الاتحاد

دنيا

في قبضة الإحباط

أشرف عبدالمنعم:
الذي يتغلغل في أعماقه، ويشعر به الآن، كالكرة يقذفها طفل، شيء مكور يتدحرج داخله، ويتفتت إلى شظايا تمشي في عروقه وتختلط بدمائه·· هو الشك والظن، والإحباط، والفشل، مع تلك المرأة التي حارب من أجلها الجميع، وفقد في سبيل الاقتران بها، رضا والده، وعطف أمه، وصداقة الأقارب والمعارف·
صرخ في وجوههم جميعاً يوم أن وقفوا صفاً واحداً ينصحونه، ويرجونه أن يستمع إلى صيحاتهم فهم يرون بكل عيونهم، وخبراتهم، وبصائرهم أن هذه الزيجة إذا تمت كانت القاضية·· إنهم يعرفون الفتاة جيداً· فهي ابنة قريتهم· ونشأت، وكبرت بينهم، لا عيب فيها إلا أن والدتها شديدة العصبية سيئة الطبع تتعامل مع زوجها من منطق القوة·· ذلك لأن الأب كان في شبابه فلاحاً لا يملك، ولا يستأجر أرضاً·· بل ولا يعرف عملاً سوى الفلاحة في أرض والد هذه الأم التي دفعها شبابها، وعدم تهذيبه بالتربية، والشدة المطلوبة لمثلها في القرى إلى أن تقع في غرامه، وتتشبث به، ولم يجد الجرأة على أن يتقدم إلى الأب صاحب الأرض· فهو يعرف جزاء مثل هذه الجرأة فقرر أن يفر من القرية· إلا أن الفتاة في ذلك الوقت والتي هي الأم اليوم هددت بالانتحار إذا لم تتزوج الأجير، ورضخ الأب وكان الزواج·
من أجل ذلك· كانت ثورة الأهل ضده·· حتى لما قصوا عليه قصة والدتها، وطغيانها رد عليهم بأن فتاته تعلمت، ونجحت في تعليمها، وتوظفت مدرسة، وهو كمدرس في أحد المعاهد، وبلغ الثلاثين، ويحبها وتحبه منذ عامين ويمكنه أن يجعل منها زوجة مثالية·
وخرج على أهله، وعلى الجميع، فاستأجر منزلاً من بابه في القرية، وكافح حتى أمده بالمياه والنور، وكانت حماته تسعى جاهدة لكي تتم زيجة ابنتها· رغم المعترضين حتى تؤكد طغيانها، وأنها قادرة على قهر القرية التي تقف ضدها· لأنها أكثرهم أرضاً، وأهدأهم بالا، وزوجها لا يعصى لها كلمة·· وحينما قرروا تحديد يوم الزفاف أصرت على أن يذهب الابن، ويدعو والديه ليشهدا فرحه· حتى لا تكون موضوع لوم من أهل القرية·· وحاول هو أن يرفض لأنه يعرف النتيجة مقدماً لكنها توسلت إليه· وذهب يومها، وقال لأمه، ولأبيه·· إنه يرجوهما أن لا يبديا العداوة مقدماً لزوجته، لكن والده ظل على موقفه رغم توسلات والدته، وأمام إلحاحها سمح لها أن تذهب هي لكن الأب ظل على موقفه·
وانتقلت الفتاة من بيت أهلها إلى بيت الزوجية·· عامان كاملان انقضيا كأنهما شهر عسل· كان حريصاً على أن يؤكد للجميع أنهم كانوا على خطأ، وأنه وحده كان على صواب، وفي العام الثالث رزقا بطفلة، وفي 'حفل السبوع' ذبح، وأولم، ودعا والده من جديد·· لكن الأب أرسل والدته، واخوته أما هو فقد كان يرى أنه على حق، ولن يتراجع·
وعادت إلى العمل بعد إجازة الوضع، وكان طبيعياً أن تقسم وقتها بين الطفلة التي تعهد بها إلى والدتها، والإقامة في البيت، وزادت المصروفات، وانهمك في الدروس الخصوصية يحاول أن يوازن بين ما هو مطلوب، وما هو موجود· وبدأت العصبية تظهر عليه من الإرهاق، وقلة ساعات النوم، وعندها أيضاً لأسباب كثيرة، وفرضت الخلافات نفسها عليهما·· خلافات هينة لكنها ما لبثت أن تحولت إلى معارك·
وعرفت المشاكل الصغيرة كيف تأكل الحب الذي كان، وأصبحت تغضب في بيت أمها باليوم، والأيام الثلاثة·· وحتى تعود لابد من شروط، ولابد من الاذعان، وشيئاً فشيئاً بدأ يصل إلى ما حذره منه الجميع·· الطاعة، وتنفيذ الأوامر·
لكن العام الرابع بدأ، والطفلة بدأت تعي، وتعرفه، ويغني لها، ويهدهدها عندما تكون أمها مشغولة يجهز لها الطعام، ويداعبها وتبتسم له، والدنيا كلها في كفة، وبسمتها له في كفة·· لابد أن يصبر، وأن يتساهل، وان ينفذ، ويطيع، ويصبر على كل حماقاتها من أجل طفلته· حتى لو أحس بأنها تخنق شخصيته شيئاً فشيئاً، وهي متفرغة لتربية الطفلة، وعملها، وعمل البيت·· أما هو فالدروس الخصوصية تحاصره، ولا تترك له ساعة واحدة للراحة·· مما يجعله يلقي بنفسه في الفراش بعد منتصف الليل، كالخرقة البالية·
في العام الخامس لاحظ أن شريكة حياته أصبحت في واد، وهو في واد آخر·· منذ أن قال لها إنه لا يستريح ليلاً من بكاء الطفلة، وانسحب إلى غرفة الجلوس ينام فيها، والعلاقة بينهما علاها التراب والصدأ· أخذته الدروس الخصوصية حتى من نفسه لم يجد لحظة يسأل نفسه إذا كان راضياً أم غير راض عن حياته··؟ فضلاً عن أن يسألها هي··؟·· لكنها لا تشاركه أحاسيسه بالضياع الذي يزحف عليه وحده، وليس أدل على ذلك من أنها تتأنق، وتتجمل، وتحيا حياتها بشكل أسطوري، فقد اشترت منذ أيام بضع غوايش من الذهب، وعدة فساتين، وأشياءأخرى·· وفوق ذلك تبدو باسمة تضحك، وتتزين، وتخرج لزيارة زميلاتها·
ووطن نفسه على أن يقول لها ما يريد وأن يصارحها بأدق أحاسيسه، ومشاعره، وأن يطلب منها أن تساعده في تجديد عواطفهما التي خمدت وأن تنفخ معه في النار التي صارت رماداً عساها تشتعل من جديد·· وحتى لا يخطئ القول راح يحفظ الكلمات التي سيقولها، ويرددها، ويتصور ملامحها، وهي تبتهج، وتجاوبه·· وكلما حدد موعداً لالقاء قصيدته الكلامية أجله· فلابد أن يختار ليلة تكون فيها منبسطة الروح هادئة النفس حتى تعي ما سيقول، وظل ينتظر حتى ظن أنه هذه الليلة لن تجيء·· وأخيراً جاءت الليلة، وبعد أن تناولا العشاء انهمكت في تصحيح كراسات كانت معها·· واقترب منها وكانت الطفلة نائمة وناداها باسمها·· فالتفتت إليه خارجة من كراسات تلميذاتها· فقد سمعت رنة في صوته لم تتعودها، وأحست بأنه سيلقي إليها بكلام خطير·· وكتلميذ يؤدي امتحاناً شفهياً راح يقول ما كان يحفظه، ولكنها لم تتركه يكمل حديثه·· بل سخرت منه سخرية صدمت مشاعره صدمة كادت تبدده، وصاحت أنه جن من الدروس الخصوصية، وأنه يتلمس الأخطاء لها، ويخلقها خلقا، وأنها غير مستعدة لأن تعيش مع مجنون، وأقسمت أنها لن تبيت معه تحت سقف واحد وجمعت ملابسها وأيقظت الطفلة، وهبطت، وهو مستغرق في ذهول جمده· فلم يتصد لها أو يحاول منعها· كأنه أخذ من قوة شلت كل قدراته، وبعد أقل من ربع ساعة وجد نفسه وحيداً·· لا صوت في البيت إلا دقات المنبه، ونقاط مياه تتسرب من صنبور مكسور·· كان يفكر في أحلامه منذ أيام، ووجد نفسه يبحث عن 'المفتاح' والعلبة التي بها 'جلد' الحنفيات، ودخل دورة المياه·· وبعد أن أصلح الحنفية عاد لينام·· لكنه لم ينم··
هل أساء إليها حينما تحدث··؟ هل ألقى اللوم على أمها أو أبيها؟
وبقي في ذهوله يلوك همومه دون أن يفتح فمه مع أحد، يخشى أن يقولوا له أنه لم يستمع إلى نصيحة أحد، وفي اليوم الثالث ساءت حالة البيت، وحالته، وشعر بحنين إلى ابنته·· فاشترى هدية لابنته، وذهب إلى بيت حماه، وهناك استقبلته حماته بوجه لا يطمئن، وتلقاه حماه المغلوب على أمره بالصمت البليغ، وجاءته ابنته فاحتضنها، وأعطاها الهدية·· ثم نظر إلى حماته، وسألها عن زوجته، فقالت له ببساطة 'أن كل شيء قسمة ونصيب، وهي تريد كما دخلا بالمعروف أن يخرجا بالمعروف' ولهذا فوضتها في أن تعلنه برغبتها في الطلاق··
الطلاق دفعة واحدة·· ماذا حدث؟ وليس في السنة الأولى، ولا الثانية، وإنما بعد أن أنجبا طفلة، ومضى على زواجهما خمس سنوات؟·· لا أن المسألة غير عادية، ولم يجد جواباً، ولم يستطع الكلام· لأنه اختنق، وهب واقفاً· فانطلق خارجاً كأنه يهرب من جحيم·· ترفض لقاءه وتطلب الطلاق··· المسألة غير مفهومة·· ولولا أنه لم يتعود البكاء لانخرط يبكي دون توقف·· حينما وصل إلى البيت كان يريد أن يصعد، لكنه لم يستطع وعاد راجعاً إلى بيت حماته·· سار يتسكع متئداً·· أنه لم يسمع منها طوال السنوات الخمس هذه الكلمة، فماذا جعلها تقفز فجأة على لسانها، وتصر عليها·· لابد أن في الأمر رجلا آخر·· مثلها لا تقول هذا إلا إذا كانت واثقة برجل ينتظرها، وهذا الرجل عرفته منذ وقت طويل·· حتى تثق به وتملأ يدها منه، وترجمة كل ذلك أنها كانت تتزين، وتتجمل، وتخرج لتلتقي به، وهو منهمك في الدروس الخصوصية لكي يوفر لها ما تشتري به اساور ذهبية، وما تنفقه على ملابسها الفاخرة لتلقاه· طوال هذه الفترة كان زوجاً مخدوعاً·· ثم تنتهي المسألة بأن يكون زوجاً مرفوضاً· مطلوباً منه أن يطلق بعد أن خسر أهله، ومعارفه ووقف وحده، معتقداً دون أدنى شك أنها تقف معه، وخلفه، وأمامه معضده، وتؤازره·· لكن بكل أسف ذهبت إلى حيث متعة جديدة·
وأحس أن الحب الذي كان يكنه لها يتحول إلى كراهية عميقة لمنظره الذي سيكون عليه بعد الطلاق، والأهل والمعارف يصيحون في وجهه، ووراء ظهره·· ألم نحذرك··؟ ألم يقل لك والدك أن العرق دساس؟ وتدور به الدنيا· فلا يعرف إذا كان الوقت ليلاً أو نهاراً·· صيفاً أم شتاء·· أنه يقترب من الجنون أو قد جن بالفعل·· ودخل بيت حماته·· فما كادت المرأة الجبارة تراه وتقرأ ما على ملامحه حتى ارتعشت وصاحت فيه تريد أن توقفه· فطوح بيدها بعيداً وأنساب إلى الداخل وهو ينادي على من كانت زوجته·· وخرج الأب مضطربا· ولحقت به الأم تسأله أن يتروى وسوف تجيئه بزوجته وابنته·· هم الأب أن يتكلم فدفعه بقبضة يده فانطرح على مقعد تصادف إن كان خلفه·· وهرولت حماته تنادي على زوجته، فهي بخبرتها تعرف أن هذا الثور الهائج سوف يتحول إلى قط أليف إذا ظهرت·· وخرجت الزوجة صاحت فيه ماذا يريد··؟ ولماذا يحدث كل هذه الضجة··؟ ألم نرفض لقاءه فلماذا جاء دون استئذان·· إما أن ينصرف فوراً فالليل تأخر، وإما إن تطلب له شرطة النجدة تتولى التفاهم معه·
كما توقعت حماته·· كانت كلماتها تنهال عليه كسياط فاجأته· فألقت به في نهر من الذهول·· كان يفتح عينيه على آخرها وهو يحملق فيها لا يكاد يصدق·· ثم أكملت الحوار قائلة أنها لن تعود إليه··· وسوف يطلقها وتتزوج بآخر خير منه·· فقد سئمت الحياة معه·
وهاهي تعترف بأيام الخيانة وماذا يريد منها أكثر من ذلك·· ووجد نفسه يقول: لكن لماذا لا تخرج بالمعروف كما دخلنا بالمعروف·· واستأذن في أن يذهب إلى دورة المياه حتى يجلس، ويناقش الأمر بمنتهى العقلانية·· وسار ناحية دورة المياه وكان يعرف مكان السكين الطويلة المعلقة فوق المطبخ وعاد بها وكانت الزوجة تعطيه ظهرها وهي تهدئ من ثورة والدتها فلم تفطن ولم يفطن أحد إلى يده المشرعة بالسكين وحينما فطنت وأرادت أن تزوغ لم تتمكن وهوت السكين في نصف ظهرها فأطلقت صرخة مجنونة وترنحت وهوت فانقض عليها وهي تواصل صراخها وتتلوى على الأرض·· كان يضرب بكل جنونه وعناده السابق واللاحق وراح الأب يستغيث وأغمي على الأم فلما استوثق أنها صارت جثة هامدة·· دار بالسكين في الهواء ودفعها بكل قوته في عنقه فنفذت إلى الجانب الآخر وهوى بجانبها لكن بعضه تكوم فوقها·
وشيعت القرية المدرس، والمدرسة في يوم واحد بعد أن صرحت النيابة بالدفن·· بعد أن أكدت تحريات المباحث أن الحادث انتحار وأن الزوج كان قد سبق له العلاج من مرض نفسي·

اقرأ أيضا