الاتحاد

الملحق الثقافي

غرابيل التاريخ

كيف يصنع التاريخ أبطاله؟ وهل التاريخ من يصنعهم، أم هم من يشكّلون التاريخ ببطولاتهم؟ هل أصبح البطل بطلاً لأن التاريخ في لحظة ما أراد هذا النمط من البطولة/&rlm&rlm&rlm&rlm&rlm&rlm الفعل؟ هل يحرك الأبطال التاريخ وفق صنيعهم، أم أن للتاريخ صيرورته وما الأبطال إلا أدواته؟ هل ما يصلنا من أسماء لأبطال تاريخين نُظر إليهم كذلك في عصرهم، أم أن منظارنا الحالي هو ما يُرينا إياهم أبطالاً؟ بالمقابل، أيوجد «أبطال» تم عدّهم أفراداً عاديين في عصرهم، ليأتي زمن آخر ويُتوجهم بالبطولة؟ وماذا عن الشخصيات الاستثنائية، أهي استثنائية بذواتها أم بمصادفة وجودها في الزمن والمكان الملائم لها؟ مالذي يجعل من بعض الشخصيات أسطورة يتداول الناس حكاياتها لأجيال وأجيال؟ هل عظمة إنجازهم أم خروجهم عن المألوف ما يجعل منهم أسطورة؟ قد يكون جوابنا المباشر، بنعم، ولكن لو تأملنا في التاريخ، لوجدنا أن للتاريخ غرابيله الخاصة، ينتقي من يشاء ليمنحهم البطولة، ومن يشاء ليتجاهلهم.

تعريف غير متجانس
اللغة ذاتها، لم تقدم تعريفاً متجانساً للبطولة، ففي اللغة «بَطَل الشيء: ذهب ضياعاً وُخسراً، والبطلةُ هم السحرة، والتبطل هو فعل البطالة وهو اتباع اللهو والجهالة، وأبطل فلانُ جاء بكذب». وفي آخر معاني البطل اللغوية نقع على معنى «الشجاعة التي تجعل الأشداء يبطلون عنده ويجعل الجروح تبطل في جسده فلا يُكترث لها. هذه المعاني المتعددة تجعل من البطل فكرة تحتمل الخطأ والصواب. فلا حقيقة موضوعية تجعل من البطل بطلاً، وإنما شهادات الشهود وتحيزات المحبين تزيد أو تنقص، فتقل معها الحقيقة وتزيد بالمقدار نفسه.» ليست اللغة وحدها من احتارت في تعريف البطولة، فمفسرو التاريخ حاولوا حل معضلة تعريف البطولة بعبارتهم الشهيرة: التاريخ يكتُبه المنتصرون؛ لذا فهو صوتهم وحدهم. ومن هنا فعلينا، نحن المُستمعون لحكايا التاريخ، أن نُرقق حاسة سمعنا، علنّا نتمكن من التقاط بعض الأصوات الخفيّة. أصواتٌ لضعفها أو لانخفاضها لم تصلنا أبداً، أو وصلتنا بشكل غير واضح، لم نستطع تجليه بشكل بيّن.
حتى لا يكون حديثُنا تنظيرياً، لعله يُستحسن أن نستحضر أحد الشخصيات الشهيرة لنختبر كيف يتلاعب التاريخ ببعض الحكاية، لتتناسب والإطار الذي أُعد للحكاية أن تكون. حواء شخصية ليست مجهولة على الإطلاق، ولكن هل تم تقديمها كشخصية أسطورية، أم أنها تعرضت لظلم التحيزات المسبقة وسوء القراءة؟ حواء أول بشري استُثيرت بفضول المعرفة. ومع هذا، لم يمنحها التاريخ مقعداً بجانب مقاعد العظماء. العظماء الذين قادهم بحثهم للشقاء، كجلجامش أو سيزيف. جلجامش الذي سحرته مغامرة البحث عن الخلود وسيزيف، الذي ظل يدحرج حجر المعرفة بلا وصول أو يأس. حواء كما وضعها التاريخ تقع بجانب مقاعد النساء الماكرات، اللاتي يُتقن ممارسة الغواية، ليقع الرجل في فخهن وفخ الغواية.


صورة حواء المختزلة
قصة حواء ذُكرت مع اختلاف في التفاصيل باختلاف الأديان والثقافات. ما يهمنا هنا ليس إثبات صحة أي منها، بقدر محاولة قراءتها، كما تكرست، كصورة وحدث في ذهنية الأفراد. أي الصورة المختزلة في العقل الجمعي، فأهمية ذلك تتجاوز أهمية القبض على «الحكاية الحقيقية» التي لا تشوبها شائبة. من خلال (الحكاية المتداولة) نتعرف إلى الكيفية التي يفكر بها أفراد مجتمع ما، تصوراتهم عن ذواتهم وعن الآخرين، وكذلك إشكاليات الوجود التي يختبرون. ولذا نجد القصص التي تتكرر في الثقافة الشعبية قد تنافي النص المكتوب، ومع هذا تظل الأجيال تتداولها حتى بعد تفنيد القصة المحكية بقصة «حقيقية». بما يعني أن (الحكاية المُختلقة والمُحرَّفة) أقرب إلى ذهنية مُتناول الحكاية من الحكاية الأصلية، إن وجد أصل لها.
حواء في الحكاية، تملّكها فضول لتناول الفاكهة المحرمة. قيل إنها فاكهة المعرفة، وقيل فاكهة الخلود، وقيل إنها الفاكهة المحرمة. على أي حال، دافع حواء وفقاً للأوصاف السابقة للفاكهة كان إما فضول للمعرفة، أو للخلود، أو للمجهول المحرم. هذا الفعل تم تقديمه بتفسير يستند إلى  فضول النساء وتدخلهن فيما لا يعنيهن. وفي تفسير آخر، نتيجة لسذاجة حواء حين اتبعت غواية الحية. الملاحظ أن في كل حكاية تكون بطلتها امرأة، تُستحضر الغواية كدافع أساسي. وكأن المرأة لا يُحركها، كما لا تُحرك الآخرين من حولها، إلا بهذا وحده! بقية الحكاية تقول إن حواء تجرأت وقطفت من الفاكهة، الفاكهة المتدلية أمامها، في الأرض التي تسكنها مع زوجها، حيث تنعم بالسكينة والراحة. السؤال هنا: من لا يفعل ذلك في مكانه، في سكنه الخاص؟ أي أن يمد يده ليقبض على الأشياء المتواجدة حوله، في مكانه ومسكنه، إلا أن كان وجوده، وجود ضيف عابر، لا مقيم دائم.. فهل كانت الجنة مكانهما العابر والمؤقت أم الدائم؟ سؤال لا نعلم جوابه، لذا سنلتفت لأمر آخر في الحكاية. حواء أقدمت على تفصيل صغير وملفت، هي لم تكتف باقتطاف الفاكهة وأكلها سراً، بل منحت آدم/&rlm&rlm&rlm&rlm&rlm&rlm شريكها مما اقتطفت، ليتذوق معها. بعدها طرد الاثنان من الجنة تحقيقاً للعقاب الإلهي على سلوكهما هذا. القصة في المخيال الشعبي، تُطرح كمثال لعقوبة عدم الالتزام بنواميس الكون وإطاعة الأمر الإلهي، دون اهتمام بتفاصيل الحدث والعقاب وحيثياته.
ما يهمنا هنا ليس مساءلة حس العدالة في المفهوم الشعبي، كما تكشفه الحكاية، بل في إغفال مناقشة وتناول تفصيل مهم؛ بطولة حواء. فحواء هي من ابتدأت المغامرة، بل ومنحت زوجها فرصة مشاركتها التجربة. حواء هنا لم تكن كما الأبطال التقليديين، بطلاً خرج وحيداً سعياً لاكتشاف المجهول. حواء لم تعش مغامرتها وحدها، بل بحس الأنثى أرادت أن تختبرها مضاعفة، عبر عيشها أولاً، وعبر مشاركتها مع شريكها ثانياً. افتقاد الأنانية واستحضار الآخر حتى في غمرة المغامرة، لم تكن صفة وجد فيها كُتاب التاريخ ما يستحق التوقف عندها لتأملها قليلاً. ليس هذا فقط، بل تم تهميش فعل حواء، فلم يُعد فعلها بطولة تعادل بطولة جلجامش. هي مجرد امرأة أخطأت، وبغوايتها وحماقتها أوقعت زوجها معها في الخطيئة. لا بطولة ولا عظمة هنا للفعل، فالبطولة تتحد بفاعلها لا بطبيعة الفعل! بطولة حواء هنا تصبح كما وصفها فرنان وناكي «لم يعد البطل نموذجاً. لقد غدا معضلة، معضلة بالنسبة لنفسه، وبالنسبة للآخرين». فهل يقبل كُتّاب التاريخ أن يكون أول بطل في التاريخ امرأة؟ فحتى في التاريخ الحديث نسبياً، يُقال: أول من آمن بمحمد من النساء، خديجة. وأول من آمن بمحمد من الرجال، أبو بكر الصديق. فصل يُراد به تجنيب وضع امرأة في صدارة الفعل الأول، ليتم حصر صدارة فعلها بين نوعها الجنسي فقط. تهميشٌ  من قبل (كُتّاب التاريخ) يجعلنا نستحضر أبو بكر الصديق باعتباره أول من آمن وباعتبار إيمان  خديجة خاص فهو حصري بتمايزه بين بنات جنسها. هذا الأمر امتداد لما نسمعه في الحكايا الشعبية، فدوماً ما نقابل العبارتين المترادفتين: «ذكاء الرجل» مقابل «كيد المرأة». فعلى الأغلب لن نجد تبديلاً للكلمات؛ كأن نقول كيد الرجل وذكاء المرأة، وإن كانت كلا الكلمتين تصفان امتيازاً في القدرات العقلية، إلا أن هذا الامتياز يصبح محايداً حين يقترن بالرجل: مجرد ذكاء. أما مع المرأة، فالتفوق العقلي يصبح مراوغة، مخادعة، مكر من لا تمتلك براءة النية، كما صورة المرأة في المخيال الشعبي، فالجندر يلعب دوراً غير محايد، في وصف الفعل، ذات الفعل.  
المفارقة أننا كثيراً ما نُردد أننا طُردنا من الجنة بسبب خطيئة أبينا آدم، ولا نقول خطيئة أمنا حواء. فالخطيئة فعل يستلزم استحضار آخر، حتى لو لم يكن هو فاعلها المباشر، ليتناسب هذا وذهنية متناول الحكاية. لنتساءل: لماذا قُدمت حواء على هذه الصورة؟ لمَ لم يضعها التاريخ في الصف الأول كأحد أبطاله رغم خوضها مغامرة استثنائية؟ هي من ابتدأت المغامرة الأولى سعياً وراء المجهول. فعل ارتبط بشكل أكبر بالرجال، لا النساء. حواء خاضت مغامرة على طريقتها وبتعريفها الخاص، متخففة من أعباء التحديدات «اللاحقة» التي تُقرر نمط الفعل المفترض، هذا التخفف جعلها لا تتوافق مع ما يستخدمه كتاب التاريخ من غرابيل لتقييم أي الأبطال يستحق جدارة البطولة. فإن كانت حواء خرجت عن المألوف في مغامرتها بحثاً عن إجابة، إلا أن غربالات التاريخ في الزمن الذي عايشته، أو على الأرجح الزمن الذي كُتبت فيها حكايتها، لم تستطع أن تلتقط مغامرتها.

كيف يُصنع الأبطال؟  
لنختم هنا بسؤال البداية، كيف يُصنع الأبطال؟ كيف تُحدد البطولة وما هي معاييرها، وهل المعايير ثابته لا تتغير؟ إجابات التاريخ، تظل لا يقينية، تندرج ضمن التخمين المُرجح. فلنستحضر الحاضر عله يمنحنا صورة أكثر قرباً ووضوحاً. هل من يحتلون المنصات الأمامية في زمننا الحالي، هم الأشخاص الأكثر جدارة وتميزاً في مجالهم؟ على الأغلب لا. ولا هذه ليست اتهاماً، بل لعل للبطولة اشتراطات تتجاوز امتلاك الفرد لصفات التميز وحدها. فمن هم في المقدمة فذلك يعود إلى أن حجمهم، وشخصياتهم ومجمل إنجازهم تتناسب والغربال الذي وضعوا فيه للكشف عن تميزهم.
تعدد المجتمعات واختلاف الحقب التاريخية أوجد عدداً من الغرابيل لتمييز الأفراد عن بعضهم. هذه الغرابيل تتنوع باختلاف المجتمعات وتغير قيمها وأفكارها وتصوراتها. الذي يحدث أنه في حقبة زمنية يستخدم المجتمع غربالاً لتصنيف الأفراد، من يسقط من الغربال، يسقط من التاريخ، ومن يبقى يصبح بطل تلك الحقبة. وقد يسقط أحدهم في غربال ولكن ينجح في غربال آخر. ولهذا أبطال هذا الزمن قد يكونوا أول ما يسقط من الغربال في زمن آخر. مع التنوية أن هناك شخصيات استثنائية، من الصلابة بحيث، وعلى الأغلب، لا يستطيع أي غربال إفلاتها، ولكنها تظل استثنائية.
لنُقرب الصورة بمثال حديث يكشف كيف هي معايير التميز أو البطولة متغيرة. «الفاشنستا»، هن الآن ملهمات المجتمع. يلعبن دوراً كبيراً في توجيه ذائقة الأفراد واختياراتهم وما قد يتسرب من هذا، وبشكل خفي من قيم مجتمعية كالاستهلاكية والاستعراض والركض وراء التغيير السريع الهش. ما تفعله الفاشنستا هو ببساطة تسويق للبضائع، بضائع الآخرين لا بضائعها. هي تستخدم لغة هذا العصر، أي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جيد. ولكن أليس تسويق بضائع الآخرين، هو ما كانت تقوم به «الدلّالة» في زمن سابق. بمهنة يُنظر لها ولممتهناتِها بدونيّة تحصرهن بفئة اجتماعية، حتى أن الدّلالة لتستمر في مهنتها، كان عليها إجادة النفاق ونقل الأخبار والفتن بين نساء الحي حتى تضمن بقاء الحاجة والطلب عليها. حكايا ألف ليلة وليلة، مثلاً، تستحضر شخصية الدّلالة كامرأة يتم استخدامها لتُوقع الأذى بابنة التاجر البريئة أو لتساعد في اختطاف حسناء. فكيف تحوّلت مهنة الدّلالة من مهنة ممتهنة ومُبخسة اجتماعياً إلى مهنة لأحد نجوم مجتمع ما. من المؤكد أن الفاشنستا لن يسجلهن التاريخ كأحد أبطاله التاريخيين، أو لعل هذا ما نتمناه، ولكن وفي أقل من خمسين سنة تحوّلت مهنة كانت تُمارس من قبل المهمشات من النساء إلى مهنة تمارسها فتيات توضع أسماؤهن كضيفات شرف في المحافل الاجتماعية، هذا يعيدنا لفكرة اختلاف الغربال المستخدم واختلاف توقيت استعمالها هو ما يجعل من أحدهم بطلاً في مرحلة ما أو تنتزع صفة البطولة من أحدهم؛ لأن مواصفات البطولة لم تتناسب وغربال ذلك الزمن، كما حصل مع بطلتنا، حواء.

«ذكاء» مقابل «كيد»
دوماً ما نقابل العبارتين المترادفتين: «ذكاء الرجل» مقابل «كيد المرأة». فعلى الأغلب لن نجد تبديلاً للكلمات؛ كأن نقول كيد الرجل وذكاء المرأة، وإن كانت كلا الكلمتين تصف امتيازاً في القدرات العقلية، إلا أن هذا الامتياز يصبح محايداً حين يقترن بالرجل: مجرد ذكاء. أما مع المرأة، فالتفوق العقلي يصبح مراوغة، مخادعة، مكر من لا تمتلك براءة النية، كما صورة المرأة في المخيال الشعبي، فالجندر يلعب دوراً، غير محايد، في وصف الفعل، ذات الفعل.

اقرأ أيضا