الاتحاد

قطر.. تنتحر

الإعلام الغربي : أقوال القيادة القطرية تناقض أفعـالـها

دينا محمود (لندن)

«العمل بالسخرة شائع بين العمال المهاجرين في قطر.. وأنظار العالم مسلطة عليها»، هكذا قالت مجلة «نيوزويك» الأميركية في مقال مطول تناولت فيه الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، التي تتعرض لها العمالة الأجنبية في «الإمارة المعزولة»، خاصة في إطار استعداداتها لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022. وأشارت المجلة المرموقة إلى أن الأزمة التي تعصف بمنطقة الخليج حالياً بفعل المواقف المتصلبة للحكومة القطرية، سلطت الضوء على أوضاع العمال المغتربين الذين يعملون في قطر، وذلك بعدما ظلت «المحنة» التي يعاني منها هؤلاء لا تحظى - لسنوات طويلة - سوى باهتمام النقابات العمالية والمنظمات غير الحكومية، دون غيرها تقريباً.
وفي المقال الذي كتبه جيمس لينش نائب مدير برنامج القضايا الدولية في منظمة العفو الدولية، أبرزت «نيوزويك» عدم اتخاذ السلطات الحاكمة في الدوحة أي «خطوات جادة للتحقيق في (ملابسات) ذاك العدد الكبير من الوفيات غير المبررة، التي وقعت بين رجال شبان - غالبيتهم من جنوب آسيا - ممن يشاركون في تشييد مرافق البنية التحتية للبلاد»، كما لم تتخذ إجراءات جدية لمعالجة هذا الأمر أيضاً.
وفي مؤشرٍ على تفاقم معاناة هؤلاء العمال في الفترة الأخيرة، أبرز لينش في مقاله «تقارير موثوقاً بها تفيد بحرمان الأجانب العاملين في بعض مشروعات النفط والغاز في قطر، من الحصول على تصاريح الخروج التي يحتاجون إليها من أرباب عملهم، لكي يتسنى لهم مغادرة البلاد».
ليس ذلك فحسب بل يبدي الكاتب قلقه إزاء مدى قدرة العمالة الأجنبية الموجودة في قطر على التكيف مع الأوضاع المعيشية المستجدة التي تسود «الإمارة المعزولة»، جراء ما يُفرض عليها من تدابير بفعل تمسكها بتعنتها ورفضها الاستجابة للمطالب المحقة المطروحة عليها من جانب الدول العربية الداعية لمكافحة الإرهاب.
ويلقي لينش الضوء على تغطيات وسائل الإعلام في المنطقة خلال الأسابيع القليلة الماضية، للعديد من الوقائع التي تكشف عن انتهاكاتٍ بعينها وقعت بحق العمالة الأجنبية في قطر، من بينها وفاة عامل بريطاني خلال مشاركته في بناء المنشآت الخاصة باستضافة المونديال الكروي، وكذلك إقدام السلطات القطرية على إلغاء الإجازة السنوية التي كان يحصل عليها العمال الأجانب.
ويوجه الكاتب انتقاداتٍ لاذعة للسلطات في قطر، ويتهمها بأنها سعت إلى تضليل الرأي العام الدولي بشأن طبيعة نظام «الكفالة» الذي يخضع له العمال الوافدون إلى أراضيها. ويشير إلى أنه بدلاً من أن يتم إجراء إصلاحات على هذا النظام سيء الصيت «كرست (السلطات القطرية) طاقاتها لبذل جهود علاقات عامة تستهدف تغيير مسمى (هذا) النظام..والادعاء زوراً في ديسمبر من العام الماضي أنه أُلغي» جنباً إلى جنب مع إلزام العمال الأجانب بضرورة الحصول على إذن من أرباب عملهم للسفر إلى الخارج، دون أن يتم إلغاء هذين الأمرين في واقع الأمر.
ووصف لينش طريقة تعامل سلطات «الإمارة المعزولة» مع «الانتقادات المشروعة» التي يواجهها سجلها الخاص بإساءة معاملة العمالة الأجنبية وحرمانها من حقوقها بـ«البليد وذي الطابع الدفاعي».
وفي إشارة لا تخفى على التناقضات الصارخة بين أقوال القيادة القطرية وأفعالها، تطرق الكاتب إلى الكلمة المتلفزة الحافلة بالمغالطات التي ألقاها أمير قطر تميم بن حمد قبل أسابيع بشأن الأزمة، وأشار إلى ما ورد فيها من إعرابٍ عن شكر المقيمين الأجانب وإقرارٍ بـ«إسهاماتهم». فقد رأى لينش أن السبيل الأمثل لإبداء الامتنان لهؤلاء يتمثل في «احترام حقوقهم».
وحذر المقال قطر من مغبة مواصلة انتهاك حقوق المقيمين الأجانب فيها من العمال، قائلا، إن ثمة مؤشرات تفيد باعتزام الدول الداعمة لمكافحة الإرهاب التوجه إلى منظمة العمل الدولية لفضح ممارسات السلطات القطرية بحق العمالة الوافدة.
ولفت لينش الانتباه إلى أن هذه المنظمة ستقرر في نوفمبر المقبل ما إذا كانت ستشكل لجنة تحقيق لبحث «فشل قطر في المعالجة الفعالة لمشكلة العمل بالسخرة».
واعتبر المسؤول البارز في منظمة العفو الدولية أن تشكيل لجنة من هذا القبيل سيشكل «ضربة قاصمة لما تدعيه قطر (أمام) العالم» من أنها تعالج بالفعل المظالم الواقعة على عاتق العمالة الأجنبية الموجودة على أراضيها.
ويطالب المقال الحكومة القطرية بالتماس الدعم من منظمة العمل الدولية من أجل الاتفاق على حزمة «حقيقية وجريئة من الإصلاحات في نظام العمل». ويشدد الكاتب على ضرورة أن يشمل ذلك «إصلاحاً فعلياً لنظام الكفالة لئلا يظل العاملون (الأجانب) محاصرين من قبل أرباب عملهم».
ولا يكتفي لينش بذلك بل يؤكد ضرورة أن تفتح سلطات «الإمارة المعزولة» تحقيقاً «يتسم بالشفافية» في أسباب وفيات العمال الأجانب على أراضيها «وأن تطبق إجراءاتٍ (عملية) للتعامل مع هذا الملف».
كما يشدد الكاتب على أهمية أن تعمل السلطات القطرية على حماية العمالة الوافدة من أي تبعات للأزمة التي يشهدها الخليج في الوقت الحالي بسبب تعنت الدوحة وتمسكها بسياساتها التخريبية. ويحذر الرجل المسؤولين القطريين من مواصلة «تشجيع إصلاحات جوفاء» في نظام العمل، في إشارة منه إلى ما تتخذه قطر من إجراءات شكلية تستهدف عبثاً إخفاء ما يتعرض له العمال الأجانب من انتهاكات على أراضيها.
وغير بعيد عن ملف العمالة الوافدة وما تتعرض له من مظالم في قطر، أبرزت وكالة «بلومبرج» الأميركية للأنباء تفاقم الصعوبات التي تهدد استضافة هذا البلد مونديال 2022، مع اقتراب التدابير الصارمة المُتخذة ضدها من دخول شهرها الثالث.
ففي تقرير إخباري مطول، أشارت الوكالة إلى ما يحيط بهذا المشروع - الذي يعتبره قطريون «مسألة حياة أو موت» - من جدل منذ يومه الأول، قائلا إن سمعة المشروع تضررت كثيراً أولاً بفعل التقارير الخاصة بانتهاك حقوق العمال المشاركين في المنشآت اللازمة لإقامة المونديال، وكذلك جراء ما يتردد عن أن إسناد البطولة لقطر جاء بفضل «الرشاوى».
لكن التقرير يلفت الانتباه إلى أن «الضربة الأكبر» لهذا المشروع جاءت في الخامس من يونيو الماضي عندما قرر «الرباعي العربي المناوئ للإرهاب» التحرك ضد الحكومة القطرية لحملها على التخلي عن سياساتها الطائشة، ومواصلتها احتضان الإرهابيين وتوفير الرعاية للمتطرفين والترويج لدعوات الكراهية.
ونقلت الوكالة الإخبارية عن محللين اقتصاديين قولهم، إن مخاوف المتعهدين الذين يتولون مهمة تشييد الإنشاءات الخاصة باستضافة المونديال «ستتفاقم على الأرجح بشأن تأخر المدفوعات المالية (المستحقة لهم) أو عدم الحصول عليها» من الأصل. ويشير هؤلاء المحللون إلى أن هذه المخاوف ظهرت حتى قبل اتخاذ «الرباعي» قراراته الحازمة الأخيرة ضد السلطات القطرية.
وتنسب «بلومبرج» إلى المحللة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «أليسون وود» قولها في هذا الشأن، إن جلب سلع من موردين جدد للتغلب على آثار العزلة الحالية يكون في كثير من الأحيان أكثر تكلفة، وهو ما يعني أنه سيضر بالمتعهدين «الذين يحصلون بالفعل على هامش ربح محدود».

اقرأ أيضا