الاتحاد

الملحق الثقافي

كيف نقرأ العنف الأصولي

(1)  
كتب ميشيل فلاين، المستشار السابق للأمن القومي الأميركي «نحن في حرب عالمية ضد حركة مسيانية هايلة لأناس شريرين يستلهم معظمهم ايديولوجيا شمولية هي الإسلام الراديكالي».
هذه الأيديولوجيا تجمع في سياق تحليلي واحد بين الأحزاب السياسية الإسلامية، والجهاديين السنة، والثوريين الشيعة. هناك «قتلة متعصبون يحملون نيابة عن حضارة فاشلة».
ينتمي فلاين إلى تيار متنامي في الغرب (خصوصا في اميركا بعد 11/&rlm&rlm9) ينظر الى الأصولية الإسلامية ككتلة واحدة متعددة الأوجه، تحركها بالأساس دوافع ومثيرات دينية اكثر منها سياسية. ليس ثمة فوارق جوهرية بين داعش، والقاعدة، والإخوان، والأحزاب الإسلامية التي ترفع شعارات سياسية، جميعها يصدر عن مرجعية دينية واحدة، ويسعى إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي النهائي ذاته وهو دولة الخلافة. الحركات الإسلامية المتطرفة تعكس طبيعة الإسلام كدين راديكالي عنيف. يضم هذا التيار محللين وسياسيين أيديولوجيين حاملين لفكرة صراع الحضارات، التي عادت تعبر عن ذاتها بوضوح بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر.
في تيار مقابل تفصل بعض المقاربات التحليلية بين الإسلام كدين (سلمي نسبة إلى مباديه الكلية) والحركات الإسلامية كجماعات سياسية قد تمارس العنف في سياقات اجتماعية/&rlm&rlm اقتصادية/&rlm&rlm ثقافية غير مواتية. ثمة فوارق واضحة داخل الحركة الإسلامية بين جماعات عنيفة واخرى معتدلة او اقل عنفا. البعد السياسي الاجتماعي حاضر في تحليل الظاهرة علي حساب البعد الأيديولوجي (الديني) الذي يتم تغييبه او تاخيره.
يضم هذا التيار محللين وسياسيين اكثر احتكاكا بتفاصيل الخارطة السياسية والاجتماعية المعقدة في المنطقة الإسلامية، او اكثر التفاتا للاعتبارات الدبلوماسية ومشاعر الجمهور المسلم. ويجري توظيفه موخرا من قبل باحثين وسياسيين متعاطفين مع الطرح السياسي الأمريكي الذي كرسه الديمقراطيون، والذي يريد الترويج للتحالف مع الإخوان كجماعة اسلامية معتدلة وقادرة علي امتصاص التطرف والعنف الأصوليين.
مارك لاينش &rdquoMarc Lynch&ldquo (الباحث في جامعة جورج واشنطن) ينظر إلى مقاربة فلاين «كنموذج تجميعي ساذج يصنع من التيارات والحركات الشعبية المختلفة عدوا كبيرا واحدا، ويراها «متوافقة مع مواقف أنظمة عربية  تريد نزع الشرعية عن خصومها السياسيين المعتدلين». بالنسبة لـ «لاينش» «افكار وممارسات الإسلامين قابلة للتكيف بسهولة مع تحولات الواقع، وهي تتغير عبر الزمن استجابة للظروف السياسية، ولا يمكن اختزالها من خلال القراءة في نصوص كلاسيكية او مقولات ايديولوجية. الإسلاميون عموما لا يتحدثون باسم المسلمين، والإسلاميون الجهاديون ليسوا كالإسلاميين في نموذج الإخوان المسلمين، والتعاطي معهم جميعا كجزء من حركة واحدة ينتج تحليلا فقيرا ويودي إلى نتايج عكسية».
على المستوى الإسلامي &ndash خارج الدائرة الأصولية &ndash يقدم التيار العام قراءات مضطربة حيال مسالة العنف، تعكس الاضطراب الظاهر في المدونة المرجعية الإسلامية التي تحتوي بجانب المبادي الكلية السلمية علي نصوص تحريض قتالية، والتي يتعاطى معها &ndash الآن &ndash تحت ضغوط متزايدة من ثقافته الحداثية. ينفي التيار العام اجمالا «تهمة» العنف عن الإسلام كدين، ويفرق بينه وبين تاريخه السياسي المشبع بالعنف من جهة، وبينه وبين الحركات الأصولية التي تمارس العنف باسمه من جهة ثانية. وهو يؤدي هذا الدور الدفاعي بآليات تبريرية وتأويلية متنوعة، لكنه لا يزال يواجه صعوبات حقيقة في التعاطي مع الأسئلة الشائكة التي تدور حول «صلابة» التأسيس الأصولي لممارسات العنف، الذي لا يستند إلى الروافد الثانوية للمدونة (الفقه الاجتهادي) فحسب، بل إلى مصادرها التأسيسية ممثلة في النصوص (الآيات الهجومية الصريحة في القرآن المدني، والممارسات العنيفة المنسوبة إلى الرسول).
كميراث نظري، يقر التيار العام بمشروعية «الجهاد» كحكم فقهي منصوص. ويقرأ «الفتوح الإسلامية» من داخل هذا المفهوم كفعل ديني مشروع، لا كفعل سياسي تاريخي ناشىء عن اندفاع الدولة. ولكنه يشير احيانا إلى الغرض الدفاعي للجهاد، ويجادل في شروطه التفصيلية (الوسايل/&rlm&rlm الأطراف/&rlm&rlm التوقيت/&rlm&rlm الملاءمة/&rlm&rlm...) ومدى انطباقها على ممارسات الحركة الأصولية. [المشكل في تماثل التأسيسات المعاصرة للأصولية الجهادية والتبريرات الفقهية لحركة الفتوح]
يعبر هذا التيار عن نفسه في بيانات «المؤسسة الدينية» المندمجة تقريبا في الدولة، والتي تحاول التوفيق &ndash بادواتها التقليدية &ndash بين مفاهيم المدونة التراثية والحاجات الأساسية للدولة الوطنية المعاصرة، بما في ذلك الحاجات السياسية المباشرة للأنظمة.
كما يعبر عن نفسه في ادبيات الإسلاميين المنتسبين (من خارج المؤسسة والأصولية) حيث يتم توظيف اآيات الثقافة الحداثية المتاحة في تقديم تفسير او تبرير حداثي لإشكاليات التاريخ الإسلامي وتناقضات المدونة التراثية، وحيث يجري، غالبا، استخدام المبادي الكلية المطلقة للدين كحائط صد دفاعي مقابل النقد الموجه للعنف في التاريخ والمدونة كليهما.
داخل الدائرة الأصولية تعلن الحركات الجهادية صراحة عن توجهها القتالي الهجومي باعتباره فريضة شرعية تحت مصطلح جهاد الطلب، وتؤسس ذلك على متن المدونة المرجعية بشقيها (الفقه /&rlm&rlm النصوص)، حيث مشروعية الجهاد لا تنحصر في اغراضه الدفاعية، وليس ثمة ما يدعو إلى الحرج في مقولة انتشار الإسلام بحد السيف.
بعض الجماعات الأصولية لا تستخدم هذه اللغة الصريحة، وتتسم مواقفها حيال العنف بالازدواجية والالتباس. في الأدبيات التأسيسية لجماعة الإخوان توجهات جهادية مدغمة، جرى ترجمتها تنظيما بانشاء النظام الخاص كجناح عسكري «سري» للجماعة بالتوازي مع اندماجها المعلن في النشاط السياسي العام.
منذ البداية تبني الإخوان خطابا مرنا للتكيف مع السياقات السياسية المختلفة وطبيعة الأطراف المستهدفة بالخطاب (حسن البنا الذي انشأ النظام الخاص وتكلم عن «الأمة التي تتقن صناعة الموت» لم يتورع عن التبرؤ من ممارساته التخريبية التي صدمت السياق السياسي في مصر طول عقد الأربعينيات فيما كان يجدد الثقة في قياداته الدموية)
هذه المسلكية تكشف عن أصالة التكوين السياسي العملي في بنية الجماعة على حساب البعد الكلامي الفقهي، الأمر الذي سيضع الجماعة لاحقا في مرتبة ادنى بمقاييس الجماعات السلفية ذات التكوين الأصولي الفقهي الصريح. (لا يعني ذلك غياب البعد الديني الأصولي، بل يشير إلى تأثر النسق الإخواني للأصولية بالسياق الثقافي الديني السائد في مصر لحظة تكوين الجماعة اوائل القرن الماضي.

(2)   
بعد ضربات النظام الناصري دخلت الجماعة في مرحلة كمون اجباري قبل ان تبرم صفقة سياسية مع نظام السادات (اراد استخدامها في امتصاص المد اليساري) ثم تندمج تدريجيا في السياق السياسي (الخاضع لإدارة محسوبة من نظام مبارك) كوسيلة تكتيكية لكسب الوقت واعادة تثبيت وجودها.
طوال هذه الفترة تبنت الجماعة خطاباً تصالحياً هاديا، سيتحول تدريجياً إلى خطاب صاخب نسبيا في فترة الصعود القصيرة عقب انتفاضة يناير 2011، ثم إلى خطاب هجومي عصبي عقب سقوطها السريع الذي كشف عن اندماجها من جديد في المشروع العنيف للإسلام السياسي.
في الواقع، يعود إلى الإخوان فضل الريادة في استدعاء الإسلام السياسي بحمولاته المثقلة بالعنف إلى الواقع الحديث. منذ البداية وتحت شعارها المرفوع (بسيفين متقاطعين بينهما مطلع الآية القتالية «واعدوا»)، تضافرت: ادبياتها الشفهية والمكتوبة (خصوصا محاضرات حسن البنا وكتب سيد قطب) مع تكويناتها التنظيمية العلنية والسرية (من الشعب إلى النظام الخاص وسلاح الوحدات وتنظيم الجيش) وممارساتها الحركية المتراكمة (العمد السياسي/&rlm&rlm الاعتقالات والترويج لفكرة المظلومية)، في انتاج وتكريس الحالة الأصولية في المنطقة العربية، والتمهيد لتفريخ «الجيل الثاني» من الجماعات الأصولية ذات التوجه الهجومي الصريح.
تولدت جماعات الجيل الثاني كهجين اخواني سلفي يتزايد فيه المكون الماضوي (الفقهي) علي حساب الزخم السياسي. جرى ذلك بالتراكم التدريجي طوال اكثر من عقدين، في ظل مناخات اجتماعية (سياسية/&rlm&rlm اقتصادية/&rlm&rlm ثقافية) مواتية (اقليميا ودوليا) مع انتقال العناصر الإخوانية تحت الضغط الناصري من مصر إلى السعودية ودول الخليج وبعض البلدان الأوربية، حيث سيجري توظيفها في افغانستان والمنطقة الأسيوية في سياقات المنافسة الأميركية السوفييتية.
صارت الجماعات الجهادية علي يمين الإخوان سلفيا، بعد اتهام الإخوان بالتسيس وعدم الانضباط الفقهي. ولكنها ظلت مشدودة إلى الأدبيات الإخوانية الأوضح تأصيلا للعنف التي قدمها سيد قطب، (والتي تبرا منها الإخوان تكتيكيا طوال مراحل المهادنة). بالنسبة للجماعات الجهادية كانت الحيثيات الفقهية السلفية لتصيل العنف الهجومي كافية لشرعنة القتال والقتل، ولكنها ظلت بحاجة إلى لمسة عصرية لتسكينها علي ابنية الواقع السياسي الحديث. وهكذا التقي ابن تيمية وابن القيم مع المودودي وسيد قطب في انتاج الجيل الثاني من الأصوليات السياسية الذي تمثله جماعة القاعدة (بن لادن/&rlm&rlm الظواهري). كلام قطب في «معالم على الطريق» عن شرعية استخدام القوة لإزالة العقبات التي تعطل قيام الإسلام كنظام حياة متكامل، هو صياغة عصرية لفتوي ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» «من عدل عن الكتاب قوم بالحديد. ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف، وروي عن جابر: امرنا رسول الله ان نضرب بهذا يعني السيف، من عدل عن هذا يعني المصحف».
لم يسلم قطب من الاتهام بنقص السلفية، خصوصا من قبل السلفيات الكتبية (الأقل ميلا للانغماس في السياسة المباشرة) ولكن ذلك لا ينفي تسرب النفس القطبي إلى السلفية التقليدية مع تسرب النفس السلفي إلى الإخوانية القطبية، الذي انتج الجيل الثاني من الأصولية الجهادية (نموذج القاعدة) قبل ظهور «الجيل الثالث» الذي تمثله «داعش»، والذي صار يزايد سلفيا على اداء القاعدة.

(3)  
كتب هابرماس في «مستقبل الطبيعة الإنسانية» يصف الأداء الأصولي في هجمات سبتمبر بانه «لا ينطوى على مجرد عنف، بل يشير إلى لا عصرية او عدم انتماء لمحركات فهم وتصور راهنة. فهو اشبه بقصة من التاريخ الغابر نسبة إلى دوافعه، ويلفت إلى شرخ هائل بين الثقافة والمجتمع والزمن.. تبدو الحداثة كنقيض طبيعي للأصولية الدينية يستفز المعنى السلفي الماضوي فيها، ويستفز قابليات العنف الكامنة في صلب الدين التاريخي».
ينقل هابرماس المسألة إلى منطقة تحليل فوق سياسية، حيث يظهر العنف الأصولي باعتباره ظاهرة «ثقافية» لا مجرد ظاهرة «سياسية»، وظاهرة «دينية» لا مجرد ظاهرة اسلامية هذا الانتقال ضروري لإنجاز قراءة جذرية. الفرضية المطروحة للنقاش هنا هي ان: الإفراز الأصولي العنيف نتيجة ضرورية مرشحة للتولد بشكل دوري عن نسق التدين التاريخي السائد، وان التطرف الأصولي اجمالاً ظاهرة لا يمكن تفسيرها بمعزل عن المعضلات النظرية الكامنة في بنية الدين كما يطرحها هذا النسق من التدين، وهو النسق الساري في السياق الكتابي. بالاستقراء العام ثمة حالة من التوتر المزمن في علاقة الدين بالفضاء الاجتماعي، الذي صار يعي ذاته الآن كفضاء مستقل عن الفضاء الديني.
يستند العنف الأصولي إلى تأصيلات مستمدة من المدونة المرجعية الإسلامية وهي تأثرت &ndash بالطبع &ndash بالمناخات الخشنة للاجتماع السياسي العربي في القرن السابع، مما يضفي علي الأصولية الإسلامية سماتها الخاصة التي تبدو زاعقة. لكن هذه المدونة تنتمي بنيويا إلى نسق التدين التاريخي الموروث.
المثيرات السياسية المعاصرة تلعب دورها بغير شك في تلوين العنف الأصولي بألوان الواقع الاجتماعي المأزوم في المحيط العربي الإسلامي، ولكنها لا تفسر نشأته الأصلية وحضوره المتكرر في جميع السياقات الدينية داخل النسق التوحيدي، ما يلفت إلى الثقافة المشتركة لنظام التدين التاريخي المدعمة نصيا علي مستوى كل ديانة.
كيف يؤدي نظام التدين التاريخي إلى توليد قابليات دايمة للعنف؟ يتبع لاحقا

اقرأ أيضا