الاتحاد

دنيا

صلاح صلوحة من بائع هريسة إلى موسوعة ثقافة

دمشق ـ فاطمة شعبان:
يطلق الكتّاب في دمشق على صلاح صلوحة لقب 'شيخ وراقي دمشق'، بعد رحلة طويلة تجاوزت الأربعين عاماً، قضاها بين الكتب والصحف والمجلات القديمة، بائعاً وقارئاً وكاتباً وشاعراً وصحفياً وباحثاً، وممثلاً في العديد من الأفلام والمسلسلات الدرامية السورية· فهو طيلة هذه الفترة وضع كل مبلغ كسبه في شراء الكتب والمطبوعات الإعلامية القديمة، ليكوّن مكتبته وارشيفه الإعلامي الخاص، لتصبح من أضخم المكتبات الخاصة في دمشق· وتعتبر اليوم من أهم مصادر البحث والتوثيق لعدد كبير من الباحثين الذين يقصدون مكتبته، لما تحويه من كنوز في شتى مجالات المعرفة، وحتى كتّاب الدراما ومخرجي السينما يقصدونه لتوثيق أعمالهم تاريخياً· فمكتبته تضم إلى جانب أمهات الكتب من الطبعات الأولى والنادرة، المطبوعات الإعلامية من صحف ومجلات يعود أقدمها إلى بدايات القرن الماضي· واستطاع بصبر وجهد كبير أن يحول ارشيفه إلى 'دار الأرشيف للتوثيق الإعلامي' حتى تكون مرجعاً لكل باحث وطالب علم، دون أن ينتظر من أحدهم أي مقابل سوى كلمة شكر بسيطة، لا يحصل عليها في كثير من الأحيان·
حول همومه في هذا المجال كان لنا معه الحوار التالي:
؟ كيف بدأت رحلتك مع الورق؟
؟؟ كانت البداية طريفة جداً، لم أكن قد تجاوزت سن الحادية عشرة عندما بدأت العمل برفقة والدي في بيع حلوى 'الهريسة' على عربة متنقلة كنا نجول بها شوارع دمشق· وقتها كنا نشتري الكتب والمجلات والصحف القديمة لنلف بها قطع الهريسة، لم يكن وقتها مناديل ورقية أو ورق أو أكياس خاصة للف مثل هذه الأشياء، وكان الزبون بعد تناوله قطعة الهريسة يتخلص من الورقة ويرميها في الشارع· في أحد الأيام استوقفنا أحد الزبائن ليشتري الهريسة، فلفتت نظره كومة الصحف والمجلات القديمة على العربة، فطلب منا شراء بعضها لأنها كانت بنظره مهمة جداً· كان من المثقفين المهووسين بجمع الكتب والمجلات القديمة، ووجد ضالته في هذه الكومة التي لم تكن تعني لنا وقتها سوى أوراق للف الهريسة· من وقتها بدأت علاقتي مع الورق، فقد لفت الرجل نظري لأهمية ما تحويه الكتب والمجلات القديمة من علم ومعرفة· أصبحت القراءة هاجسي، فصرت أقرأ كل ما يصل يدي منها قبل أن تذهب هدراً إلى قارعة الطريق، وأصبحت أميز من هذه الكتب والمجلات ما هو مهم وما هو أقل أهمية·
؟ كيف تحولت من بائع هريسة إلى بائع كتب قديمة؟
؟؟ كما قلت لك، لفت الرجل نظري إلى أهمية هذا النوع من الكتب والمجلات القديمة عند الكثير من المهتمين بالثقافة والأدب، الذين كانوا يبحثون عنها ويدفعون الثمن الذي تستحقه، فاتجهت للمتاجرة بها لأكسب بعض المال لمساعدة والدي· ومن خلال تعاملي مع مختلف نوعيات المثقفين، اكتسبت خبرة في مجال بيع الكتب والصحف والمجلات الدوريات القديمة، وصرت أميز من خلال ما يسألون عنه ويطلبونه من أعداد وعنوانين المهم والمهم جداً والنادر، وماذا تعني طبعات وأعداد أولى· وصرت أبحث عن كل ما هو قديم وقيم، أشتري كل ما أجده ثم أحمله إلى شارع النصر وسط دمشق، أبسط حمولتي الثقافية على الرصيف لبيعها· كان ذلك قبل أن ينتقل باعة الكتب القديمة إلى سوق الصالحية الشهير لبسط ما يحملونه على أرصفة السوق وواجهات المحلات يوم الجمعة، فقد كان هذا السوق بسبب باعة الكتب القديمة يتحول يوم الجمعة إلى ما يشبه 'سوق عكاظ'، يقصده الشعراء والأدباء والمثقفين من كل الاتجاهات·
شاب بأحلام صغيرة
؟ هل كانت علاقتك مع هؤلاء الأدباء والشعراء علاقة بائع مع زبائنه، أم تطورت إلى أكثر من ذلك؟
؟؟ عملت في بيع الكتب في سوق الصالحية في منتصف السبعينات وأذكر وقتها أن المثقفين والأدباء كانوا يقصدون سوق الصالحية ليس لشراء الكتب فقط، فقد كان هناك مقهى قديم في وسط السوق كان ملتقى النخب الثقافية· وقتها كنت مجرد بائع كتب شاب له أحلامه الصغيرة، وكلما كبرت كانت أحلامي تكبر بتشجيع من هؤلاء الأدباء والشعراء الذين كانوا أهم زبائني· فقد صار حلمي أن أصبح أديباً أو شاعراً مثلهم، وأذكر كيف كانوا يشجعوني على تحقيق أحلامي، منهم الشاعر اليمني الراحل عبد الله البردوني وممدوح عدوان وسعدي يوسف وشوقي بغدادي، وغيرهم من الشعراء والأدباء العرب· واستعطت أن أكون صداقات جيدة معهم، وكانت الرسائل لا تنقطع بيننا، جمعت مراسلاتي إلى الأصدقاء من الكتّاب والشعراء في كتاب أسميته 'رسائل الوراق'·
؟ لماذا أنصب اهتمامك على المطبوعات الإعلامية بشكل خاص، ودفعك لعمل هذا الأرشيف الإعلامي؟
؟؟ منذ بداية عملي، لفت انتباهي التنوع الكبير في مجال المطبوعات الإعلامية، على سبيل المثال، قبل الستينات كانت تصدر في دمشق وحدها أكثر من ثلاثين مطبوعة إعلامية بين صحف سياسية يومية وأسبوعية ومجلات ثقافية وفنية· هذا إن دل على شيء فهو يدل على التنوع والحرية التي كانت تتمتع بها الصحافة· والأهم من هذا التنوع هو أن المطبوعات الإعلامية سواء الصحف أو المجلات تؤرخ بشكل يومي وبالصور كل ما يجري من أحداث سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وتتحول مع مرور الوقت إلى وثائق تاريخية هامة· لذلك من المهم الحفاظ على هذه المطبوعات وإتاحة الفرصة لعدد كبير من الناس للاطلاع عليها· لذلك لا أفوت أي فرصة لعرض ما أملكه من هذه المطبوعات الإعلامية الوثائقية حتى ولو في الشارع، وكنت من المشاركين في معرض التوثيق القومي وشاركت فيه خمس مرات، ومعرض التوثيق الوطني، كما أقمت معارض توثيقية فردية·
وراق الصحافة
؟ ما أهم المطبوعات الإعلامية التي يحويها أرشيفك؟
؟؟ أملك نماذج من الصحافة السورية من عام 1910 إلى عام ،1970 فيها أعداد أولى لعدد من الصحف مثل: 'الثورة، البعث، الاعتدال'· وعندي نماذج من الصحافة العربية من عام 1876 حتى عام ،1970 تحوي أعدادا أولى، مثل العدد الأول من صحيفة الأهرام وأعداد أولى من صحيفة الاتحاد· إلى جانب صحافة الأطفال من عام 1947 حتى اليوم، مثل مجلة 'العندليب' وهي أول مجلة للطفل في سورية، و'صوت التلميذ' و'أسامة'· بالإضافة لعدد من المجلات مثل أعداد من مجلة 'نور الفيحاء' التي كانت تصدرها نازك الملائكة عام ·1920 وغيرها الكثير من الصحف والمجلات التي عاود بعضها الصدور ثانية في دمشق مثل 'المضحك المبكي'·
وراق زمان ووراق اليوم
؟ يطلقون عليك لقب 'شيخ الوراقين'، من أطلق عليك هذا اللقب؟ وما الفرق بين وراق زمان ووراق اليوم؟
؟؟ لا أعرف بالضبط من أطلق علي اللقب، ولكن أغلب الكتاب يطلقونه عليّ، ربما لأنني أكبر من في هذه المهنة سناً· هناك فرق شاسع بين وراق زمان ووراق اليوم، لأن وراق زمان كان ينسخ أي كتاب بخط يده، ثم يقوم بعد الانتهاء من نسخه بتجليده يدوياً أيضاً، كما كان يقوم بترميم الكتب القديمة وتجليدها· ومع تطور أساليب الطباعة ودخول التكنولوجيا التي قضت على مهنة الوراق، تحول اليوم إلى بائع للكتب القديمة، يقوم أحياناً بترميم هذه الكتب وتجليدها لحمايتها من التلف، وأنا أقوم بهذا العمل لحماية بعض الكتب من التلف، وإذا أراد أحد الباحثين أن يطلع على أي كتاب أو مطبوعة قديمة بهدف البحث، لا أعطيه الكتاب أو المطبوعة بل أقوم بتصويرها كاملة أو أجزاء منها، حتى لا تضيع أو تتلف، لذلك أطلق علي لقب الوراق·

اقرأ أيضا