الاتحاد

الملحق الثقافي

احتفاءً بالتنوير العربي

لعل بلوغ العنف الأصولي ذروته شدة وامتداداً هو ما هيأ النفوس والعقول لمراجعة الذات مراجعة حادة ونبه إلى المخاطر البعيدة المدى لخطاب التمجيد اللامتناهي للذات.
كان كلام العروي في بداية سبعينات القرن الماضي يتبخر في الفضاء العربي ولم يكن يلقى الاستجابة الكافية.. بل نظر إليه أحياناً على أنه يعكس خطاب الآخر المعتدى أو المتفوق، وعلى أنه خطاب الاستلاب والانزلاق.
كان العروي، بخياشم الوعي التاريخي الحاد، قد انتبه إلى مئالات خطابات التمجيد اللانهائي واللامشروط للذات، التي هي مقالات يؤثتها العنف الداخلي والخارجي، والتي تضمر قدراً من رفض العالم الحديث وإنكار الواقع مقابل الحلم أو الأحلام الجميلة المبلسمة للذات.
وهكذا فالأحداث هي التي تحكم على مدى صدقية الأفكار، وهو ما ساهم في إنصاف صاحبها وزكى مشروعية الإنصات لآرائه.
ينتمي العروي إلى مدرسة الوعي التاريخي، بل ربما كان أحد مؤسسيها الأوائل، وهي مدرسة نقدية وتساؤلية، حد الحرج، تجاه علاقة الذات بالشرط التاريخي. وقد بادر العروي باكراً بالجهر بدفاعه عن التحديث والحداثة ضمن مضامين كونية لا تخلو من جرأة.
برز الاختيار الفكري الحداثي عند عبد الله العروي منذ كتاباته الأولى، وبخاصة «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» (سنة 1963)، الذي يفحص فيه الإيديولوجيات السائدة والفاعلة في المجتمع العربي (السلفية والليبرالية والتقنية).. منتهياً إلى خلاصة مؤداها أن تخلف العرب هو في العمق وبالأساس تخلف فكري (وإيديولوجي) عن ثقافة العصر، وفي نهايته يسطر الخطوط الأولى لتصوره للحداثة والذي سيتطور عبر كل إنتاجاته الأدبية والفكرية، ليأخذ تشكلاً نظرياً واضحاً موضوعه هو التفكير في مظاهر التأخر العربي، لدرجة أن صاحبه  نفسه اعتبر أن كل ما كتبه هو فصول من مؤلف واحد حول الحداثة.
في هذا المؤلف الأساسي يحدد العروي معالم هذه الرؤية الحداثية (المفتقدة في السياق العربي) المتمثلة في:
= الاعتقاد في أن النموذج الإنساني للتطور يوجد في المستقبل وليس في الماضي
= أن التقدم هو تجدد مستمر عبر تحولات نوعية يتم إبداعها معرفياً وتقنياً، وبالتالي فهو انعكاس للمستقبل المجهول وليس استدعاء لأشباح الماضي.
= أن المعرفة والعلم هي قراءة واستقراء للطبيعة والتاريخ، استنباط واستكشاف وليست فقط تأويلاً وترديداً لمعارف سابقة صادرة عن أقوال العارفين.
= أن جوهر المجتمع الحديث هو العمل، والعمل تجديد وإبداع وليس تكراراً واجتراراً.
= أن الواقع الإنساني واقع دينامي متحول، سيرورة وصيرورة تولد قوانينها ووتائر سيرها من ذاتها وليست صيرورة غائية.
= أن الحقيقة ليست مطلقة بل نسبية أو تاريخية أو مشروطة بسياق وبظروف تنتجها وتحددها.
= أن السياسة صراع وجدال وجدلية بين فرقاء وليست معطى مسبقاً ثابتاً.
= هذه المبادئ أو المعالم تبلورت عبر التاريخ الإنساني الذي تحكمه قوانين مشتركة.
الحداثة حسب العروي تجربة تاريخية فريدة، حدثت في مكان معين (أوروبا الغربية) وزمان معين (العصور الحديثة ابتداء من القرن السادس عشر) وانتشرت تدريجيا عبر العالم، بقوتها وبقدرتها الذاتية على الانتشار إغراء أو  قسراً. وقد تحولت لا فقط إلى تجربة تاريخية محلية ناجحة.. بل إلى نموذج كوني يدخل كل المجتمعات - متقدمة أو متأخرة - في دينامية وتنافس ومقارنات حادة، بل لعلها تحولت إلى ما يشبه العاصفة الكونية ذات الملامح القدرية التي تفرض نفسها، يسراً أو عسراً، كطريقة جديدة وفريدة في العيش. وذلك لأن الحداثة في عمقها وفي مكوناتها الأصلية هي جملة تحولات نوعية أو ثورات على شكل ماضيها؛ ثورة علمية في النظر إلى الطبيعة من حيث هي كيان قابل للقياس والتجريب، وثورة فكرية مؤداها أن التجربة العلمية والقياس العقلي هو الطريق إلى الحقيقة في نسبيتها لا في إطلاقيتها، وثورة دينية على المؤسسة التي تدعي تجسيد الروح والمعنى وفرضهما على كل المجتمع، وثورة اقتصادية كمية ونوعية، وثورة سياسية قوامها اعتبار كل الحياة الاجتماعية والسياسية قائمة على التعاقد والتمثيلية والانتخاب ونزع القدسية عن الكثير من السُّلَط...
يرى العروي أن استتباب هذه الريح التاريخية أو الموجة الكاسحة تعترضه عوائق ومقاومات، لكن العوم ضد هذه الموجة العارمة هو مجرد مخاطرة قد ترمي بصاحبها إلى حثالة التاريخ. ويفصل العروي في تشريح هذه العوائق التي تبديها المجتمعات العربية وغيرها بدرجات متفاوتة.
وأول العوائق هي المقاومات الناتجة عن الاختيار التقليدي الواعي الذي يرفض الوافد الجديد على أنه تهديد للصفاء والهوية. وبجانبه تتسطر العوائق المرتبطة بالثقافة السياسية المترسخة بفعل آليات التقليد، وهي ثقافة تمجيد الولاء والطاعة نازعة عن الفرد قدرته على إعمال العقل وإثبات الحرية الفردية. لكن العروي لا يقف عند التشخيص السلبي بل يلمح ويصرح بما يمكن اعتباره الطريق إلى تحقيق التقدم السياسي والفكري والتقني.
الاختيارات الفكرية للعروي كانت منذ البداية اختيارات حداثية صارمة فكرياً وسياسياً وثقافياً، رغم أنها توسعت واكتسبت مع الزمن الليونة اللازمة تجاه التقليد والتراث.
 

اقرأ أيضا