صحيفة الاتحاد

الإمارات

العلاقات الإماراتية الهندية..صلات حضارية في عمق التاريخ

المغفور له بإذن الله الشيخ زايد طيب الله ثراه وفي استقباله الرئيس الهندي خلال زيارته للهند

المغفور له بإذن الله الشيخ زايد طيب الله ثراه وفي استقباله الرئيس الهندي خلال زيارته للهند

لهيب عبد الخالق (أبوظبي)

ترتبط الهند ودولة الإمارات العربية المتحدة بعلاقات صداقة وثيقة تستند إلى الصلات الحضارية والتجارة البحرية القديمة والتواصل القوي بين شعبي البلدين، وفي العصور الحديثة تجسدت العلاقات الحيوية بين البلدين في شراكة سريعة النمو ذات منافع متبادلة للبلدين، حيث يرتبطان حالياً بإطار واسع من الاتفاقيات والشراكات المهمة. وساهمت عوامل عدة، مثل القرب الجغرافي والروابط التاريخية والتفاعل والتقارب الثقافي، والتعاون الثنائي والآمال والطموحات والتحديات المشتركة، في إعطاء دفعة قوية لعلاقات التعاون الحيوي بين البلدين. كما تعد الإمارات من بين أكبر المستثمرين في الهند على صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، وتساهم بشكل كبير في أمن الطاقة في الهند، وتعد سادس أكبر مزود للنفط الخام لها في 2014 - 2015». وتعد العلاقات الإماراتية - الهندية علاقات تاريخية قائمة على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في العديد من المجالات، وكان للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، دور بارز في ترسيخ هذه العلاقة، ووضع الأسس القوية لانطلاقها، وكانت زيارته التاريخية لجمهورية الهند عام 1975 منطلقاً أساسياً، لكل ما شهدته العلاقات بين البلدين الصديقين من تطور وتقدم خلال العقود الماضية».

كما شكلت زيارة رئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي لدولة الإمارات عام 1981 نقلة نوعية أخرى في مسار العلاقات بين البلدين الصديقين، اللذين حرصا على تمتين العلاقات وتعزيز الشراكة الاستراتيجية في مختلف المجالات. وفي إطار التحولات الجيوسياسية والإقليمية والدولية المتسارعة، حرصت الإمارات دائماً على تعزيز علاقاتها القوية مع جمهورية الهند، خصوصاً في ظل الفرص الكبيرة للتعاون بين البلدين، التي رأت حكمة الدولة أن تتطلب المزيد من التفاهم والتنسيق مع الشريك الاستراتيجي، لمواجهة التحديات التي تفرضها هذه التحولات، واستثمار الفرص التي توفرها.

وقد أكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال زيارته للهند في عام 2016، أن «دولة الإمارات بقيادة صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله ، حريصة دائماً على تعزيز علاقاتها القوية مع جمهورية الهند، خصوصاً في ظل الفرص الكبيرة للتعاون بين البلدين والتغيرات والتحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة، التي تحتاج من بلدينا إلى مزيد من التنسيق والتفاهم، لمواجهة التحديات التي تفرضها هذه التحوّلات، واستثمار الفرص التي توفرها». وأضاف سموه أن «دولة الإمارات تتطلع إلى إسهامات هندية فاعلة في مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه المنطقة والعالم، وإيجاد حلول عادلة للمشكلات والأزمات والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط».

جذور تاريخية راسخة

يعود تاريخ العلاقات الهندية مع العالم العربي بعامة، والخليج العربي، خاصة إلى عهود قديمة، وهي علاقات اتسمت بأنها راسخة الجذور، فقد كانت تجارة اللؤلؤ والأسماك قائمة بين المنطقتين من عام 3000 قبل الميلاد. وكان البحارة العرب والهنود يقطعون البحار بسفنهم جيئة وذهاباً لتأسيس نقاط ارتباط تجارية مع بعضهم بعضاً، كما كان طريق قوافل الإبل الممتد عبر المنطقة من شمالها إلى جنوبها يمثل طريقاً بديلاً للهند. وكان ميناء رأس الخيمة من بين أشهر موانئ النقل والشحن لتجارة اللؤلؤ والأسماك في المنطقة، كما كانت البضائع الهندية تنتقل لليمن عبره، وبعد ذلك تحملها قوافل الجمال لليمن لتجد طريقها في نهاية المطاف لأسواق أوروبا. وكان الأمراء الهنود هم كبار مستوردي اللؤلؤ، الذي كان يجلبه تجار رأس الخيمة، والعين، ودبي، والبحرين للهند. وقد استقر عدد كبير من التجار القادمين من دول الخليج العربي في المناطق المطلة على السواحل الهندية الجنوبية والغربية. ولعب هؤلاء التجار، دوراً مهماً في توطيد العلاقات الثقافية الهندية- العربية. وأدى انتشار الإسلام، إلى تعزيز وترسيخ هذه الروابط بشكل هائل، ودليل ذلك أن من أوائل المساجد التي شيدت في العالم، المسجد الذي بني في ولاية «كيرالا» الهندية عام 629 ميلادية، كما كما تذكر الوثائق التاريخية.

تمتعت الجماعات الهندية، التي هاجرت من الهند، واستقرت في الجزيرة العربية، بأوضاع ومكانة ممتازة، نذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر جماعات الـ«زط» والـ«سيابجه»، والـ«أسا ورة»، والـ«أحامرة»، والـ«بيا سرة» والـ«تكاكرة». وسميت البضائع الهندية التي دخلت العالم العربي على اسم بلد المنشأ الذي جاءت منه، وهو «الهند». فالسيوف الهندية كانت مشهورة في أنحاء الجزيرة العربية كافة، وكان يطلق على الواحد منها «الهندي» أو«هنداواني» أو«مهند» لما كانت تتميز به من سهولة الحمل والمرونة، وحدة النصل.

وهناك كلمات عديدة ذات أصول هندية مثل الصندل، والتنبول «نبات للمضغ»، والقرنفل، والنرجيل، وغيرها التي مازالت مستخدمة على نطاق واسع في اللغة العربية حتى الآن. وعلى المنوال نفسه، نجد أن 25% تقريباً من مفردات اللغة الهندية، عربية الأصل، وتستخدم في المحادثات والمعاملات اليومية في مختلف المناطق الهندية حتى لحظتنا الحالية.

ومنذ النصف الثاني من القرن الماضي، وبعد أن ترك المستعمرون البريطانيون المنطقتين «الهند والخليج العربي»، كان من الطبيعي أن تتحول الروابط القائمة بينهما إلى علاقات اقتصادية، وتجارية، وثقافية متينة وواسعة النطاق. وصناع السياسة في الخليج العربي، وعلى وجه الخصوص في دولة الإمارات العربية المتحدة، كانوا يظهرون دوماً ارتياحاً وألفة نحو الهند والشعب الهندي.

وشائج خاصة وطدها زايد

حظيت العلاقات الهندية - الإماراتية بدفعة كبيرة، نقلتها إلى آفاق متقدمة عندما قام القائد الاستثنائي، وصاحب الرؤية الثاقبة، رئيس دولة الإمارات المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بزيارة الهند عام 1975. فكانت هذه الزيارة التاريخية بمثابة حجر الأساس للعلاقات الثقافية، والسياسية، والتجارية، والاقتصادية، الراسخة البنيان، والقائمة بين البلدين اليوم.

وكان الشيخ زايد، يكن لرئيسة وزراء الهند الراحلة أنديرا غاندي تقديراً شخصياً كبيراً، بادلته سيدة الهند الحديدية التقدير نفسه فكانت تثني دوماً على المغفور له، وتشيد بسياساته العصرية، والمعتدلة، والعملية، في حين كان الشيخ زايد من جانبه يكن إعجاباً كبيراً لغاندي، لقوة علاقاتها الخارجية بالدول العربية، ودعمها لقضاياها في مختلف المحافل الدولية. والمرة الأولى التي تمت الإشارة فيها للعلاقة بين الأمن والاستقرار في المنطقتين كانت عام 1981، وكان ذلك من قبل الشيخ زايد وأنديرا غاندي، عندما قامت الأخيرة بزيارة أبوظبي عاصمة دولة الإمارات في ذلك العام. وعندما صدر البيان المشترك في نهاية الزيارة التي كانت مثمرة وفي غاية الأهمية، فإنه تضمن للمرة الأولى نصاً صريحاً على أن السلام في إحدى المنطقتين، يعد مهما للسلام في المنطقة الأخرى.

تطورت العلاقات القائمة بين البلدين وترسخت، على مدار الأربعين عاماً الماضية، بعد أن شرعت دولة الإمارات في تنفيذ عملية نمو سريع وطموح، أسهمت فيها الجالية الهندية التي تعيش في الدولة مساهمة كبيرة. والجالية الهندية التي تستضيفها الدولة بلغت 2,6 مليون مغترب هندي عام 2016، اجتذبتهم تقاليد التسامح الديني، والتعايش السلمي، والعلاقات الثقافية البينية في المجتمع الإماراتي. ووفقاً للمصادر الرسمية، فإن 3 موجات من الهجرة الهندية تدفقت إلى الإمارات خلال الأربعين عاماً الماضية.

كانت الموجة الأولى عام في 1974 - 75، بعد ارتفاع أسعار النفط، وعندما بدأت الإمارات في تنفيذ مشاريع تنمية طموحة. أما الموجة الثانية من الهجرة، فكانت في بداية حقبة التسعينيات من القرن الماضي، بعد حرب تحرير الكويت، وجاءت الموجة الثالثة في نهاية القرن العشرين.

امتازت الجالية للهندية في الإمارات بصفات ميزتها عن بقية الجاليات، منها أنها الطبيعة المسالمة، والتعددية، والتسامح لمجتمع الهنود في الإمارات. وكان أهم ما ميز الجالية الهندية في دولة الإمارات نزوعها إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة توجد فيها. وتلك كانت من أهم المشتركات بين المجتمعين الهندي والإماراتي كمجتمعين متعددي الثقافات، تسود فيهما قيم التسامح، والمسالمة، التي تنادي بها الأديان.

علاقات استراتيجية

تلعب دولة الإمارات المتحدة والهند دوراً حيوياً في نمو وتطور العلاقات الاستراتيجية بينهما. إذ ترتبط كل من الهند والإمارات بحلف استراتيجي فعلي، جرى التوقيع على الاتفاقية الخاصة به عام 2003، عندما قام وفد إماراتي رفيع المستوى برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس أركان القوات المسلحة، بزيارة رسمية للهند.

وهذه الاتفاقية الاستراتيجية تنص على التعاون في مجالات الأمن، والسياسة الدفاعية، وتطوير التعاون الدفاعي، وتدريب أطقمها الطبية العسكرية في الكليات والمعاهد العسكرية المتخصصة في الهند، مع تبادل الأنشطة الثقافية والرياضية بين القوات المسلحة للدولتين الصديقتين، والقيام بجهود مشتركة لإيجاد الحلول اللازمة للمشكلات البيئية، خصوصاً المتعلق منها بتلوث مياه البحار. وبموجب هذا الاتفاق، أعلن البلدان إدراكهما التهديد المشترك لكليهما، وأعلنا عزمهما تطوير التعاون العملياتي بينهما، في مجال تفكيك البنى التحتية للإرهاب؛ إضافة إلى التحكم، والتنظيم، والمشاركة في المعلومات المتعلقة بتدفقات الأموال، التي يمكن أن يكون لها علاقة بأنشطة التطرف. كما تعهدت الدولتان بالاهتمام بصفة مستمرة وعلى أعلى المستويات، بالتعاون من أجل تنسيق الجهود الرامية لمواجهة الفكر الراديكالي، وإساءة استخدام الدين من قبل الجماعات والدول المختلفة.

وقد أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، خلال زيارته تلك للهند، إلى أن «أهم ما يميز العلاقات الإماراتية - الهندية، أنها ليست علاقات سياسية واقتصادية فحسب، وإنما لها بعدها الشعبي والثقافي والحضاري المتميز أيضاً، فهناك علاقات ثقافية وروابط قديمة بين البلدين، وعزز وجود الخبرات والكوادر الهندية على الأرض الإماراتية منذ سنوات طويلة، هذه العلاقة، وأضاف إليها بعداً شعبياً مهماً».

وقال سموه، إن «دولة الإمارات حكومة وشعباً تقدر إسهامات الجالية الهندية في الإمارات، وما قامت به من دور مهم في المراحل المختلفة التي مرت بها عملية التنمية في الدولة، وتثمن دورها في تعميق الروابط الشعبية بين البلدين الصديقين، وتمتين قاعدة المصالح المشتركة التي تفتح آفاقاً أرحب لمستقبل العلاقات الثنائية.

لقد أكدت الإمارات أن الهند بما لها من ثقل سياسي وبشري كبير تعد قوة إقليمية ودولية مؤثرة، لها دورها المهم في قضايا الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي. وتطلعت الدولة إلى إسهامات هندية فاعلة في مواجهة التحديات، والمخاطر التي تواجه المنطقة والعالم، وإيجاد حلول عادلة للمشكلات والأزمات والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل ما يميز سياسة الهند الخارجية من توازن وحكمة، وما تتمتع به جمهورية الهند من قبول واسع، سواء كان إقليمياً أو عالمياً.

جاء ذلك التوجه في إطار تعزيز انفتاح الدولة على القوى الآسيوية الصاعدة، وفي مقدمتها الهند، وتعزيز العلاقات معها، والاستفادة من تجربتها التنموية وما حققته من تقدم في العديد من المجالات، خاصة قطاع التكنولوجيا والطاقة النووية، لدعم توجهات وخطط الإمارات في مرحلة «ما بعد النفط»، التي تستهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة.

وفي 10 مايو 2016، كانت الأوساط الإماراتية - الهندية تتحدث عن ركائز للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، التي ساعدت في نضوجها عوامل متعددة منها:

1- إدراك قيادتي الدولتين أهمية العلاقات الثنائية، وتعزيز الشراكة الكاملة.

2 - الإرث التاريخي، حيث تضرب العلاقات القوية بين الدولتين إلى بجذورها العميقة في أعماق التاريخ، حيث تربط الدولتان علاقات قوية ومستمرة منذ فجر التاريخ. وكانت علاقات الهند بمختلف إمارات الدولة منذ أن كانت التجارة هي النشاط الأول الذي يربط الشعوب في فترة ما قبل الميلاد، وذلك بحكم الموقع المميز الذي يحتله البلدان على خطوط التجارة البحرية العالمية، إذ كانت الهند منفذ دول الخليج العربي على العالم في القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، باعتبارها مركز تسويق اللؤلؤ الخليجي للعالم، وأكبر مزود للأسواق الخليجية بالسلع والخدمات.

3 - كانت إحدى أولويات السياسة الخارجية الإماراتية التوجه نحو الهند وتعزيز العلاقات معها منذ عهد المغفور له الشيخ زايد، وتعززت بالرغبة الكبيرة لدى القيادة الرشيدة، ممثلة في صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في تنويع علاقات الإمارات الخارجية، خاصة مع القوى الصاعدة وصاحبة التأثير المتنامي في الساحة الدولية.

4 - ارتكاز العلاقات بين الدولتين على قاعدة قوية من المصالح المشتركة، فالهند واحدة من القوى الدولية الصاعدة، التي تمتلك ثقلاً استراتيجياً في النظام العالمي الجديد، وتمتلك عمقاً تاريخياً وأخلاقياً وسياسياً يؤهلها لأداء دور أوسع على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويمكن توظيف هذه المكانة في دعم المصالح والقضايا الإماراتية والخليجية والعربية بوجه عام.

فيما تنظر الهند إلى الإمارات، باعتبارها بوابتها نحو الخليج ومنطقة الشرق الأوسط بوجه عام. كما أن الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها الدولتان، وكذلك الخبرات التنموية الكبيرة المتراكمة لدى كل منهما، تفتح أمامهما أبواباً واسعة للتعاون، خاصة في المجالات الواعدة في اقتصادات العصر الحديث، والتي تحتل مكانة مميزة في عصر التطورات التكنولوجية والمعرفية والثقافية، إلى جانب القطاعات ذات الأهمية الكبرى في شأن التنمية المستدامة وحماية البيئة وتنمية الموارد البشرية، وهي جميعها قضايا تحتل مراكز متقدمة في الخطط التنموية لدولة الإمارات العربية المتحدة، الساعية إلى بناء اقتصاد وطني مستدام، وقائم على المعرفة، تحتل فيه الكوادر البشرية المواطنة المكانة الأولى في قيادة عجلة التنمية.

5 - تقدم الدولتان نموذجاً فريداً للتعايش، فالهند تحتضن عشرات الملايين من مختلف الديانات والأعراق، وهذا هو سر انطلاقتها التنموية وتنامي أدائها الاقتصادي، وبالقدر ذاته فإن الإمارات تبذل جهوداً ملموسة ومتواصلة على مستويات مختلفة، سياسية وثقافية وتشريعية وتعليمية واجتماعية، من أجل تكريس قواعد نموذجها وتثبيت أسس التعايش ونشر التسامح والوسطية والاعتدال وقبول الآخر، ليس في داخل الدولة فقط، بل على المستويين الإقليمي والدولي.