن تؤخذ بحذر شديد·
أسرار خاصة
ويؤكد أبوالعينين أنه وبشكل عام، علينا أن نكون حذرين عند التعامل مع الناس، وأن لا نتعجل في إقامة علاقات الصداقة والعلاقات الاجتماعية إلا بعد أن نكون قد وثقنا من أننا نتعامل مع شخصية سوية· ثم إنه من الأفضل أن نتخذ الحيطة والحذر، فلا يعقل أن أدعو بعض الناس إلى بيتي وأنا لا أكاد أعرفهم، أو أن أبوح بأسرار بيتي الخاصة إلى أناس لا يوثق بهم من قبل الكثيرين·
الصديقة هي السبب
الأستاذة إيمان اسماعيل الهاشمي، رئيسة مؤتمر المرأة الثقافي العالمي الثاني، تؤكد بالواقع والأرقام أن الصديقة هي أحد أول أسباب خراب البيوت الزوجية·
تقول الهاشمي: إن لجنة مؤتمر المرأة الثقافي العالمي الذي سيعقد في دبي خلال شهر مارس المقبل، أجرت استبيانا على عينة مكونة من 550 زوجاً وزوجة منفصلين، للوقوف على أهم الأسباب التي أدت إلى انفصالهم، فأشارت العينة إلى ان 10% من أسباب الطلاق كانت بسبب الصديقة، وقد أسمتها الهاشمي صديقة السوء، تلك التي تسعى بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة إلى خراب بيت صديقتها، فإما أن تنكد حياتها مع زوجها وتسم حالها معه، من خلال النصائح المسمومة التي تؤجج بها صديقتها الزوجة على زوجها، فتصبح حياتها جحيما من الشك، أو أن تطلقها منه فترتاح، وبذلك يتأكد مما لا يدع للشك أن المرأة هي السبب الأول في خراب البيوت العامرة أكثر من الرجل·
حسد وغيرة
وعن أسباب سعي الصديقة لخراب بيت صديقتها المتزوجة، والتي من المفترض بحكم تقاليد وأعراف الصداقة أن تكون أكثر حباً وقرباً لها، قالت الهاشمي: إن السبب الأساسي هو الغيرة العمياء التي تولد أنواعاً من الحسد والعقد النفسية بسبب زواج هذه الصديقة واستقرارها وبدايتها لحياة جديدة، في حين أن الصديقة الأخرى لم يأتها النصيب، فتشع انها تعيش في فراغ كبير· فمن المعروف أن حياة المرأة بعد الزواج تختلف بازدياد مسؤولياتها، فلا تجد الفرصة الكافية للجلوس مع صديقاتها أو الخروج والحديث الدائم معهن، وهذا ما يولد الغيرة في نفس الصديقة العانس، فتقوم بكافة أنواع الوسائل لإغراء صديقتها بالحديث عن المشاكل الزوجية، أو خيانة زوجها لها، أو تعليمها بعض الأمور التي تقصد من ورائها إزعاج الزوج ليثور وتحدث المشكلة ومن ثم خراب البيت·
دور الأسرة
وترى الاختصاصية النفسية مرشدة أمين إن من أسباب خراب البيوت الرئيسة هي ثقة أهل البيت الكبيرة التي يولونها لأشخاص غير جديرين بالثقة، فيخبرونهم بالأسرار الخاصة بهم، والتي من الممكن أن تستخدم ضدهم أو تثير الغيرة والحسد منهم·
وتؤكد مرشد إن دور الأسرة في هذا المقام هو اختيار الناس الذين يدخلون البيت ومهما كانت قرابتهم يجب ألا يتعرفوا على خصوصيات محارمه· كذلك يجب على الأم والأب أن يتصارحا مع أبنائهما في كل أمور الحياة، بحيث لا يلجأ أحد من الأبناء إلى الأصدقاء أو الزملاء في العمل، ليبوحوا بما يسعدهم أو يضايقهم، فيستغله أولئك لفش الغل أو التنكيل أو التهديد بغرض الابتزاز· فلتكن الفتاة صديقة أمها، وليكن الشاب صديق أبيه، فتحل بذلك المشكلة· وأعود لأنصح تلك الأسرة ألا تترك مجالاً لأولئك المفسدين بأن يفككوا رباطها المقدس· وأقول للزوج اتق الله في زوجتك وإلى الزوجة أن تتق الله في زوجها، وإلى الآباء أن يحسنوا تربية أبنائهم ومحاورتهم ولا يستخدموا العنف معهم والقسوة في معالجة أخطائهم، وتركهم أسرى للصحبة السيئة، وإلى الأبناء أن يبروا بوالديهم ليكونوا سعداء في الدنيا والآخرة·
شياطين الإنس
ويقول مدرس التربية الإسلامية عبدالقادر أحمد قنبري: إن تخريب البيوت العامرة فتنة من أعظم الفتن التي انتشرت في مجتمعاتنا لأنها تؤدي إلى تفكك الأسرة التي هي نواة المجتمع، ويكون ذلك بأفعال غير مسؤولة وبكلمات لا مبالاة فيها، يقولها بعض النساء أو الرجال الثرثارين المفسدين لتأليب الزوجة على زوجها والأبناء على والديهما وبالعكس· هؤلاء هم شياطين الإنس الذين هم أخطر وأفسد من شياطين الجن بكثير·
ولعل من أهم الأسباب التي تتيح لهؤلاء المفسدين تخريب البيوت أن يقوم رب الأسرة أو ربة البيت بإطلاع الآخرين على سعادتهم أو شقائهم داخل البيت مما يؤدي إلى تحريك الحسد أو الصيد في الماء العكر من هؤلاء المفسدين للحصول على منفعة أو تفريغ شحنة السوء الموجودة في نفوسهم·
ويتابع العنقري : أتوجه إلى أولئك الذين يتكلمون ويثرثرون لفساد البيوت وخرابها سواء للزوج بأن يتزوج على زوجته أو يطلقها لتقصيرها في بعض الأمور، أو للزوجة بأن تتمرد على زوجها ولا تطيقه لأنه لا يعطيها حقوقها كاملة· أو للأب بأن يقسو على ولده ويعاقبه ويحرمه من حقوقه لأنه خالفه بشيء ما، أو للابن بأن يتمرد على أبيه ولا يسمح له بتأديبه، ويغريه بأنه صار رجلاً وله شخصية مستقلة عن بيته وأسرته·
أخاطب هؤلاء المفسدين وأحذرهم بأن يتقوا الله عز وجل، فالفتنة أشد من القتل، وسيحصدون نتيجة عملهم السيئ في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل وفي الآخرة عذاب أليم· ومن أساليب تخريب البيوت ما يكون في جلسات النساء وهن يذكرن حال أزواجهن وسعادتهن في بيوتهن ويبالغن في ذلك· وكثيرات منهن تكذبن فتخدعن تلك المرأة التي لا تسمع إلا الحسنات عن أزواج صديقاتها بينما ترى من زوجها الحسنات والسيئات، مما يؤدي إلى سخطها وانتقادها لزوجها وطلبها أموراً قد لا تكون في استطاعته أو تتناسب مع ظروفه، وتقول له لماذا لا تكون مثل فلان وفلان؟ إنهم يفعلون كذا وكذا·· وهنا تقوم المشكلة وخراب البيوت· قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( من أفسد امرأة على زوجها فليس منا)، كما هناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تشدد على الفتنة وخراب البيوت، وتحرمها شرعا لما في هذه الأمور من دمار للأسرة والمجتمع بأكمله·
شخصية ضعيفة
وعن شخصية 'خرابين البيوت'، شرح الأخصائي النفسي الدكتور بهاء طلعت قائلاً: هي غالباً ما تكون شخصية ضعيفة ومهزوزة، وتفتقد دائما للحنان والحب من الأهل أو الجنس الآخر، فعندما تجده في قرينها الصديق، تتعلق به إلى حد أنها تريد سلبه هذا الكم من الحنان أو الحب الذي يحيط به· وغالباً ما يكون ذلك تحت ضغط الحرمان، وعدم الثقة بالنفس أو الحاجة المستمرة للشعور بالاهتمام والأهمية، وبذلك تكون الغيرة المريضة· ولكن عندما ينقلب الوضع إلى الكره وتعمد الإساءة وتدبير المكائد فهنا يكون الحسد والحقد، وهذا محرم شرعاً، ويدخل في إطار الفتنة والنميمة والغيبة وغيرها من الأمور الدينية·

اقرأ أيضا