الاتحاد

الإمارات

إعلانات وهمية تتلاعب بسوق الأراضي في أبوظبي


تحقيق - حمد الكعبي:
مثل غيره من الأسواق، فإن سوق الأراضي في الدولة وفي إمارة أبوظبي على وجه الخصوص والتي تشهد حركة وانتعاشا كبيرين، يخضع لقانون العرض والطلب وهو أمر متعارف عليه، ولا خلاف على ذلك، وإنما يكمن الخلاف عندما تندس أياد عابثة لتحدث خللا غير طبيعي لتجري المياه في مجراها هي دون غيرها! ضاربة بذلك القانون والمجتمع عرض الحائط، إلى حد تجاوز الجرأة بكثير·
إن آخر ما توصل إليه بعض 'وسطاء وسماسرة' العقارات من دهاء وخداع للمجتمع وللسوق العقاري هو التلاعب بأسعاره من خلال إحداث ارتفاع حاد بالأسعار في حاله بيعهم أو هبوط مفاجئ في أسعاره عند حاجتهم للشراء في بعض المناطق والضواحي التابعة لإمارة أبوظبي· فقد ابتكر السماسرة طرقا قد لا تخطر ببال العامة من الناس للتلاعب بالقيمة السوقية للأراضي حسب أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم الشخصية، وذلك من خلال التهويل والمبالغة بالإعلانات في الصحف اليومية وعرض الأراضي بأسعار خيالية تفوق الواقع بأضعاف، أو التضليل الواضح من خلال نشر إعلانات وهمية لا تمت للواقع بصلة وبعناوين مزيفة وبأسعار زهيدة حتى يتيقن المشتري أن هذه هي أسعار السوق العقاري·
ويقوم بعض من فئة السماسرة بمخادعة الطرفين - البائع والمشتري- لحصد كمية أكبر من الأرباح، حيث يخصص أولئك السماسرة ميزانية من دخلهم للقيام بحملات إعلانية في معظم الصحف اليومية وإعلانات 'التابلويد'، وقد تصل قيمة حملاتهم التي تستهدف تحريك السوق حسب مزاجهم إلى أكثر من 100 ألف درهم في الشهر· وتعمل على تركيز إعلانات وهمية ومزيفة العناوين بشكل يومي ومستمر، حتى يظن متصفح ملاحق الإعلانات أن الأسعار المعلن عنها واقعية وتمثل السوق العقاري فعلا·
غير مرخصين
أحمد المقبالي - يعمل في القطاع العقاري الخاص- يؤكد وجود مثل هذه الفئة، فيقول: يقوم وسطاء غير مرخصين، أي أنه لا توجد لديهم مكاتب عقارية، بنشر إعلانات بشكل يومي في الصحف والمجلات الإعلانية اليومية والدورية، عن بيع أراض وهمية ويوضع لها سعر معين يلبي حاجة المعلن في صعود أسعار الأراضي أو هبوطها، مما يخلق نوعا من البلبلة لدى المشترين أو البائعين، وبالتالي يؤثر على بقية السوق العام·
وما يحدث، حسـب قول المقبالي، أن الأراضي الموجودة في مكتب معين يتم الإعلان عنها بعدة صور وأشكال مع اختلاف أرقام هواتف البائع 'الوسيط'، مما يوهم المشترين بزيادة العرض في السوق وبالتالي يؤثر سلبا على الأسعار والضحية هم ملاك الأرض الأصليين، حيث يبيع كل منهم أراضيهم بناء على إعلانات الوسطاء المضللة بأسعار أقل من ثمنها الأصلي·
وأكد المقبالي أن مئات الإعلانات الموجودة بالصحف ناقصة المعلومات والمواصفات وعنوان المعلن الحقيقي وتضليل كبير بالسعر رغبة بالتلاعب بالسوق العام لتلك الأراضي وتحقيق مصالح شخصية بحتة·
مشيرا إلى أن الموضوع برمته خلق نوعا من عدم الثقة في المكاتب العقارية بشكل عام دون تمييز لدى المشترين والبائعين والمستثمرين، وذلك أثر سلبا على أداء سوق العقارات والدليل ضعف التصرفات والمعاملات في الجهات المختصة بأبوظبي·
وشدد المقبالي، وهو متابع جيد للسوق العقاري والإعلانات المنشورة بالصحف المحلية، على حد قوله، أن 80 % من الإعلانات مضللة وغير صحيحة، وعناوين أصحابها وهمية، والوسائل الإعلامية لا تتحقق من مصداقية الإعلانات المنشورة على صفحاتها، ويتخذها الوسطاء أداة لتحريك السوق بالطريقة التي تعجبهم وتحقق مصالحهم·
دون حسيب أو رقيب
يؤكد عبد الجبار إسماعيل، مدير إحدى المكاتب العقارية بأبوظبي، على ضرورة تحرك الجهات المختصة والمنظمة لمسألة العقار لإيقاف الإعلانات الوهمية، والتي تلعب دورا كبيرا في تضليل السوق العام للعقار، منوها بوجود سماسرة يتلاعبون بالأسعار من أجل مصالح شخصية بحتة عن طريق نشر إعلانات ليس لها مصداقية من أجل رفع الأسعار في حالة رغبتهم بالبيع وهبوط الأسعار في حالة رغبتهم بالشراء، فهم يتلاعبون بالسوق دون حسيب أو رقيب·
ويسخر من الأمر قائلا: 'من شدة تقلبات سوق العقار، صار أشبه بالبورصة'، وطالب إسماعيل الجهات المختصة والوسائل الإعلامية بعدم ترك المسألة بأيدي أولئك الذين لا تعنيهم المصلحة الوطنية·
واقترح عبدالجبار إسماعيل بعض الإجراءات التنظيمية من قبل المؤسسات المعلنة بضرورة ابراز الوثائق الرسمية كترخيص ممارسة العقار واثبات العنوان الأصلي للمعلن حتى تتمكن كل من الجهات المختصة وقطاع العقار من نشر الإعلانات ضمن قنوات منظمة وقانونية·
أي قانون؟!
يقول أحد المعلنين في الصحف اليومية عن العقارات، وبالتحديد الأراضي، وهو من 'السماسرة' الدخلاء على المهنة والمخالفين للوائح والقوانين، إذ أنه يعمل دون ترخيص وليس لديه مكتب عقاري، أنه بعد فتح مجال البيع والشراء بالأراضي بإمارة أبوظبي، صار يعمل وسيطا (سمسارا) لبيع الأراضي وهو يستفيد من البائع ويستفيد في الوقت نفسه من المشتري، مشيرا إلى أن عمله مربح جدا!
وبسؤاله عن سبب عدم استخراج رخصة 'وسيط'، يقول أن ذلك يتطلب الكثير من الوقت والمال، والموضوع لا يحتاج سوى تخصيص ميزانية معينة من إحدى الصفقات لإنفاقها على الإعلانات بشكل يومي وبأسعار تتناسب مع المعلن أو رغباته، يقول: 'أعلن في الجرائد والمجلات بزخم كبير وواسع، فعلى سبيل المثال أقوم بالإعلان عن مجموعة أراض في إحدى الضواحي الموجودة بأبوظبي بسعر أقل عن سعرها الحقيقي دون إثبات العنوان الحقيقي لي· وبعد حملة مكثفة من الإعلانات يشاع بين الناس أن سعر هذه المنطقة حسب المعروض بالإعلانات وبالتـــــــالي يحصـــل هبــوط كبير في سعر الأراضي وأشتري بالسعر القليل، وبعد ذلك أعلن عن وجود أراض في نفس المنطقة بسعر أعلى لمدة أسبوع فيعتقد الناس أن سعر الأراضي ارتفع وأبيعها بسعر كبير، وبذلك تتحقق الفائدة الكبيرة·
والغريب في الأمر أن هذا 'الوسيط' ويعتقد أن ذلك لا يخالف القانون، فهو على حد زعمه أنه لم يسمع عن أي قانون أو تنظيم لهذه المسألة!
وسيط آخر يعمل بالخفاء، يشتري ويبيع وكأنه هو المالك، وفي الحالتين يعتمد على الإعلان المضلل بشكل كبير وواسع في الترويج عن خدماته العقارية، ويمتلك ما يقارب 23 رقم هاتف مختلف، المدفوعة مقدما، ويقوم في كل مرة يعلن فيها بإبراز رقم هاتف مختلف على الإعلان الذي ينشره من أجل التلاعب بالأسعار الحقيقية للسوق العقاري·
ويتطلع لزيادة أعداد أرقام هواتفه المتحركة حتى يتمكن من نشر أعداد هائلة من الإعلانات، ليكون مفعول الحملة الإعلانية المضللة التي يعتمد عليها ذات 'مصداقية'، حسب تبريره، وقابلة للتصديق من قبل الجمهور· في كل مرة يرد فيها على المكالمات الواردة بسبب الإعلانات المنشورة بالصحف، تكون إجابة: 'المالك موجود في البنك اتصل بعد قليل'·· وفي مرة يجيب على المتصلين: 'الأرض من ساعة تم بيعها بالسعر الموجود بالإعلان' ·· حتى يؤكد للمشتري أن السعر هذا حقيقي·
الحبل على الغارب!
أكد مصدر مسؤول في وزارة الأعلام والثقافة على حرص الوزارة بعملية تنظيم مسألة الإعلانات ونشرها لمختلف المجالات والقطاعات الخدمية الموجودة والمستجدة في الوقت الحالي، وأضاف أن الوزارة على أتم استعداد للتعاون مع الجهات المختصة فيما يتعلق بالإعلان· وأوضح المصدر أن الوزارة تقوم بمراقبة الإعلانات المنشورة بالصحف والحرص على أن تكون إعلانات واضحة لا تحتوي على تهويل أو تضليل المجتمع، كما تحرص ألا تكون الإعلانات منافية للعادات والتقاليد ولا تخدش بالحياء العام، ولكنها غير متخصصة في الشؤون الفنية للقطاعات الخدمية كالعقارات أو الأسهم، وهي بدورها كجهة تنظيمية للإعلانات، تدعو الجهات المختصة بالتعاون والتنسيق من أجل خدمة المجتمع وعدم بث أو نشر إعلانات تضلل الرأي العام·
وطالب الجهة المختصة بتنظيم القطاع العقاري وتسجيل الأراضي بضرورة التعاون والتنسيق حتى لا يترك 'الحبل على القارب' لهذه الفئة التي تسعى للقيام بحملات إعلانية لتضليل المجتمع من خلال نشر إعلانات عن أراض وهمية بأسعار غير صحيحة وبعناوين غير موجودة بالفعل·
وأشار المصدر إلى أن الوزارة لها تجارب مع جهات خدمية مختلفة لتنظيم عملية إعلانات تخص تلك الجهة، حيث شكلت لجنة بالتعاون مع وزارة الصحة حتى تتمكن السيطرة على إعلانات العقاقير والمنتوجات الطبية والعيادات الخاصة والأعشاب التي كانت تعلن من قبل تلك الشركات بتهويل ومبالغة مفرطة، وأحيانا إعلانات تتنافى مع العادات والتقاليد وتخدش بالحياء· وبعد الاتفاقية التي عقدت مع الصحة، لا يستطيع المعلن نشر إعلان مضلل، حيث أنه من شروط نشر الإعلان أن تتم الموافقة عليه واعتماده من قبل اللجنة المشتركة التي تضم مختصين يعتمدون الإعلان بالطرق الصحيحة والعلمية المدروسة·
كما تعاونت الوزارة مع القطاع التعليمي من أجل تنظيم الإعلانات التعليمية كالإعلان عن إحدى الجامعات وأنها معترف بها دون الرجوع للجهات المختصة، حيث فرضت الجهتان غرامات للمخالفين في هذا الشأن· وأضاف المصدر أن جميع الصحف المحلية والمجلات تتعاون بشكل ايجابي وفعال مع تعميمات الوزارة التي تنظم مسألة نشر الإعلانات·

اقرأ أيضا

حاكم الفجيرة: الإمارات لاعب رئيسي في أسواق التنافسية العالمية