أرشيف دنيا

الاتحاد

روبرت مردوخ والمشاع

منذ بدأت فضيحة تنصت صحيفة «نيوز أوف ذي وورلد» قبل بضعة أشهر توقعنا أكثر من مرة وفي أكثر من مكان ألا تنتهي القضية بإقفال الصحيفة نفسها، وسرعان ما بدأت التداعيات تلاحق صاحبها إمبراطور الإعلام العالمي روبرت مردوخ وشركاته وفروعها في مختلف أنحاء العالم حيث تنتشر مؤسساته الإعلامية على امتداد القارات. رغم ذلك لم أتوقع مثل هذا التقرير القاسي من البرلمان البريطاني بحق مردوخ الأسبوع الماضي، فالحكم بأنه «غير مؤهل» لإدارة مؤسسة إعلامية كبرى يحمل في طياته معاني كثيرة مثلما ينطوي على تساؤلات عديدة. للوهلة الأولى تخيّلت أن للأمر علاقة بعمر الرجل الذي تجاوز الثمانين، لكن التقرير كان واضحاً ولا يقبل اللبس بالنص على أن مردوخ «يتمتع بقدرة هائلة على التذكر والاستيعاب عندما تناسبه الأمور».
هذه الأحكام لا تعني أن مردوخ كان ملاكا قبل الكشف عن تنصت صحيفته على هواتف عدد من الضحايا الذين كانت تتصيد أخبارهم، بل طالما عرف عنه أنه يتعامل مع الأحداث والأخبار كبضاعة يصار إلى تسويقها بشكل مربح في آن واحد وبغض النظر عن الثمن الأخلاقي أحياناً. وذلك كان سراً من أسرار نجاح صحيفة التابلويد على يد مرودخ منذ أن اشتراها قبل نحو أربعين عاماً.
ولكن مردوخ لم يكن ولن يكن الوحيد الذي يقدم وظائفه الشخصية أو التجارية أو حتى السياسية على كل ما سواها من وظائف الإعلام. حتى قبل سنوات معدودة كانت المملكة المتحدة وأي دولة غربية أخرى تتمنى بكل جوارحها أن تحتضن الإمبراطور الأسترالي الأصل ومشاريعه الضخمة التي سرعان ما توسعت لتشمل إضافة إلى القارة في المحيط الهادئ كل أنحاء أوروبا والولايات المتحدة ووصلت مؤخرا إلى مشاريع شبكات وتلفزيونات عربية.
لكن مع التقرير الأخير بدا مردوخ منبوذا وغير مرغوب به، إنه غير مؤهل. ولا صفة يمكن أن تكون أكثر إهانة لصاحب شركة «نيوز كورب» الضخمة من هذه الصفة. ما الذي تغير؟
ليس الموضوع شخصيا مطلقا ولا سياسيا فبين مردوخ والمملكة المتحدة الكثير من القواسم المشتركة والمصالح. والمسألة لا تتعلق بعدد الضحايا (نحو 6000 على ما يُقال) الذين تضرروا من عمليات تنصت صحفيي مردوخ على هواتفهم. بل هو عصر التحول في الإعلام وسلطته والبدائل العديدة التي تتوافر فيه.
عصر أصبح بالإمكان معه «استضعاف» أكبر إمبراطور إعلام تقليدي في العالم يمسّ بقيم الخصوصية واحترام حقوق الفردية في المجتمعات التي تُقدّس هذه الحقوق. عصر تفرض فيه هذه الحقوق الكثير من قواعد اللعبة والأخلاق والقيم. فأن يكون العالم مفتوحا والإعلام حراً، فهذا لا يعني تشريع الأبواب (والأبواق) أمام انتهاك الخصوصية، تحت أي ستار ولأجل أي قضية، حتى ولو كان المنتهكون يملكون أقوى المجموعات التلفزيونية والصحفية ومواقع الإنترنت. وفي ذلك نوع من الدرس للذين لا زالوا ينتهكون حرمة الإنسان أو يرونه مشاعاً قابلاً للاستغلال كيفما شاءت مصالحهم.


barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا