الاتحاد

دنيا

هل كانت الشمس الكليلة وراء الحرب العالمية الثانية؟

الاتحاد ـ خاص:
نظرية تقول إن الإنسان على شاكلة الليل والنهار: نصف مضيء ونصف مظلم·
ولكن هل حقاً ان المزاج البشري (مزاج المجتمعات) يرتبط بالطقس· المسألة قد لا تقتصر على المزاج، فثمة مؤرخون أكدوا أن 'أدولف هتلر' كان يضرب رأسه بالحائط حين يكون الطقس رديئاً، هذا قبل أن يتكيف مع ذلك ويمشي تحت المطر والثلوج·
الأساس هو في كمية الضوء التي تتناهى الى الساعة البيولوجية· وكمثال على ذلك، حدثت تجربة مثيرة في إحدى القرى النمساوية، كان سكانها يعانون من اضطراب في المزاج، بسبب قلة أشعة الشمس التي تصل اليهم لموقع القرية الجغرافي· ولمعالجة ذلك تم تركيب مرايا تعكس هذه الأشعة باتجاه القرية· تغير المزاج··· في هذا الموضوع متابعة للنظريات المطروحة حول هذه القضية:
الإنسان على شاكلة الليل والنهار: نصف مضيء ونصف مظلم
شجرة الصبار و···المرآة
الأثير ينقل كل يوم أخباراً من داخل المختبرات أو من معاهد البحث· القارئ يقف حائراً حيناً، مذهولاً حيناً آخر، ولكن بالتأكيد ان مفاجآت كبيرة تنتظرنا في كل الحقول· ولكن ماذا إذا علمنا بتلك الدراسات السيكولوجية التي تقول إن الطقس الغائم في أوروبا، والذي يغطي معظم أيام العام، ودون أن يكون هناك فصل حاسم بين الفصول كما في بلدان شرق المتوسط، يحدث ذلك النوع من الكآبة الذي ينعكس في التفكير كما في الأداء··
وعلى هذا الأساس، لا مجال للمقارنة السيكولوجية بين رجل يعيش في مدينة العين الإماراتية، مثلاً، وحيث تسطع الشمس على مدار العام تقريباً، وبين رجل يعيش في مدينة هامبورج الألمانية· الأول لابد أن يكون مشرقاً من الداخل، والثاني لابد أن يكون غائماً· وهذه على كل حال نظرة قديمة خرج بها الجغرافي الشهير 'هيرودوت' منذ خمسة وعشرين قرناً حين قال إن الإنسان يشبه الطبيعة التي يعيش فيها·
بالطبع، ليس المقصود بمن يعيش في الصحراء انه يشبه الصحراء، حتى ولو كتب الأميركي 'وليم فولكنر': 'أحياناً أكون ظلاً للصبار'، هذا بعدما ذهب الى صحراء نيفادا لإثراء خياله· هناك قال إنه نظر الى شجرة الصبار كمن ينظر في المرآة·
الصحراء تعطي المدى، كما تعطي الضيق والتأمل، وربما الرغبة في الترحال، لكنها تعطي أيضاً القدرة على التكيف مع شظف العيش، والإحساس بالتحدي، حتى ان مستشرقين أو كتاباً غربيين زاروا، في أوقات مختلفة، دولاً خليجية توقفوا عند تلك النقطة ليقولوا ـ وبينهم الفيلسوف 'روجيه جارودي' ـ إن بناء تلك المدن المتطورة، بعماراتها الحديثة والضخمة، وبالحدائق الغناء، إنما يعكس رغبة داخلية ومترامية في التحدي·
عبقرية المكان وعبقرية الكائن
وكان المفكر المصري الراحل جمال حمدان قد كتب عن التقاطع بين عبقرية المكان وعبقرية الكائن، حتى ان الباحث الانتروبولوجي كلود ليفي شتراوس يتحدث عن 'التواصل البيولوجي بين الإنسان والطبيعة'·
الآن ينشط الباحثون في التأمل والتحليل· علماء الجينات يؤكدون وجود صلة عميقة بين تركيب هذه الجينات والسلوك· بالطبع مع التأثر بالمحيط، كما بالمناخ الثقافي· ولعل الطريف هو ما يخرج به الأميركي 'روبرت كانتنج' من أن هناك جينات معينة هي التي تتحكم بالخيال، تعبث به، تثير فيه الاضطراب، وقد تكون على تماس مع··· التاريخ·
هل يعني هذا أن الجينات تتأثر بالتراكم (أو بالتفاعل) الذهني، أي أنها ليست طليقة دوماً، بل انها تخضع لـ 'ديناميكية تاريخية' معينة· وعلى هذا فحين يستسلم رجل مثل 'ادولف هتلر' لأشياء اللاوعي، لابد أن يشعر بأن هيكله العظمي قد تغير· أو بالأحرى قد انتفض· التعبير يكون بالأيديولوجيا الملتهبة كما بالترجمة الملتهبة لهذه الأيديولوجيا·
هنا المسألة مختلفة، كما هي كمية الضوء التي تناهت الى الفوهرر عندما كان طفلاً ثم يافعاً· المسألة تشمل المنزل، والمدرسة، والمدينة أو القرية، التي عاش فيها· إذا كانت كمية الضوء قليلة لابد أن يشعر بالرغبة الجامحة في 'الاختراق'· هذه المسألة لا تنطبق على الأشخاص العاديين الذين ينخرطون تلقائياً في المفهوم العام، أو في السلوك العام، بل انها تنطبق على الأشخاص المختلفين الذين تختلط في داخلهم الهشاشة مع الصلابة· وعلى هذا الأساس، فإن الذين كتبوا عن زعيم الرايخ الثالث توقفوا عند تلك الازدواجية بين شخصية المهرج وشخصية القيصر·
الكارثة تنتصر··
من ينتصر أخيراً؟ الكاتب الألماني 'هنريتش بول' الذي عاش الحال، وحاز جائزة نوبل، أجاب بكلمة وحيدة 'الكارثة'· الكارثة تنتصر، أخيراً، إذا وصل الشخص المعني الى القمة· وعلى هذا الأساس، فإن 'جورج ويلز' الذي كتب عن ملوك بريطانيا، لاحظ أن هؤلاء الملوك يميلون الى السلم بعد رحلة صيد يتلقون خلالها كمية كبيرة من الضوء، فيما البقاء في البلاط ولو تحت الثريات لابد أن ينتج تلك 'الكآبة الملكية' التي تحمل الملك على التفكير بكيفية خوض المعارك وحتى اختراعها·
يحكى عند العرب عن حرب داحس والغبراء· هذه تبدو حالة كوميدية إذا ما قورنت بحرب المائة عام في أوروبا والتي لا مجال إلا للقول إن الإيقاع إياه هو الذي جعل اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية أمراً لا مفر منه · هل حقاً أنه لو كان الأوروبيون ينعمون بأشعة الشمس في معظم أشهر العام لما اندلعت الحربان اللتان كلفتا العالم عشرات ملايين القتلى؟
لكن الآسيويين أنتجوا قادة من طراز 'أدولف هتلر': 'جنكيز خان'، هولاكو'، 'تيمور لنك'، وصولاً الى 'أتيلا الجبار'· هؤلاء أطلقوا لخيولهم العنان، فكان أن قامت أكبر امبراطورية في التاريخ، كما أنه لا مجال للقول إن 'الاسكندر ذا القرنين' عاش في جو غائم، صحيح، لكن الذين كتبوا عن القائد المقدوني والقائد النازي، لاحظوا ذلك الفارق الهائل في البنية السيكولوجية لكل منهما· ربما كان أحد الأسباب هو الفارق بين 'أرسطو' الذي ألهم الأول و'نيتشة' الذي ألهم الثاني·
ولكن، وحتى قبل خروج النظرية الجديدة من بعض العلماء في سويسرا بسنوات، كان المؤرخ 'الكسندر أدلر' قد لاحظ ان 'هتلر' كان شديد التأثر بالطقس الرديء· في البداية، كان يضرب رأسه بالحائط احتجاجاً إذا ما هطل المطر أو الثلج، ولكن سرعان ما عثر على البديل، وهو الخروج في الأوقات العاصفة والتجول حاسر الرأس، هذا ليتساءل 'آدلر' ما إذا كان صحيحاً أن الزعيم النازي كان يكره الشمس· معظم معاركه، باستثناء معركة العلمين بين 'رومل' و'مونتجمري' في الصحراء المصرية، جرت في مناخات غائمة أو قارسة·
هذا خلافاً لـ 'نابليون بونابرت' الذي التهب خياله وتأثر كثيراً بما أسرّ به أحد المستشرقين في أذنه حول نظرة 'توت عنخ آمون' المقدسة الى الشمس، ذهب الى مصر بحثاً عن الضوء· كل القادة الأوروبيين تقريباً تطلعوا الى ذلك الشرق· لماذا؟ هل لأن فيه ولد المقدس وترعرع، أم لأن الطبيعة في القارة العجوز، ورغم تلك البانوراما الخضراء والأبدية، هي عبارة عن زنزانة مقفلة· السماء رمادية في معظم الأحيان· اللون الأزرق كان حلماً· يتحدث عن ذلك الفيلسوف الروماني 'ميرسيا إلياو' الذي يفترض وجود علاقة بين السماء الصافية وظهور الديانات السماوية في هذه المنطقة بالذات·
إنها فرضية، بطبيعة الحال، لكنها تظهر كيف أن الفكر الغربي، وفي فترات متخلفة، كان يجد تلك العلاقة التلقائية بين الطقس الصافي، أو المضيء، والشفافية الأيديولوجية· في مؤتمر كليرمونت الذي شق الطريق أمام الحرب الصليبية، كانت خطبة لأحدهم اعتبر فيها أن 'الشمس الدافئة بانتظارنا لأننا سنعيد إليها ألقها'· كلام شوفيني، أو شاعري، ولكن يلاحظ كيف أن القصور والقلاع كانت تقام فوق التلال ليس فقط لأن آليات الحماية تكون أفضل، وإنما أيضاً للاغتسال بالشمس· بالطبع دون إغفال الجانب الميتافيزيقي في هذه الناحية لأن الشمس تظل تمثل دوماً، مع القمر، حالة تتجاوز النطاق الفيزيائي المعروف في الأدبيات اللاهوتية للمجتمعات·
نصف مضيء نصف مظلم
منذ أعوام قليلة صدرت دراسات حول دور الضوء في تفعيل الساعة البيولوجية داخل الكائن البشري· هذه المسألة يمكن أن يلاحظها أي شخص· ليس الخوف من البرد هو الذي يجعل المرء يتأخر في فراشه في الأيام الماطرة، خلافاً للأيام الساطعة· ثمة جانب سيكولوجي في هذا، فيما تتساءل الباحثة البيولوجية الفرنسية 'مادلين أورتو': لولا كان اليوم ليلاً أو نهاراً ولم يكن بتوزيعه الراهن، هل كان البناء النفسي للإنسان مختلفاً؟
تقول أجل، وتستعرض حيثياته لتستنتج أن الإنسان هو على شاكلة الليل والنهار· نصف مضيء ونصف مظلم، دون أن يكون ذلك مرتبطاً بالمفهوم الفلسفي لإحدى الديانات الآسيوية·
الكائن البشري المنفتح، أو الشديد الانفتاح ما دام المحيط جاذباً الى هذا الحد، يحتاج الى شيء من الانطواء· لكن الليل لم يعد 'مستودع النائمين'· الأكثرية تمضي معظم الليل ساهرة أمام شاشات التليفزيون أو في الأمكنة العامة التي يتساوى فيها الليل مع النهار· والنتيجة ان المزاج البشري يصبح أكثر مرونة· هذا لا يغير في النظرية التي تقول إن النقص في الضوء يحدث اضطراباً في المزاج·
في الدول التي اعتادت على 'الحياة الكهربائية' ليلاً والتي أرغمتها الظروف على اعتماد برامج تقنين واسعة يلاحظ كيف يتغير المزاج بمجرد أن ينقطع التيار· هذا التغير يجعلنا نشعر أن البعض إنما ينتقلون من زمن الى زمن وليس فقط من مزاج الى مزاج·
تقليد الدببة
الساعة البيولوجية حساسة جداً، تستيقظ مع الضوء وتنام مع الظل· ولكن، بوجه عام، يتبدل المزاج كثيراً في الشتاء، كتبت الفرنسية 'فرنسواز ساجان': 'مع شغفي الشديد بالمطر لأنه امتداد لدقات قلبي، أشعر بأنني بحاجة الى أن أقلد الدببة'، وذلك في إشارة الى السبات الشتوي داخل الثلوج والذي يمتد أشهراً في المناطق القطبية·
هذا مع ان كتاباً كثيرين في أوروبا تماهوا مع الطقس الغائم· كان 'فرانز كافكا' الشديد السوداوية يغسل وجهه بأوراق الخريف الصفراء، ويقال إنه كتب أفضل أعماله في الليالي المكفهرة، وحيث يحدث التماهي بين 'روحه الرمادية والغيوم الرمادية'· هو الذي قال أيضاً إن روحه سوداء، وان 'العناكب تجد ملاذها الأخير في قلبي'·
'كافكا' سوداوي· 'صمويل بيكيت' أطلق اللامعقول· فعلاً مثل تلك الاتجاهات العبثية، وحيث الحياة لا تعدوعن كونها 'بانوراما الأنين' لم تنشأ تحديداً إلا في مناطق قلما تزورها الشمس· هل كان لـ 'وليم شكسبير' أن يعطي ما يعطيه لو كان يعيش، مثلاً، في كازاخستان؟
الرومانسيون أعطوا للظل مداه· كلهم أخذوا بفتنة المطر ليس لكونه 'موسيقى الغيوم'، كما دعاه 'بوالو'، وإنما لأنه يحجب الضوء، حائط الماء المترامي في وجه الضوء·
ليأخذ الإبداع مداه
يقال إن الكتابة قد تحتاج الى نوع من الموت الداخلي· هذه حالة لا تنتجها الشمس، بل المناخات الحزينة والداكنة· مرة أخرى انه المزاج الذي يفترض أن يكون مضطرباً لتأخذ لعبة الإبداع مداها·
لكن الطريف ما حدث في إحدى المناطق النمساوية، أشعة الشمس قلما تصل الى قرية على سفح جبل· مستوى الكآبة مرتفع جداً هناك، والمزاج غالباً ما يكون شاحباً· عند النساء يكون مأساوياً، والسبب، كما تبين، هو أن كمية الشمس التي تصل الى القرية لا تكفي من أجل تأمين السطوع الداخلي·
الحل كان مثيراً: تثبيت مرايا تنعكس عليها أشعة الشمس التي تتجه، في هذه الحال، الى القرية· بمجرد أن انتشر الضوء تهللت الأسارير، وساد نوع من البهجة· يقول أحد الأشخاص هناك: 'كنا على قيد أنملة من الموت، الآن على قيد أنملة من الحياة'· لا بل انهم دخلوا فعلاً في الحياة·
كان يقال، عادة، ان الضوء يجعل الساعة البيولوجية أكثر حيوية· الآن تبين أن الضوء يحدد تقاطيع الشخصية، فهل هناك من جينات ضوئية هي التي تشع في الداخل عندما ترتطم بالضوء الآتي من الخارج· ولكن ألا يعرف أن 'المجتمعات الشمسية'، ومنذ القدم، هي التي استحدثت الأفكار الأكثر سوداوية، خصوصاً فيما يتعلق بفكرة الموت والنهاية، حتى ان فكرة العدم نفسها، وكما يقول 'ناعوم تشومسكي' وجدت لدى المجتمعات الشرقية· ليس العدم من أجل العدم، وإنما من أجل إظهار جدوى الوجود·
إذاً، الحل بالمرايا التي تعكس أشعة الشمس في اتجاه معين· ثمة تعبير استخدمه النقاد الفرنسيين منذ عقود وهو 'ثقافة الكآبة'، هنا الناس عاديون، لا يبالغون ويقولون إنهم مبدعون، لم يكونوا هم الذين اكتشفوا ان مشكلتهم في قلة الضوء الذي يصل إليهم، والمؤكد أنه عندما تمكنوا من التمتع بضوء أكثر تراجع الاكتئاب· أحدهم يقول إنه لم يبتسم منذ أكثر من 15 عاماً، الضوء يدب في الأعضاء فتنتعش وتعطي·
والاستنتاج الذي خرج به علماء نفسانيون في النمسا ان الضوء الذي هو أساساً مركب كيميائي إنما يفضي الى التوازن داخل الشخصية، تناولوا إذاً كميات إضافية من الضوء لكي تغمر قلوبكم السعادة· لا، لا، هذه مبالغة كبيرة، الضوء للتوازن الداخلي، هذا هو المطلوب، وحتى لا تتكرر حرب المائة عام مائة عام أخرى، ألف عام·
أورينت برس

اقرأ أيضا