الاتحاد

دنيا

محاولة أميركية للإجابة على جدل فقهي

القاهرة ـ إبراهيم فرغلي:
ما سر النشوة التي ترتقي بأرواح المسلمين عندما يستمعون الى القرآن الكريم مرتلا ومجودا على لسان القراء المحترفين؟
كان هذا السؤال هو مدخل الباحثة الاميركية كريستينا نيلسون لدراستها الموسعة حول فن تلاوة القرآن الكريم في العالم العربي، مع القاء الضوء على مدارس التلاوة في مصر بشكل خاص·
وتجمع كريستينا بين تخصصين افاداها كثيرا في دراستها، فهي مستشرقة على معرفة كبيرة باللغة العربية وآدابها ومتخصصة في علوم الموسيقا، مما اتاح لها اضافة البُعد الخاص لهذه الدراسة تبحث فيها عن مقامات الصوت لدى قراء القرآن الكريم، وتجري دراسة مقارنة بين هذه المقامات والنغمات الموسيقية على السلم الموسيقي، وبالتالي تفتح الباب لجدل واسع كان قد اثير لفترة حول علاقة الموسيقا بمدارس تلاوة القرآن الكريم، وتأكيد ان الغالبية العظمى من شيوخ المدرسة المصرية في تلاوة القرآن كانت لديهم معرفة كبيرة باصول الموسيقا وهوما اتاح لهم ابتكار ابداعات غير مسبوقة في تلاوة القرآن، ونشأة ما عُرف باسم حفلات القراءة التي كانوا يقيمونها في كبريات مساجد القاهرة والشام وغيرها من الدول العربية والافريقية خاصة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي·
غالبية شيوخ المدرسة المصرية في تلاوة القرآن كانت لديهم معرفة كبيرة بأصول الموسيقا
الدراسة التي صدرت في كتاب بالانجليزية بعنوان 'فن تلاوة القرآن' هي نتاج بحث نظري عميق، وعمل ميداني استمر طويلا حيث انتقلت الباحثة من الولايات المتحدة الى القاهرة والتقت بالكثير من القراء امثال الشيخ محمد محمود الطبلاوي والشيخ محمد صديق المنشاوي والشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ كامل يوسف البهتيمي، كما التقت بالمسؤولين عن اذاعة القرآن الكريم في القاهرة، واستمعت الى عشرات التسجيلات لكبار القراء، والتقت مع حسين رفعت ابن الشيخ محمد رفعت رائد تلاوة القرآن الكريم في مصر، وهو ما اتاح لها الاستماع الى نوادر التسجيلات للشيخ رفعت والكثير من ذكريات ابنه عنه، كما التقت ببعض 'السميعة' الذين يحتفظون بالمجموعات الكاملة لكبار القراء ومنهم الشيخ مصطفى اسماعيل· بالاضافة الى عشرات من علماء الدين واللغة في الأزهر ودار العلوم، وحضرت دروس تعليم التلاوة·
وتتوقف الباحثة عند ظاهرة السماع والتي انشأها السميعة الذين كانوا يلاحقون شيوخهم المفضلين للاستماع الى تلاواتهم من مسجد الى اخر من امثال الشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ المنشاوي وقبلهم جميعا الشيخ محمد رفعت·
وتستعرض الباحثة كريستينا نيلسون في فصلين مستقلين تاريخ نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجمعه، وتوضح مدى مركزية النص القرآني لدى المسلمين بشكل عام، اما الفصل التالي فتتتبع فيه التألق العربي الاسلامي في الغناء والموسيقى في العصرين العباسي والاندلسي، على اعتبار ان الكتاب موجه في المقام الاول للقارئ الأميركي والغربي بشكل عام·
ثم تشير الى انه بالرغم من الجدل الواسع الذي شهده العالم الاسلامي حول ظاهرة السماع التي نشأت عن طرق التلاوة التي اتسمت بحلاوة صوت القراء الذين تسببوا في الظاهرة، فإن الثابت انها نشأت واستمرت بسبب انطلاقها من مبادئ اسلامية مستقرة وبضغط من شعبيتها الكبيرة لكنها توضح في نفس الوقت ان عددا من الباحثين الاسلاميين غير المصريين يشككون في صحة تلاوة القرآن وفقا للمدرسة المصرية·
لكنها ترى وفقا لدراستها الموسعة ومقابلاتها مع الشيوخ والقراء ان تلاوة القرآن على نهج المدرسة المصرية لم تخرج عن حدود التزام عام توارثه القراء نابع من المبادئ العامة التي تفرضها فضائل القرآن، وآداب تلاوته كما استقر عليها اغلب الفقهاء·
فروق واضحة
وبالتالي فإن هناك فروقا واضحة بين التلحين والغناء والتلاوة القرآنية التي تعتمد على طلاوة الصوت والتجويد وان الانشاد الديني والتواشيح هي ما يمكن اعتباره اداء فنيا يستمد اصوله من الغناء والطرب·
وفي محاولتها لتأصيل ظاهرة التلاوة القرآنية وفقا للمدرسة المصرية في التلاوة تكشف نيلسون عن عدم استطاعتها توثيق ذلك بشكل اكيد لكنها عرفت من مصادرها من الشيوخ والقراء ان التجارب الاولى لهذه القراءات تعود لنحو 400 عام وان مصر يعود لها فضل الريادة في هذه القراءة التي تحظى بشهرة كبيرة في ارجاء العالم العربي والاسلامي منذ نحو 300 عام· لكن لم يستطع احد ايضا أن يفسر تمايز مصر عن غيرها بهذه الظاهرة باستثناء كونها هبة من الله، أو كما قال لها الشيخ علي حجاج السويسي انها أحد المصادر الطبيعية مثل النفط·
وتقول إن الفترة التي سبقت وجود أول تسجيل صوتي لتلاوة الشيخ محمد رفعت عام 1932 لا يمكن تجلي تاريخ التلاوة فيها الا بناء على بعض الشهادات ومنها ما ذكره الشيخ سعيد السحار الذي يتذكر عن والده اشارته لجيل أو جيلين من القراء الذين سبقوا الشيخ محمد رفعت والذين كانوا يتفوقون عليه·
ومن بين التسجيلات التي حصلت عليها الباحثة بعض تسجيلات الشيخ علي محمود لكنها تعود للفترة ما بين نهايات الثلاثينيات وبداية الاربعينات من القرن الماضي، لكنها في نفس الوقت حصلت على تسجيلات غنائية للشيخ علي محمود تعود للعشرينات وهو ما اتاح لها المقارنة بين ادائه في التلاوة وفي الغناء حيث ترى ان كلا الادائين يشتركان في استيعابهما لمبادئ التلحين والقواعد العامة للطرب الشائع آنذاك·
وتقول انه من بين الاسئلة التي طرحتها على مصادر معلوماتها لهذه الدراسة هو هل تطورت طرق التلاوة من جيل لاخر؟ ورغم ان الغالبية العظمى من الاجابات اكدت انه لا توجد اي اختلافات لانها تستند الى اصول واحدة اساسية لكن الشيخ عبدالباسط عبدالصمد كان له رأي اخر، فقد اكد لها وجود اختلافات لان القراء يتمتعون بمعرفة نفس 'بحور الموسيقى' الشائعة في الفترة الزمنية التي يعيشونها وانه لاشك في تغير النمط الموسيقي الشائع من جيل لاخر·
وتؤكد الباحثة هذه الملاحظة من خلال تألق بعض المطربين الكبار في عصرهم والذين بدأوا حياتهم بتلاوة القرآن مثل الشيخ علي محمود والشيخ سلامة حجازي والشيخ يوسف المنيلاوي والشيخ سيد درويش والشيخ طه الفشني وأم كلثوم وغيرهم·
وتشير الى ان الاذاعة المصرية تمتلك تسجيلات لتلاوة وغناء كل من الشيخ طه الفشني والشيخ علي محمود على السواء· أما الشيخ محمد محمود الطبلاوي فقد أوضح للباحثة ان معهد الموسيقى العربية يحتفي ببورتريهات الشيخ سيد درويش والشيخ علي محمود والشيخ زكريا احمد وهو ما يؤكد معرفة اهل التلاوة باصول الموسيقا لكنه اوضح لها ان الجسر الذي عبر حدود التلاوة القرآنية الى الغناء هو الابتهالات والتواشيح الدينية·
وتوضح المؤلفة انه إذا كان العائد المادي هو ما دفع الكثير من القراء القدامى للاستمرار في طريق الغناء والموسيقا، فإن الشكل الاحترافي لاحقا هو الذي اتاح لهم الاستمرار، رغم الجدل الواسع حول مفهوم احتراف تلاوة القرآن من قبل القراء، وتشير الى ان اجر تلاوة القرآن في المناسبات الخاصة في الماضي لم يكن يتجاوز عشرة جنيهات لكن وصل الى نحو ألف جنيه في الوقت المعاصر للمناسبة الواحدة في المتوسط وقد يزيد أو يقل حسب شهرة القارئ، لكن اعتماد القراء في الاذاعة كان احد أهم دعائم تثبيت فكرة الاحتراف وتحديد المبلغ الذي يحصل عليه القارئ في المناسبات الخاصة بسبب شهرته من الاذاعة·
القراء النجوم
وتشير الكاتبة الى ان بعض القراء تمتعوا بشهرة كبيرة وتم التعامل معهم وفقا لمنطق النجوم ومنهم على سبيل المثال الشيخ مصطفى اسماعيل الذي كانت الاذاعة المصرية تستضيفه في برامج عادة ما تستضيف كبار النجوم، كما اذاعت حلقة خاصة عن الغناء مع اصدقائه في منزله كما اذاع له التليفزيون حلقة في برنامج 'نجمك المفضل'·
كما تشير الى ملصق دعائي بالانجليزية للشيخ عبدالباسط عبدالصمد يتضمن بعض المعلومات عنه منها 'أن الشيخ عبدالباسط عبدالصمد رجل شديد البساطة ويتسم برقة القلب· ولا ينسى اصدقاءه ابدا سواء كانوا اغنياء أو فقراء وفي سيارته الليموزين لا يجلس إلا بجوار سائقه الذي يناديه بالاخ مسعود'·
وتستشهد بما كتبه كمال النجمي عن غضب مريدي الشيخ علي محمود من الاذاعة المصرية ومطالبتهم بوقف اذاعة تلاوة الشيخ محمد رفعت لان الاذاعة المصرية كانت تقدم الشيخ رفعت بوصفه امام القراء بينما كان مريدو الشيخ علي محمود يرونه الاجدر باللقب· وتشير ايضا الى ان السميعة كانوا على معرفة كبيرة بالمقامات التي يستخدمها القراء ويطلبون من الشيخ ان يعيد احدى الآيات من مقام 'الصبا' أو غيره·
وتنقل الكاتبة عن بعض شيوخ التلاوة انهم لا يحبون السميعة الذين ينحازون للنشوة الناتجة عن الاداء الصوتي للقاريء على حساب المعنى القرآني الذي يحاول الشيخ تأكيده بهذا الاداء·
وفي مقابلة لها مع الشيخ محمود الحصري أوضح لها أن القراءة باللحن جائزة باستثناء تلك التي تصل الى درجة الغناء أو التي تصرف انتباه المستمع عن معناها·
لكن ماذا عن قارئ القرآن نفسه؟ هل يفضل التلاوة أمام جمهور غفير يتجاوب معه أم في الاستديو؟! وللاجابة عن ذلك تتوجه الباحثة لعدد من القراء الذين يجمعون على ان وجود التجاوب بين المستمعين والقارئ له اثر كبير وأوضح لها احد القراء انه عندما يقوم بالتسجيل في الاستديو يتخيل وجود جمهور من المستمعين كي يحسن التلاوة·
وبينما يعرف عن الشيخ مصطفى اسماعيل ان الاداء أمام الجماهير هو الذي يسبب في ان تصل التلاوة الى درجة الفن العظيم فإن الشيخ الحصري على خلاف ذلك يتلو القرآن بطريقة واحدة سواء في المناسبات امام جمهور أو في الاستديو·
وتصف نيلسون تجربتين مختلفتين لحضور ما يعرف بالندوة وهي جلسات دورية يعقدها بعض المهتمين بالتلاوة يتم فيها الاستماع الى قراءات نادرة لكبار القراء، ومنها ندوة يعقدها شخص يدعى السيد محمد مصطفى اسبوعيا حيث يحضر اليها كل راغبي ومحبي الاستماع الى تلاوة القرآن بصوت اي من الشيخ كامل يوسف البهتيمي او الشيخ محمد صديق المنشاوي·
وخلال هذه الندوات تدور الكثير من النقاشات حول معاني القرآن والمقامات المستخدمة من القارئ وعندما يؤدي القاريء بشكل مميز يطلب الحضور اعادة هذا المقطع من التلاوة اكثر من مرة·
كما حضرت نيلسون عدة جلسات اسبوعية تعقد في منزل الحاج حسين فرج الذي يقتني مجموعة كبيرة من التسجيلات النادرة لكبار القراء المصريين وخاصة الشيخ مصطفى اسماعيل الذي كثيرا ما يطلب الحضور الاستماع الى تلاوته نظرا لشهرته الاعلامية الكبيرة·
ومن هذه الجلسات الاسبوعية عرفت أن الحضور يميزون بين القراء بالمقامات التي يفضلونها أو يبدعون في استخدامها فالشيخ محمد رفعت معروف بادائه من مقام الصبا وهو المقام المعروف بالحزن والذي كثيرا ما يؤثر في مستمعيه الى حد البكاء· وهو معروف ايضا بمقام الراست، وهما المقامان اللذان يجيد التلاوة بهما ايضا كل من الشيخ علي حجاج السويسي والشيخ كامل يوسف البهتيمي· اما الشيخ مصطفى اسماعيل فكان مجيدا للتلاوة باستخدام مقامي الراست والنوا اما الشيخ رمضان فيعرف باستخدامه مقاما نادر الاستخدام وهو مقام كرد المستوحي من الاداء الهندي والباكستاني في الغناء·
لكن هناك نقطة مهمة تشير اليها الباحثة وهي قدرة القاريء على استخدام المقام المناسب ليحقق تأكيد المعنى المقصود في الآيات· وتشير الى مقولة للشيخ زكريا احمد الذي سمع في احد الايام احد القراء يتلو دون ان يبدو انه هو نفسه يفهم ما يقرأ وكانت الآية تتناول وصف جهنم والعذاب فعقب الشيخ زكريا احمد قائلا 'لو أن الجحيم بهذا الجمال فخذني إليها'!
اما كمال النجمي فقد كتب في واحد من كتبه عن الشيخ محمد رفعت قائلا: سمعته في احدى المرات يستدعي الحزن في تلاوته وسمعت نغمات مقام الصبا تخرج من حنجرته وكأنها مغمورة بالدموع· ثم انتقل الى آيات تستدعي الحماسة والتحفز وفجأة انطلقت نغمات الراست كأنها ايقاع الطبل، وانتقل الشيخ المقتدر الفنان العظيم من الحزن والضعف الى القوة والحماسة في غمضة عين·
وهي اشارة بليغة الى ضرورة اتسام القراء الكبار بالحفظ والمعرفة التامة بمعاني القرآن الكريم وقدرتهم على تطويع ادائهم بما يحقق وينقل المعنى الى المستمعين على أفضل وجه·
وفي ذكرى الشيخ محمد رفعت نشر 'بريد الاهرام' في 13 يوليو 1978 رسالة لاحد القراء اكد فيها ان الشيخ محمد رفعت يمس شغاف قلوبنا ويملأها بالخشوع والايمان، ويجعلنا نشعر بعظمة كلمات الله'·
لكنها تنتقي كذلك عدة تعليقات حول موضوع اداء القاريء وادراكه الكامل للمعني، فتعرض عدة آراء ترى ان التقلب بين عدة مقامات واستعراض المقامات قد يشتت انتباه القاريء أما القراءة بطريقة اداء واحدة فهي تؤدي الى انصراف تركيز وانتباه المستمع، وهو رأي له قبول لدى الكثير من الشيوخ ومنهم الشيخ مصطفى اسماعيل·
وتنقل عن الشيخ الحصري قوله انه ليس مهما لقاريء القرآن ان يكون عليما باصول الموسيقا والغناء، لكنه لابد ان يكون عارفا بالمقامات حتى يتجنب 'النشاز' الذي يتسبب فيه عدم معرفته بالمقام·
ويشير الشيخ السويسي الى ان انتفاء الصوت في التلاوة قد يتسبب في اضحاك المستمعين· اما الشيخ مصطفى اسماعيل فكان يؤكد ان القراءة بلا لحن لا معنى لها، حيث يؤدي الاداء النمطي للملل وعدم استيعاب المستمع لما يسمعه·
وترصد المؤلفة ايضا قلة عدد القراء المميزين الان بعد ازدياد عدد المساجد وتزايد عدد القراء الذين احيانا لا يكونون على معرفة كبيرة بالتجويد والفروق بين القراءات ولا يخضعون للتدريب·· كما لا يحصلون على التراخيص اللازمة لهم من قبل اللجان المختصة، وتشير الى بعض الجهود التي كان القراء يأملون في تحقيقها اثناء وجودها في مصر، ومنها انشاء نقابة القراء للتحكم في مثل هذه الامور ويبدو أن المناخ العام الذي اثر في كثير من اوجه الابداع المصري انتقل ايضا للتأثير على هذا المجال مثل غيره في انتظار الاجراءات التي تعيد للمدرسة المصرية في التلاوة مكانتها·

اقرأ أيضا