الاتحاد

الإمارات

خدم المنازل هل هم جناة أم ضحايا داخل البيوت؟


تحقيق: أحمد المنصوري:
أصبح المجتمع الإماراتي يعتمد على خدم المنازل بشكل كبير، وأصبحت الأسر تعتبر الخادمة أو السائق أو الطباخ ضرورة من ضروريات الحياة بعد أن كانت تعد من صور الترف الاجتماعي قبل عقدين· وقد فرض واقع الحال وطبيعة المجتمع الاعتماد بشكل كبير على الخدم والعمالة الوافدة في تسيير أمور الحياة والمنزل وشؤون الأسرة·
كثير من الخدم يأتون من مجتمعات ذات عادات وتقاليد مختلفة وخلفيات ثقافية متنوعة، وبينهم الصالح والطالح· وقد لا يتأقلمون بشكل جيد مع طبيعة وتقاليد المجتمع الإماراتي فيؤثر البعض منهم في المجتمع بشكل سلبي من خلال ارتكاب الجرائم والمخالفات المتعددة كالقتل والسرقة والسحر وخيانة الأمانة والمشاكل الأخلاقية وغيرها·
من جانب آخر، يقع بعض الخدم ضحايا سوء معاملة المخدومين وأرباب العمل بسبب قلة وعي ودين البعض الذي لا يحفظ حقا ولا يتورع عن ظلم من هم ضمن رعايته ومسؤوليته· وتتعدد صور المشاكل التي يكون الخدم ضحاياها كالضرب والتحقير، وعدم دفع الأجور، وعدم توفير المسكن والغذاء الملائم، وتحميلهم أعباء عمل متزايدة دون راحة، وقد تصل عند البعض إلى حد التحرش والاعتداءات الجنسية·
وأصبحت مسألة التذكير بحقوق وواجبات كل طرف ضرورة ملحة خاصة بعد الاهتمام العالمي بتسليط الضوء على حالات إساءة معاملة الخدم في دول المنطقة·
يحاول هذا التحقيق فتح ملف قضايا خدم المنازل وما لهم وما عليهم، من خلال التطرق إلى واجباتهم والحديث عن المشاكل الاجتماعية والقضايا التي يرتكبونها· والتعرف على بعض الإحصائيات والأرقام الرسمية المسجلة لدى الشرطة حول أنواع القضايا التي ترد إليهم سواء كان الخادم جانيا أو ضحية· ويستعرض الرأي الشرعي والهدي النبوي في أصول التعامل مع الخدم وحقوقهم دعوة أرباب العمل لحسن معاملتهم وتجنب ظلمهم·
تقول ربة المنزل 'أم محمد' أن قضية الخدم والشغالات في المنازل قضية شائكة ولها إفرازات وتبعات اجتماعية عديدة على الأسرة والمجتمع· وأوضحت أنها ولحسن الحظ لم تتعرض للمشاكل بسبب الخادمات رغم أنها تتعامل معهم منذ أكثر من عشرين عاما·
وقالت: 'هناك بعض المشاكل الصغيرة التي كانت تظهر كسرقة بعض الأغراض المنزلية البسيطة، أو عدم تنفيذ الأشغال المنزلية بالصورة المطلوبة بسبب الإهمال·· وكنا في كل مرة نتصرف مع هذه الحالات بحكمة، حتى لا تتفاقم المشاكل وتتطور بشكل لا تحمد عقباه·'
وأكدت أنه من الضروري دينا وخلقا أن يحسن الشخص معاملة الخادمة ولا يظلمها ولا يحملها أعباء منزلية فوق طاقتها، لأنها إنسان بطبيعة الحال وذات مشاعر وأحاسيس يجب أن تصان·
وقالت: 'بعض الناس يتعاملون مع الخادمات بأسلوب الأوامر العسكرية وإن أخطأت فالويل لها، وآخرون يثقلون كاهلها بالأعباء المنزلية من الصباح الباكر حتى ساعات الليل المتأخرة وكأنها آلة لا تحتاج إلى راحة·'
وأشارت أم محمد إلى أن الكثير من المشاكل التي ترتكبها الخادمات يعود أساسا إلى سوء المعاملة التي تتلقاها من الأسرة، فتعمد إلى الهرب من المنزل، أو الانتقام من الأسرة بإيذاء الأطفال الصغار وضربهم أثناء غياب الأم·
من جهتها ترى عائشة صالح تعمل مدرسة أن الخادمة 'شر لا بد منه' معتبرة أن الظروف الاجتماعية والأعباء الحياتية وخروج المرأة للعمل تدفع الأسر إلى جلب الخدم للعمل في المنازل··
وقالت إنها لم توفق كثيرا مع الخادمات التي تجلبهن فإحداهن هربت من الأسبوع الأول، وأخرى ضبطت مع رجل غريب في غرفتها، والثالثة كانت 'بليدة' لا تحسن العمل أبدا·· وهكذا·
وأكدت عائشة أنها لا تتعامل مع الخادمات بأسلوب 'التطفيش' أو الصرامة البالغة إلا أنها في الوقت نفسه تحذر منهن، لأن بعضهن يتعاملن بالسحر وأخريات يحاولن إغواء الزوج أو الأبناء الكبار·
وأضافت: 'بعض الخادمات بارعات في نقل الأسرار المنزلية إلى خادمات الجيران وبالتالي يصل إلى كل أهل الحي·'
شركات جلب الأيدي العاملة والخدم التي تعد أحد الأطراف المعنية لا تستطيع أن تضمن لمقدم الطلب أن الخادمة ستقوم بأداء دورها بالشكل المطلوب، ولا أن تضمن للخادمة أن الأسرة التي ستعمل عندها ستحسن معاملتها·
ويرى جمعة سعود صاحب مكتب زمزم للأيدي العاملة أن مشاكل الخدم في المنازل عديدة يكون فيها المخطئ إما الخادم أو رب العمل أو الطرفان معا·
وحول أهم المشاكل التي ترد إليهم كجهة تستقدم الخدم هي الشكوى من ضغوط العمل قائلا: 'أحيانا تكون الخادمة قد وضعت في مخيلتها بيتا صغيرا وعائلة صغيرة، وأعباء منزلية قليلة· ثم تفاجأ بعد ذلك بأنها ستعمل في بيت كبير يعج بالأفراد مع أعباء وتكاليف منزلية كثيرة·· وهنا تبدأ المشكلة من حيث عدم رغبتها في العمل، والمطالبة بتغيير مكان العمل·'
وأوضح إن بعض الخادمات اللاتي لا يرغبن في العمل لدى المكفول يتعمدن في إثارة المشاكل والادعاء بأن رب المنزل أو أحد الأبناء اعتدى عليها·
وأشار جمعة سعود إلى أن هناك حالات أخرى تعاني فيها الخادمة من ظلم كبير كإساءة المعاملة، وعدم دفع الأجور·
حالات فردية
وأكد جمعة سعود أنه ومن خلال خبرته في العمل اكتشف أن أوضاع خدم المنازل والعمالة في الدولة جيدة بشكل عام، وأن شكاوى إساءة المعاملة هي الأقل من بين دول المنطقة نظرا لوجود قوانين وتشريعات تضمن حقوق جميع الأطراف، وأيضا بسبب طبيعة أهل البلد الذي يعرف عنهم بالتسامح والكرم ونبل الأخلاق·
وأشار إلى أن حالات إساءة المعاملة لا ينبغي تعميمها، وهي حالات فردية يرتكبها أشخاص ضعيفي النفس والإيمان·
وضرب مثالا عن إحدى حالات إساءة المعاملة التي شهدها بنفسه حيث أتت إليه ربة منزل لتستلم الخادمة الجديدة التي وصلت للتو من بلادها·
وقال: 'ما أن بدأت السيدة بالحديث مع الخادمة في المكتب حتى نهرتها وهمت بضربها أمامنا! وسرعان ما هربت الخادمة من منزل مخدومتها بعد وصولها بنصف ساعة نظرا للأسلوب الفظ في التعامل·'
وأضاف: 'تبين لي من أصحاب الشركات الأخرى لاستقدام العمالة أن هذه السيدة معروفة بإساءة معاملة الخدم وهم يتجنبون التعامل معها·'
أما عن حالات عدم دفع الأجور أوضح جمعة سعود أن هناك البعض ممن يستغلون جهلها بإعطائها الأجر منقوصا على غير ما تم الاتفاق عليه·
وقال: 'هناك شخص جلب خادمة للعمل في منزله ولم يدفع لها الأجر على مدى سبعة أشهر، وعندما طالبته بأجرها قام بتسفيرها!'
قليل من مشاكل خدم المنازل تتطور بشكل خطير لتصل إلى الجهات الأمنية في الدولة·· فمن وجهة النظر الأمنية وبلغة الأرقام والإحصائيات، فإن نسبة البلاغات التي ترد إلى أقسام الشرطة من الخدم حول إساءة معاملتهم من قبل مخدوميهم في تناقص على مدى السنوات الأخيرة، مما يدل على زيادة الوعي المجتمعي بصورة عامة حول حفظ حقوق العاملين وحسن معاملتهم·
يقول المقدم محمد غدير الكتبي مدير مديرية شرطة العاصمة إنه وفي ظل الاهتمام العالمي بقضايا وحقوق الخدم، فقد أولى الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية اهتماما كبيرا بالموضوع، وأعطى توجيهاته بإعداد دراسة مستفيضة عن أنواع القضايا والبلاغات التي ترد إلى أقسام الشرطة المتعلقة بالخدم والشغالات والسائقين في المنازل لتحال إلى مدير الدعم الاجتماعي بإدارة الشرطة المجتمعية في شرطة أبوظبي وذلك لإجراء الدراسات اللازمة لتلافي تكرار تلك البلاغات على الرغم من قلتها وطرح الحلول والمقترحات لعلاجها·
وأكد المقدم محمد الكتبي أن الدراسات التي أجريت من قبل فرع التخطيط والدراسات بمديرية شرطة العاصمة للأعوام الثلاثة الأخيرة كشفت تناقص عدد البلاغات التي يكون فيها الخدم من المجني عليهم أو ضحايا لسوء المعاملة، حيث إنها في عام 2002 بلغت 13 قضية، وفي 2003 سبعة قضايا، أما في عام 2004 خمسة قضايا، مما يدل على تناقص هذه الحالات·
أما عن أنواع قضايا خدم المنازل التي ترد إلى مركز الشرطة والتي يكون فيها الخدم جناة أفاد مدير مديرية شرطة العاصمة أن القضايا تتنوع ما بين السرقة والمساعدة في التعدي على حرمة الغير (التعدي المنزلي) وقضايا الزنا والإخلال بالآداب العامة·
حل المشاكل وديّا
وأوضح المقدم محمد الكتبي أن إدارات الشرطة تلجأ إلى الطرق المعتمدة عند التعامل مع قضايا الخدم سواء كانوا جناة أو ضحايا، مشيرا إلى أنه إذا كان الخادم جانيا يتم إحالته إلى جهة الاختصاص وهي النيابة العامة للنظر في القضية وتنفيذ ما تقرره، وأما إذا كان مجنيا عليه، فيتم تسليمه إلى كفيله أو سفارة بلده في حال عدم رغبة الكفيل في استلامه حتى يتم حل النزاع بالطرق القانونية، إما عبر المحاكم أو مركز الدعم الاجتماعي·
وأكد مدير مديرية شرطة العاصمة أن الخدم نادرا ما يتقدمون بالشكوى على مخدوميهم بشأن حالات عدم دفع الأجور والضرب وإساءة المعاملة وزيادة ساعات العمل، موضحا أنه في حال تقدم الخادم بأي من هذه البلاغات يتم استدعاء المخدوم وحل الخلاف بطريق ودي·
وقال: 'غالبا ما يستجيب الطرفان للحل الودي انطلاقا من مبادئ ديننا الحنيف الذي يحث على دفع الأجير حقه قبل أن يجف عرقه·· وفي حال عدم التوصل للحل يتم إحالة الأمر إلى القضاء·'
وحول أوجه التعاون بين أقسام الشرطة والجهات الأخرى ذات الاختصاص عند حدوث مشكلة ما بين الخادم والمخدوم أكد المقدم محمد غدير الكتبي أن هناك تعاونا وثيقا بين مراكز الشرطة والجهات الأخرى كمكاتب استقدام العمالة والسفارات حيث تقوم كل جهة منهم بالتعاون مع جهاز الشرطة لاحتواء أي مشكلة بين الخادم والمخدوم·
لقد حرم الإسلام الظلم وهضم الحقوق والتعالي على الناس لفروقات مادية أو اجتماعية أو عرقية· ووضح الشارع الكريم طبيعة العلاقة بين الخادم والسيد وحقوق وواجبات كل طرف على الآخر· كما أن هناك ضوابطا شرعية ينبغي التقيد بها عند جلب الخدم للعمل في المنزل·
يؤكد الشيخ مبارك المهيري الواعظ في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف على ضرورة أن يتم اختيار الخادم بعناية، فأول ما تحرص عليه الأسرة المسلمة أن تستعين بأجير مسلم·
مشيرا إلى أن المسلم سيؤجر الإنسان إذا أعان إنسانا بتوفير عمل له يقتات منه سواء كان هذا الإنسان مسلما أو غير مسلم، وسيكون أجره أعظم إن كان من استعان به وأعانه مسلم·
وأوضح المهيري ضرورة أن يكون الخادم مستقيما سويا صاحب الخلق الحسن، عفيف النفس واليد، الذي يمكن ائتمانه على المال والبيت والعيال·
ومن الضوابط الشرعية التي ينبغي الانتباه لها شدد الشيخ مبارك على أن يُجعل سكن الخدم من الرجال خارجا عن السكن الذي يضم الأسرة، تجنبا لأي سلبيات تترتب على ذلك، وأن يكون سكن الخدم من النساء داخل المنزل بعيدا عن غرف الرجال، حماية وصونا لهن·
أما عن طريقة التعامل مع الخدم قال الشيخ مبارك إنه يجب على المسلم أن يستشعر بأن هذا الأجير الذي يعمل لدي رجل مثلي، لا أزيد عنه ولا أنقص، وكونه يعمل لدي لا يقلل من قيمته·
كما تحدث عن الهدي النبوي في كيفية التعامل مع الخدم مشيرا إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- وصّانا بالتعامل مع الخدم كإخوة وليس كعبيد حيث يقول فيما رواه أبو ذر عنه: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)·
وتطرق الشيخ مبارك المهيري إلى واجبات الخادم وحقوقه كما وضحها الشارع الكريم مشيرا إلى أن الواجب على هذا الأجير أن يقوم بكل الواجبات التي كلِّف بها، ولكن لا نحمله ما لا يطيق، ولا نطلب منه عملا ليس من صميم العقد الذي تم الاتفاق عليه· كما يجب على هذا الأجير أن يكون أمينا على مال مخدومة فلا يضيعه ولا يتلفه وإذا أتلفه بإهمال فهو ضامن·
وبالنسبة للحقوق وواجبات الخادم أوضح الشيخ المهيري أن حق الخادم هو أن يأخذ أجره أو الراتب مقابل عمله كاملا، وأن يأخذه في وقته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) وأن نحسن معاملته وأن نرعى شؤونه وأن نتكفل بعلاجه، مشيرا إلى أن الدولة لم تألُ جهدا في وضع القوانين التي تحفظ حقوق العامل وتناسب تعاليم ديننا الحنيف·
وحذر الشيخ مبارك المهيري من عقوبة إساءة معاملة الخادم وظلمه، كالضرب وعدم دفع الأجور، وإرهاق كاهله بالأعمال الشاقة دون راحة مشددا على أن ظلم الخادم بالقسوة عليه أو ضربه أو تأخير ماله ظلم عظيم، يستقوي فيه المخدوم على الظالم، محذرا الإنسان العاقل من هذا لكي لا يعرض نفسه لخطر دعوة المظلوم· وأكد الشيخ مبارك أنه ينبغي على كل ذي لب أن ينصف كما يحب أن ينصفه الآخرون وأن يحسن كما أحسن الله له· داعيا لرعاية هؤلاء الخدم الذين جاءوا من بلدان بعيدة تاركين أهليهم وديارهم، ومعرضين أنفسهم لمشاقّ ومخاطر السفر والغربة·

اقرأ أيضا