الاتحاد

الملحق الثقافي

فنّ الجوع

«نخاف من الجوع، وما يقتلنا هو الشبع» (1)، نبحث عن انعكاسنا على صفحة الماء، فلا نجد إلا شظايا المرايا تجرح أقدامنا في متاهتها نحو حرية حرة. نحشو فمنا بالكلمات ونطلقها فلا نصطاد إلا التعب! ثم عبثاً نصوم، ويطول صومنا لأجل مستقبل لا ينتظر تلك الأيادي المكبلة! (2) تبدأ من بعده رحلة الجوع، جوع الأرض!
عرف الإنسان الجوع باعتباره مهدداً لبقائه، راسماً خط موت إنسان واحد في كل ثانية تدق في ناقوسه (3)، ورغم ذلك تعامل معه باعتباره صناعة استراتيجية تسهم في توسيع رقعة هيمنته وتعظيم سلطته على حساب الآخر، الآخر الذي لم يجد في المقابل بداً من استخدام جوعه تطهراً وترفعاً وفناً، أو إشهاره سلاحاً.

صناعة الجوع
في لوحته «الجوع»، يروي الرسام الفلامنكي بيتروس باولوس روبنس، قصة الشابة الرومانية بيرو التي أرضعت والدها سيمون خفية عن حراس السجن، لتنقذه من حكم بالموت جوعاً وعطشاً، ويسقط هذا الحكم عن والدها لاحقاً بعد انكشاف أمرها، لتتحول هذه الحادثة إلى رمز للبر والعطاء في المجتمع الروماني، ويبرع الفنانون في تخليدها رسماً ونحتاً وتصويراً على مر العصور. ورغم ما تدرّه اللوحة من عواطف المتأمل لها، إلا أنها لا تثبت إلا حقيقة واحدة: نحن صنّاع الجوع، ونحن راسمو خريطته العمياء التي تنهش أجساد من نريد، وقتما نريد، وكيفما نريد! وحين نتحدث عن الجوع في منابرنا، ونختبئ خوفاً من شبح المجاعة فإننا فعلياً نبحث عنها، ونرسخ أقدامها لأننا نريدها أن تحضر بيننا، لتمنحنا حق الحصانة، وتبيح لنا إظهار وجهنا القبيح للعلن.
تطوف المجاعة دول العالم الثالث، وتتفشى في مستنقعات الحروب، ويذكر التاريخ أول مجاعة في إيرلندا عام 1845م التي كان الإنجليز سبباً مباشراً فيها بسبب شحنهم الأغذية من إيرلندا إلى بريطانيا، أي توفير ما يؤمنهم غذائياً في مقابل مجاعة الآخر وموته، بل وقد يأتي في أقنعة تزيّن للعالم الفعل وتنفي الجرم، لكنها تؤدي إلى المصير ذاته، كأن يُجبِرَ المستعمرون الدول المستعمرَة على إنتاج السلع التي يريدونها، مثل التركيز على الكاكاو فقط في غانا، والمطاط في ليبيريا، وتوجيه داهومي وجنوب غرب نيجيريا إلى زيت النخيل، وتنزانيا إلى السيزال، وأوغندا إلى زراعة القطن، وليس غريباً أن هذه الدول آنفة الذكر تعاني ويلات الفقر ونقص الغذاء كون السلع المطلوبة لا تقع في الدائرة الغذائية لسكانها الأصليين، الذين وقعوا بين كفَّي كماشة، فلا هم من المستهلكين ولا هم من المصدرين، بل هم الذين يقفون على بساط الأرض يرقبونه ينحسر عن أقدامهم دون أن تكون لهم الكلمة ولا الفعل، بل الجوع والموت.
وإن لم نتحدث عن المجاعة في شكلها الأبشع، فليكن الإنتاج المتخصص - المودي بالإنتاج الزراعي الغذائي إلى الهاوية - كالذي تنتهجه إسرائيل ضد قطاع غزة، حيث «يقدّم إنتاج الفراولة والزهور في غزة، وهما السلعتان الزراعيتان الوحيدتان اللتان كان يسمح بإخراجهما من قطاع غزة في الفترة 2007 - 2010 مثالاً بارزاً لمفهوم (الإنتاج المتخصص)، الذي وصفته نظرية النظام الغذائي بأنه يستقطب الطلب من المستهلكين الأثرياء المستثمرين، ويحفز إنتاج بعض السلع، من دون الاكتراث للتكلفة المترتبة على المزارعين المحليين والبيئة. لكن في غياب الأنظمة، يبقى المستثمرون مجرد مرتزقة، وينتقلون سريعاً بحثاً عن أرباح أكبر» (4). وبهذه الطريقة، فإن المحتل يقوّض حرية الغذاء، ويفرض رؤيته التي تثبت أركانه في الأرض المسلوبة، وهو ما يجعلنا نتساءل عن تعريفنا الصحيح للسيادة الغذائية التي لا تعني استغلال الأرض للاستثمار الأكثر مبيعاً في السوق العالمي بقدر ما هي «إقرار بحق الشعوب الأفقر في امتلاك حقوق بقدر ما تتعلق مباشرة بحقوق الشعب في تحديد إنتاجه الغذائي، وفي الواقع يجب اعتبارها شرطا مسبقا للأمن الغذائي» (5).
ورغم رضا المزارعين الغزيين بهذا الواقع، وتحول عدد كبير منهم إلى هذه الزراعة، إلا أن للواقع فيما يبدو كلمة أخرى أشد ألماً ومرارة، لتتعفن زهور القرنفل على حدود غزة وفي دفيئاتها بسبب الحصار (6)، ثم ينبري الإعلام متحدثاً عن تبعات الزيادة السكانية المؤدية إلى المجاعة! متناسياً كتاب التاريخ الخالد الذي ينادي بإرادة الشعوب، الشعوب التي صرخت «سنحول العرق إلى ماء، والماء إلى قمح» (7) رغماً عن المحتل، ونمنّي أنفسنا برائحة زيت الزيتون البكر الذي يعصر في معاصر الضفة الغربية ويحرم الغزيون منها بسبب الحصار، ما يدفع المزارعين في الضفة إلى الحسرة: «نحن نزرع أرضنا لإطعام شعبنا، وليس للسماح للاحتلال الإسرائيلي بتحقيق هدفه باقتلاعنا من هذه الأرض وتحطيم أحلامنا» (8).
 
جوع الروح.. وروح الجوع
قضمة واحدة من رغيف خبز قد تعيدكَ ذاكرتك أشواطاً إلى حيث تنادي «أحن إلى خبز أمي»، فيحضر الغذاء المعادل للروح، عندما نأكل لنعيش ماضينا في حاضرنا، ونرسم ملامح مستقبلنا بفتات ما تبقى لنا من التاريخ، التاريخ الذي يذكرنا بأن كل ما زرعناه في الأمس سنحصده غداً، إما ثمراً ناضجاً شهياً، أو حصرماً مراً (9). هكذا يحدث أن منظومة الغذاء ليست إلا سلسلة في حلقة الجسد الكوني الأشمل، فالأرز الذي يعتاش عليه الشرق الأقصى ما هو إلا صورة القمح الذي يسري في عروق أوروبا والشرق الأوسط، وامتداد أعناق الذرة التي تنبت في ربوع الأميركتين. وفي هذا الجسد الكوني الواحد يُطحن الحُب والغضب والفرح والحزن والأمل واليأس، هذا الكون الخاضع لمبدأ الواحدية، حسب المذهب الأفلاطوني: إن «الكون هو كائن حي له روحه وبدنه وإننا أشباه لهذا الكائن الكوني، وإن ما يحدث لأي عضو في البدن مهما تباعد وضعه عن بقية الأعضاء، فإن ذلك يخلف أثراً في الكل» (10)، وهو ما يعيدنا إلى السيرة الأولى: الجوع الذي نطعن به جسداً هناك، يرمينا بالخوف هنا، وإضراب الجوع الذي نرسم ملامحه على أجسادنا، ينبتُ حرباً أخرى، ويسفك دماً آخر، في سلسلة لا تنتهي.. ومشهد درامي يجعلنا نعيش (فن الجوع) على طوابير بشرية، عوضاً عن مشهد واحد لفنان جوع واحد تصطف الجموع لتشاهده، إلى أن يأكلها الملل!

جسد هزيل يقتات على الأمل
في هذه اللحظة بالذات
هناك رجلٌ يتوجع،
رجلٌ معذب
لا لشيء سوى لأنه يعشق الحرية.
أجهل أين يعيش،
أي لغة يتكلم،
ما لون بشرته،
ما اسمه، ولكن
في هذه اللحظة بالذات
عندما تقرأ عيناك قصيدتي الصغيرة هذه،
هذا الرجل موجود، ويصرخ،
يمكن أن نسمع نحيبه،
نحيب حيوانٍ مطاردٍ،
بينما يعضّ على شفتيه
كيلا يشي بأصدقائه:
أوَ تسمع؟
هناك رجلٌ وحيدٌ يصرخ مكبّلا،
موجودٌ في مكان ما.
هل قلتُ إنه وحيد؟
ألا تسمع، مثلي،
وجع جسده مكررا في جسدك؟
ألا تنبجس دماؤكَ
تحت الضربات العمياء؟
لا أحد وحيدٌ. الآن،
في هذه اللحظة بالذات،
أنا وأنتَ أيضا
مكبّلان (11).

قبل ظهور المسيحية، يسجل التاريخ ظهور الإضراب عن الطعام في إيرلندا، باعتباره أحد وسائل الاحتجاج، يكون فيه الإضراب أمام منزل الجاني - لما لإكرام الضيف من أهمية في تلك الأيام - وسيلة دفاعية عن الحق، إذ كان السماح للشخص المضرب بالموت جوعا أمام المنزل عاراً كبيراً على صاحبه، فيستخدم المُضرِبُ هذه الوسيلة لاسترداد الدين أو تحقيق العدالة. وقد أقِرّت هذه الوسيلة في النظام القانوني البريهوني (12). وليست الهند بعيداً عن ذلك في ملحمتها الشعرية رامايانا (13) التي أوردت هذه الممارسة أيضاً، لكن الحكومة الهندية عملت على منعها اعتباراً من عام 1861. ولكن المهاتما غاندي عاد إلى استخدام الإضراب عن الطعام في سجنه إبان الاحتلال البريطاني للهند، باعتباره وسيلة للاحتجاج تتماشى مع مبدأ (الساتياغراها) التي تعني (المقاومة غير العنيفة). ومن إيرلندا إلى الهند، مرورا بإيران وتركيا وبريطانيا وصولا إلى أميركا وكوبا، عرف الإضراب أهدافا إنسانية مختلفة، منها ما بحث عن الحرية أو تحسين الظروف المعيشية أو الاقتراع الحر أو المساواة أو غير ذلك من مطالب، ليشارك فيه الرجال والنساء على حد سواء. وظل التعامل معه في كل مرة يعيد إلى الأذهان صورة الفتاة الرومانية في اللوحة الخالدة: ظلم المتجبر، وضعف الباحث عن بصيص أمل. ومع تكرار حالات الإضراب عن الطعام إلا أن الأكثر حضورا وتكرارا هو (معركة الأمعاء الخاوية) التي يلجأ إليها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إذ سُجّل أول إضراب في سجن نابلس عام 1968، لتتوالى حالات الإضراب باستمرار الأسر والظلم واستباحة الأرض إلى يومنا الحالي، وتحصد أرواحا تكالب عليها الجوع والظلم وطول الأمل.
فما الذي يدفع الإنسان - كائناً من كان - إلى خوض هذه المعركة متسلحاً بجسد هزيل! جسد يراه السجان في ضعفه أقوى من المدافع والدبابات، أجل: «لقد مرت قرون طويلة جداً وصراعات هائلة، قبل أن يكتشف الإنسان جسده ويقوم بتمزيق أكفانه ويخرج من قبوره اللاهوتية، معلناً بهذا صرخته الكبيرة وثورته على سجانيه وعودته للحياة من جديد» (14)، هنا بالضبط يتعدى الإنسان تلك الحدود الحمراء التي ابتدعها أسلافه، مشكلين درعاً تاريخياً سقيماً، ومشككين في كل ما وراء ذلك من آمال وأحلام ورؤى. لقد عرف سدهارتا بطل هيرمان هِسّه القوة المطلقة في الصبر وتحمل الجوع والانتظار، ويعرفه اليوم الأسرى العُزّل في السجون، فلا أقسى على السجان من الانتظار أمام كبرياء الجوع مكتوف الأيدي.
«سأدافع عن حقدي وغضبي ودموعي بالأسنان والمخالب، سأجوع عن كل فقير، وسأسجن عن كل ثائر، وأتوسل عن كل مظلوم، وأهرب إلى الجبال عن كل مطارد، وأنام في الشوارع عن كل غريب» (محمد الماغوط).
 
كافكا... ميتا على حافة الجوع
في الجانب الآخر من مملكة الطعام والجوع، يموت فرانز كافكا (15) تاركاً «شرف فنه يحرم عليه تناول الطعام» (16) - كما يروي في عمله القصصي الأخير الذي كتبه قبل وفاته «فنان الجوع»، إذا ما علمنا أن الجوع كان سببا رئيسا في وفاة كافكا الذي أصيب بالسل، إذ أصيب بآلام حادة في المريء تعسر معها تناول الطعام الذي كانت لقمة واحدة منه مؤلمة بما يكفي لتجعله يزهده ويسلّم حياته لقبضة الجوع، لكنه بموته يطلق آلاف الأسئلة عن بطله الذي كان يتقن «فن الجوع»، ويعتبره عملاً إبداعياً عظيماً يندر أن يبرع فيه فنان آخر، ونمضي مع كافكا في استدراج الحقيقة إلى أن ننتهي إلى قفص ينزوي فيه فنان الجوع وحيداً منبوذاً، بعد أن فقد فن الجوع دهشته الأولى، ف «ما الذي يعنيه الصيام بالنسبة إليهم؟»، ذلك البريق الذي انطلق من عيون الأطفال المتابعين لفنان الجوع في قفصه، المتعطشين لاكتشاف سره، جعل فنان الجوع يمنّي نفسه في لحظة ما «كل شيء سيتغير قليلا نحو الأفضل». لكن ذلك لا يحدث، في هذا الكون الآخذ في التمرد على جسده الأفلاطوني، المنكر لطبيعته الأم، ينتهي فنان الجوع وحيداً ساقط العد من تقويم الأيام التي لم  يعد يذكر الناس متى بدأ فيها الصيام. أجل، «لم يكن فنان الجوع مخادعاً - كان يعمل بكل صدق - لكن الحياة سرقت منه أجره». ولأننا ندفع ثمن استسلامنا للحياة، وثمن أخطائنا مهما ارتكبناها بحسن نية (17)، مات فنان الجوع في قفصه وحيدا بين خيوط القش. قال المشرف: «حسناً.. نظفوا هذا المكان الآن ورتبوه». ودفنوا فنان الجوع جنباً إلى جنب مع القش، ووضعوا في قفصه نمراً يافعاً. وكان من الواضح - حتى لأكثر الناس بلادة - أن منظر هذا الحيوان المفترس ممتعٌ وهو يتجوّل داخل القفص، الذي بقي كئيباً لفترة طويلة. لم يعد القفص ينقصه أي شيء. ومن دون أن يفكروا طويلاً بالأمر، جلب الحراس الطعام للحيوان. لقد استمتع النمر بالطعام وبدا وكأنه لم يفتقد حريته على الإطلاق. كان هذا الجسد النبيل مزوداً بكل ما هو ضروري، إلى حد الانفجار تقريباً، وقد بدا وكأنه يحمل الحرية أيضاً بين ثناياه. ويبدو أن تلك الحرية كانت في موضعٍ ما في أنيابه، حيث تدفقت سعادته بالحياة باندفاع هائل نابع من أعماق حنجرته إلى حدٍّ لم يعد يسهل معه على المشاهدين مواصلة العرض. غير أنهم سيطروا على أنفسهم، وواصلوا التدافع نحو القفص، ولم يكونوا راغبين بالمغادرة».

نجوع لأجل السلام
ولكن، دعونا نتطهّر، فلنرتقِ بأرواحنا بعيداً عن شهواتِ البطن الذي ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً منه (18)، ألا تتسرب الرحمة إلى أرواحنا مع قرصات الجوع؟ ألا يصبح للقمة في فمنا طعمُ الإحسان! إنه الصوم هذه المرة، الصوم الذي لا يدعونا إلى التمرد بل إلى السلام، والإحساس بمواجع الآخرين وطول انتظارهم. هذا الصوم الذي كُتب على معظم الشرائع والأديان - وإن بصيغٍ مختلفة في طول فترته وأصناف الأطعمة التي يمتنع عنها الصائم - ما هو إلا تعبيرٌ واضح عن وحدة الكون في دفاعه عن نفسه ضد الشر وتطهيرها.
يتدرج الجوع إلى ثلاث مراحل: الجوع، والمخمصة والمسغبة، تأتي الأولى بعد ساعتين من تناول آخر وجبة، والثانية بعد 12 إلى 24 ساعة، والثالثة تصل ذروتها بعد 3 إلى 4 أيام، رغم ذلك فإن الجسد يملك الصبر على الجوع ليالي وأياما، ويختلف تحمل المرء للصيام باختلاف الاستعداد الصحي والنفسي والجسماني، ونوعية الصيام وماهيته وأسبابه.
يصوم المسلمون شهر رمضان كاملا كُتب عليهم بأمر ربهم، بالإضافة إلى أيام متفرقة أخرى دعت إلهيا السنة، ممتنعين عن الطعام والشراب من شروق الشمس إلى مغربها، باحثين عن سلام داخلي يصومون فيه عن أذى الروح والقلب واللسان والبدن، فالمسلم الحق هو الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده، وتبدو منزلة الصيام وثوابه في الإسلام عظيمة بما يجعل ثوابها بيد الله وحده في نص الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به».
أما المسيحيون، فينقسمون إلى مذاهب عدة لكل مذهب منها طريقته في الصوم والتعبد، فالكاثوليك يمتنعون عن الطعام بتقليل كمياته إلى وجبة أو وجبتين صغيرتين في الصباح والمساء مع الامتناع عن تناول الطعام بينهما، مع وجوب تراوح عمر الصائم بين 18 إلى 59 عاماً، أو الصيام الكامل بالامتناع عن تناول اللحوم، أو الصيام الجزئي بتناول اللحم في النهار فقط. أما المسيحيون من طائفة الأنجليكيين، فتأتي أيام صيامهم أربعين يوماً من الصوم الكبير، وأياما متفرقة أخرى إلا إذا صادفت عيد الميلاد، بينما يصوم المسيحيون الأرثوذكس أربعين يوماً والأسبوع العظيم وصيام المهد (40 يوماً)، وأول أسبوعين من شهر أغسطس. ويصوم اليهود يوم التوبة - الذي يعد أعظم أيام السنة عندهم - بصيام 25 ساعة، متشحين بالبياض ممتنعين عن لبس الأحذية في هذا اليوم. وكذلك يصومون ستة أيام متفرقة خلال السنة لها تعليلاتها، وتتسم جميعها بالامتناع عن العلاقات الجنسية واستخدام زيوت الجسم ومعجون الأسنان.
أما الطائفة المرمونية، فتصوم في الأحد الأول من كل شهر، ويسمى أحد الصيام، وتعتبر الأموال التي تجمع جراء عدم شراء الوجبات تبرعات يطلق عليها «هبة الصيام» تمنح للكنيسة. وكذا الهندوس يصومون في أيام الاثنين إن كانوا من أتباع الإله شيفا، أما أتباع الإله فيشنو فيصومون أيام الخميس، يمتنع بعضهم في الصيام عن الأطعمة، بينما يحلل لهم شرب السوائل، أما البعض الآخر فيتناول الفواكه والحليب فقط من طلوع الشمس إلى غروبها. ومن المميز لدى الهندوس في شمال الهند ارتداء الثياب الصفراء وتحضير مائدة ذات أطعمة صفراء واستخدام سمن ملون بالأصفر، وتقديس شجرة الموز والاعتناء برَيّها في صيام يوم الخميس.
ولا تشجع الديانة السيخية على الصيام إلا في الحالات الطبية، وترى أن الأجر العائد من الصيام ليس إلا نزراً يسيراً من الفائدة الروحانية التي تتأتى في أمور أخرى أكمل وأهم. أما الرهبان البوذيون، فيمتنعون عن الطعام بعد وجبة الظهر فقط، سعياً للانضباط والتأمل والصحة الجيدة، لكن البوذية لا تحدد صياماً بالمعنى المعروف كما في الديانات الأخرى.
المتأمل لحال الصائمين على اختلاف دياناتهم وعاداتهم، لا يملك إلا أن الخشوع في محراب الكون، وقراءة كف الحياة التي تتلون بتلون عباداتهم، وتمشط شعرها أمام مرآة تعكس حقيقة الوحدانية، والوحدة، لتجمع الناس مهما اختلفت مشاربهم على الخير والحب والرحمة والجمال.

وصايا الملح والطين
يصل الغذاء إلى المعدة عابراً القلب والعينين، في طريق لم يبدأ ببذرة في الأرض، بل بإيمان راسخ في اليد التي غرست تلك البذرة أولاً، لتبارك الأرض والسماء تلك البذرة وتمنحها من مائها وخصوبتها ودفئها ما يمكنها من أن تنبت وتزهر وتثمر. وفي مروره بأطواره، يصل الغذاء إلى مائدتنا حاملا معه بصمته الخاصة، فيندر أن تجد شعباً لا يباهي بأطباقه التي يتفنن في إعدادها محملاً إياها تراثاً وتاريخاً متجذراً في كل لقمة، فالأم التي تعد خبز الطابون مستحضرة جدتها في الشام، هي ذاتها التي تجفف اللبن لتصنع السميتانا في روسيا، أو تطحن الأرز لتحضر أقراص الجولاب جامون في الهند. ولعله ليس غريبا على مجتمعاتنا أن تحتفي بالطهي في كتب تطبع خصيصا لتوثيق وصفات إعداده، وتعد من بين أكثر الكتب مبيعاً في معارض الكتاب، ولكن - برغم سخرية بعض المثقفين من ذلك (19) - ألا تعد هذه الكتب وثيقة تؤرخ لهذه المأكولات وتصنفها وتثبت أصولها؟ وإلا لما كنت تجد الجائعين والصائمين والمضربين والطهاة والمثقفين أيضاً يقفون معا في خندق واحد إذا نال أحد من قدسية غذائهم ومرجعيته، كمحاولة الإسرائيليين الترويج لأطباق الفلافل والشكشوكة الفلسطينية باعتبارها أطباقا من تراثهم، أو سرقة الكاكاو من الهنود الحمر لإيصاله إلى موائد الطبقات المخملية الأوروبية وردم ما لهم من فضل وأصل في ذلك تحت ركام التاريخ. إنها قصة الجوع إلى الحقيقة، والخلود، فنحن لا نعيش لنأكل، ولا نأكل لنعيش، بل لنخلد قصة جوعنا في كل لقمة يتناولها من يأتي بعدنا، فتنقل لهم حكايانا، ووصايانا، وصايا ابن آدم الذي علمه ربه كل الأسماء، وعلمته النار كيف ينضج طعامه، والصحراء كيف يروي ظمأه، والطبيعة كيف يحترم ناموسها، ليكون ابن الطين الممزوج بالملح.

معارك الأمعاء الخاوية
من إيرلندا إلى الهند، مرورا بإيران وتركيا وبريطانيا وصولا إلى أميركا وكوبا، عرف الإضراب أهدافاً إنسانية مختلفة، منها ما بحث عن الحرية أو تحسين الظروف المعيشية أو الاقتراع الحر أو المساواة أو غير ذلك. ومع تكرار حالات الإضراب عن الطعام إلا أن الأكثر حضوراً وتكراراً هو (معركة الأمعاء الخاوية) التي يلجأ إليها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إذ سُجّل أول إضراب في سجن نابلس العام 1968، لتتوالى حالات الإضراب باستمرار الأسر والظلم واستباحة الأرض إلى يومنا الحالي، وتحصد أرواحاً تكالب عليها الجوع والظلم وطول الأمل.

تضامن
«سأدافع عن حقدي وغضبي ودموعي بالأسنان والمخالب، سأجوع عن كل فقير، وسأسجن عن كل ثائر، وأتوسل عن كل مظلوم، وأهرب إلى الجبال عن كل مطارد، وأنام في الشوارع عن كل غريب».
محمد الماغوط

أقنعة الجوع
ربما يأتي الجوع في أقنعة تزيّن للعالم الفعل وتنفي الجرم، لكنها تؤدي إلى المصير ذاته، كأن يُجبِرَ المستعمرون الدول المستعمرَة على إنتاج السلع التي يريدونها، مثل التركيز على الكاكاو فقط في غانا، والمطاط في ليبيريا، وتوجيه داهومي وجنوب غرب نيجيريا إلى زيت النخيل، وتنزانيا إلى السيزال، وأوغندا إلى زراعة القطن. وليس غريبا أن هذه الدول آنفة الذكر تعاني ويلات الفقر ونقص الغذاء كون السلع المطلوبة لا تقع في الدائرة الغذائية لسكانها الأصليين، الذين وقعوا بين كفَّي كماشة، فلا هم من المستهلكين ولا هم من المصدرين، بل هم الذين يقفون على بساط الأرض يرقبونه ينحسر عن أقدامهم دون أن تكون لهم الكلمة ولا الفعل، بل الجوع والموت.
......................................................................
هوامش
1- اصطَلِحوا مع الجوع، د. صالح بن سعد الأنصاري، موقع صيد الفوائد الإلكتروني.
2 - «كي نملك المستقبل، يجب ألا يكون مرهوناً»، زمن الديمقراطية، المهدي المنجرة، ط1، 2017، المركز الثقافي العربي، المغرب.
3 - يموت بسبب الجوع في العالم فرد كل ثانية - 4000 كل ساعة - 100.000 كل يوم - 36 مليون كل عام (إحصاء 2001- 2004)، «ويكيبيديا».
4 - السيطرة على الغذاء: السيطرة على الشعب، الكفاح من أجل الأمن الغذائي في غزة، رامي زريق وآن غوف. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014م، ط1، بيروت.
5 - السيطرة على الغذاء، مرجع سابق.
6 - «تملك غزة القدرة على تصدير 55 مليون زهرة قرنفل سنوياً، لكن بسبب إجراءات الإغلاق والحصار، غالبا ما تتعفن الزهور عند الحدود في المستودعات، أو في الدفيئات»، السيطرة على الغذاء، السيطرة على الشعب، مرجع سابق.
7 - شعار سكان مقاطعات هوباي وهونان وشانتونج في الصين: «سنحول العرق إلى ماء، والماء إلى قمح»، مستخدمين المعاول والجواريف وأدوات ركبوها بأنفسهم للانتفاع بمصادر المياه الجوفية والقضاء على الجفاف، صناعة الجوع، مرجع سابق.
8 - «السيطرة على الغذاء...» مرجع سابق.
9 - «لكن الشعوب تسمع صوت الغد يناديها لإثبات إرادتها إذا أرادت مكاناً في هذا الغد». زمن الديمقراطية، المهدي المنجرة، ط1، 2017، المركز الثقافي العربي، المغرب.
10 - جحيم نيوتن، تأملات ثقافية في تحولات العالم، ج1، عبد العزيز جاسم، دار التنوير، ط1، 2017.
11 - في هذه اللحظة بالذات، خوسيه أوغوستين غويتيسولو، شاعر إسباني (1928 - 1999)، ترجمة: جمانة حداد، سيجيء الموت وستكون له عيناك، ط1، 2007، الدار العربية للعلوم - ناشرون، لبنان.
12 - قوانين بريهون: هي مجموعة قوانين أقرتها العشائر الإيرلندية في ذلك الوقت.
13 - رامايانا هي ملحمة شعرية هندية قديمة بالسنسكريتية تـُنسب إلى الشاعر ?الميكي. وتعد تراثاً هندياً أصيلاً يكاد يكون مقدساً.
14 - جحيم نيوتن، مصدر سابق.
15 - كاتب تشيكي يهودي كتب بالألمانية، ويعد أحد أفضل الأدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة (1883 - 1924)
16 - «إذ إن أولئك الذين امتلكوا ما يكفي من الفهم كانوا يدركون أن فنان الجوع لن يتناول أي شيء على الإطلاق طيلة فترة صيامه، في أي ظرف كان، حتى لو أُرغم بالقوة على تناول الطعام. إن شرف فنه يُحرّم عليه تناول الطعام». فنان الجوع، فرانز كافكا، ترجمة: نواف شاذل طاقة، جريدة الزمان العراقية، 14 فبراير 2014.
17 - «قضاء الله لا يرد على أحد، وكلكم يقضي ديون طفولته في رشده. فمن ضاق صدره دون سبب وشعر بالألم دون داعٍ فيعلم أنه دينٌ نسيه هو.. ولا ينساه الديّان». موت صغير، محمد حسن علوان، ط4، دار الساقي، 2017.
18 - عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».
19 - «أكثر الكتب مبيعاً في الدول العربية هي كتب الطبخ وتفسير الأحلام، وهذا دليل أننا شعوب تأكل وتنام». نجيب محفوظ.    

 

اقرأ أيضا