الاتحاد

دنيا

صحافة أميركا اللاتينية أخطر سلاح في مواجهة الفساد


توفّر أميركا اللاتينية المعاصرة تشكيلة متنوعة من الأمثلة التي تثبت بأن الديمقراطية بحاجة إلى صحافة استقصائية، وتبيّن كيف تساهم هذه الأخيرة في تثبيت الحكم الديمقراطي· اكتسبت هذه الصحافة قوة استثنائية في كافة دول المنطقة نتيجة ترسيخ المبادئ الديمقراطية فيها خلال العقدين الأخيرين· فبعد أن كانت عمليات تقصي الحقائق تقتصر في الماضي على المنشورات الهامشية والحِزبية، حصلت مؤخراً على قبول واهتمام الصحافة التقليدية· هناك أسباب كثيرة لتوكيد أهمية الصحافة الاستقصائية، لا سيما رسوخ الأنظمة الديمقراطية، والتحولات الكبيرة في اقتصاديات وسائل الإعلام، ووجود منشورات ملتزمة كشف التجاوزات في مجالات معيّنة، والمواجهات بين بعض مؤسسات الأنباء وبعض الإدارات الحكومية·وفي دراسة كتبها 'سيلفيو وايسبورد' الأستاذ المساعد في كلية الصحافة ووسائل الإعلام في جامعة راتغرز، وفي جامعة ولاية نيوجيرسي، يقول ان القيمة الرئيسية للصحافة الاستقصائية في دول أميركا اللاتينية الديمقراطية تتمثل بمساهمتها في توسيع مجالات محاسبة المسؤولين السياسيين· وهذا أمر هام جداً، باعتبار أن ضعف آليات محاسبة المسؤولين السياسيين يُمثّل أحد أخطر المشاكل التي تواجهها الحكومات الديمقراطية في المنطقة· إن كسل ولامبالاة المؤسسات، وعدم فعاليتها، وعدم استجابتها للاحتياجات الشرعية للمواطنين هو من أهم نقاط ضعف الحكومات هذه· إن وجود مؤسسات صحافية ملتزمة إعداد ونشر تحقيقات صحافية أصبح أمراً فائق الأهمية· حتى عند عدم قيام مؤسسات أخرى بمتابعة مواضيع التحقيقات وإجراء تحريات خاصة بها، كانت الصحافة تُبقي اتهامات السلوك غير القانوني، أو غير الأخلاقي، حيّة· وفي بعض الحالات، أجبرت الصحافة الهيئات التشريعية والقضائية في نهاية الأمر على إجراء تحقيقات في هذه الاتهامات·ويضيف: تملك الصحافة الاستقصائية قدرة لا تضاهى على ربط مسؤولين بجرائم معينة، لكنها قد تخلق أيضاً إحساساً خاطئاً لدى الناس بأن هناك دوماً تصرفات خاطئة· إنها سيف ذو حدين· فنشر التقارير حول التصرفات الخاطئة يوجّه انتباه الناس إلى جرائم مُفترضة، ولكنه قد يقود أيضاً إلى صدور أحكام متسرعة حول مسؤولية المعنيين دون اللجوء إلى مؤسسات أُنشئت دستورياً لإجراء التحقيقات وإصدار الأحكام القانونية· وهنا تكون المسؤولية الأخلاقية من جديد مهمة للغاية: يمكن أن يؤدي نشر الصحف لاتهامات غير مدعومة بأدلة دامغة إلى نتائج مدمّرة لسمعة أفراد ومؤسسات·
وشكّل الفساد في الدوائر الحكومية نقطة الاهتمام المركزية في التحقيقات الصحافية في دول أميركا اللاتينية الديمقراطية· وهناك مواضيع أخرى (مثلاً، الفساد في الشركات وممارسات العمل غير القانونية) جذبت اهتماماً أقل بكثير· تبيّن من خلال استطلاعات عديدة أجريت لآراء المواطنين أن موضوع الفساد كان باستمرار بين أعلى ثلاثة اهتمامات رئيسية لسكان المنطقة بكاملها· وقد يوحي ذلك بأن الصحافة الاستقصائية هي التي أثّرت في تحويل تصرف الحكومة الخاطئ إلى قضية ذات أولوية·ويوحي هذا الوضع في دول أميركا اللاتينية إذن بأن وجود هذه الصحافة هو أمر مهم بحد ذاته· وأن نطاق وتوازن التحقيقات الصحافية أمران تنبغي مراعاتهما· فالصحافة توجّه اهتمام المواطنين والهيئات التشريعية إلى قضايا محددة· وهناك مجالات عديدة اجتماعية وحكومية بحاجة إلى الاهتمام في الدول الديمقراطية المعاصرة· وتكون الصحافة الاستقصائية أكثر فعالية عندما تشمل تحقيقاتها شبكة واسعة ومتنوعة من القضايا·

اقرأ أيضا