الاتحاد

دنيا

غزلان الرنّة··· عروس أعيـاد الميلاد


'الاتحاد' ـ خاص:
غزلان الرنّة التي تزيّن احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية·· هي شريكة لبدو الجبال الثلجية الذين يتغذون بلحومها وألبانها ويتاجرون بجلودها وقرونها·
في التحقيق التالي تفاصيل حول أوضاع الرنّة في جبال بدو التزاتان المغول·
بلاد الرنّة: رياح وجليد وأرواح
في طقس بارد صقيعي يخرق العظام، تترامى مساحات شاسعة من الجليد الذي ترتسم عليه آثار قوائم ذنب هارب، وفجأة، يخترق صمت الجليد صوت مخيف كالهدير، تهبّ الرياح، ثم تشتد أكثر فأكثر لتلسع الوجوه كاسياط، الشتاء هنا عنيف لا يرحم·· وفيما تصطك أسنان بدو 'التزاتان'، فإن حيوانات الرنّة لا تجد ما تدافع به عن نفسها سوى تخبئة رؤوسها تاركة قرونها في مهب العاصفة الثلجية·
الصراع صعب وغير متكافئ، لكن رغم ذلك يستمر قطيع الرنّة الصغير بالتقدم الخطوة بعد الخطوة·· مثلهم مثل البدو الذين يتقدمون ببطء شديد هم أيضا في صحراء التايغا الجليدية الشاسعة· فرح مفاجئ يسري بين حيوانات قطيع الرئة، لقد عثرت على بعض العشب الذي يظهر من خلال الجليد، فتنهال على التهام الوجبة التي لولاها لماتت جوعاً، وفي غضون ذلك يلاحقها البدو كلهم، رجالاً ونساء وشباناً وكهولاً، حتى الفتية الصغار يلاحقونها، الجميع يحملون بنادقهم القديمة·
الصيد هو مصدر الغذاء الأساسي وشبه الوحيد لقبائل التزاتان، ولحماية وجوههم من لسعات البرد الجليدي القارس، يدهنونها بشحن الدببة طيلة فصل الشتاء، فيما يمتطي بعض أطفالهم ظهور حيوانات الرنّة في تنقلاتهم، وهم مدججون بطبقات من الألبسة السميكة، فيما يبدون في تآلف تام مع تلك الحيوانات، وبرغم انعدام الرؤية شبه التام خلال العواصف الثلجية العاتية، يجد التزاتان ـ وحيوانات الرنة أيضاً ـ معالم الطرق التي يقصدونها بشيء أشبه بالفطرة الغريزية·
ثم عندما تهدأ العاصفة، يبطئ الصيادون التزاتان سرعة حركتهم ويسترخون على ظهور الرنة بسكينة يرتاحوا فيها من عناء مواجهة العاصفة·
4000 سنة
علاقة قديمة قدم التاريخ تربط هذه القبائل البشرية بتلك القطعان الحيوانية التي لا تكاد تخلو منها صحاري جبال آسيا الوسطى المتجلدة·
الرنة حيوانات برية في الأساس، لكن حسبما يقول الخبراء فقد جرى تدخينها منذ نحو 4000 سنة، حين بدأ يستفيد التزاتان جيداً من جلودها ولحومها وحليبها وشحمها، إضافة الى عظامها التي تباع بأثمان باهظة، والتي يأتي التجار الصينيون خاصة الى تلك البلاد من أجلها، إذ يعتقدون انها تشكل أقوى منشط جنسي إضافة الى الكثير من الوظائف العلاجية·
في المقابل، يقدم بدو التزاتان لحيوانات الرنة الحماية الأكيدة من خطر الذئاب، وغيرها من الوحوش المفترسة، إضافة الى احاطتها بالكثير من الألفة والحنان·· ولكل تزاناتي رنته الخاصة التي يتصادق معها منذ صغره وتلازمه رفيقة لدربه طيلة حياته لا يفرق بينهما إلا الموت·
الخروج من العزلة
ظل بدو التزاتان يعيشون حياتهم البدائية منعزلين عن باقي العالم حتى أواخر القرن التاسع عشر حين جاءت الى المنطقة بعثة من العلماء الأوروبيين لتصوير جغرافيا حوض نهر 'ايانيساي' ولتكتشف بالصدفة وجود 6000 فارس يتكلمون لغة غريبة ويستخدمون جلود الرئة والدببة والذئاب وغيرها كالملبوسات وكنوع من عملة مقايضة أساسية·· ومنذ ذلك الحين فقد بدو التزاتان بدائية حياتهم وسكينتها، ولاسيما بعدما دهمهم الاحتلال السوفييتي الذي أجبرهم على الانتقال الى المدينة والتخلي عن حيواناتهم والاعتماد في تأمين معيشتهم على مستوطنات زراعية أقامها من أجلهم في مناطقهم، ليتعرضوا حينها الى الكثير من القمع والاضطهاد والتهجير، وكان أقسى ما تعرضوا له منعهم من ممارسة تقاليدهم، ما اضطرهم الى الفرار نحو صحارى الجليد عند قمم الجبال حيث استعادوا شيئاً من حريتهم في 'التايغا'·
طريق الحرية
في نهاية العام 1992 بدأ التزاتان بإعادة توزيع حيوانات الرنة على مالكيها الأصليين، وهذا ما جعل اخوانهم يأخذون بدورهم طريقهم إلى جبال التايغا، طريق الحرية·
يبلغ تعداد بدو التزاتان الآن نحو الأربعين ألف عائلة، يمتلكون قطيعاً من نحو 700 من حيوانات الرئة، يعيشون على مساحة تقارب 65,000 كيلو متر مربع من جبال 'خوفز غول' و'تايغا' المغولية في آسيا الوسطى·
وفيما تتعاقب الفصول، تزداد تنقلات التزاتان ويزداد انتشار خيمهم وتوسيعها، وبالإجمال، فموسم الصيف هو موسم الحركة والتجمع، فيما الشتاء الطويل هو موسم الهجرة والانفصال·غير أن بدو التزاتان لا يعرفون الوحدة ولا يخشونها لأن هناك أرواحاً غير مرئية تعيش مع كل فرد منهم، في الخيم المسماة 'اورتس' باللغة المحلية، والشبيهة كثيراً بخيم هنود أميركاز الشمالية·
وفيما ينهمك الرجال في أعمال الصيد، تبقى نساء التزاتان في منازلهن ليقمن بصيانة وتغذية أجهزة التدفئة التي تعلق في منتصف الخيمة والتي تشكل مصدر الدفء الوحيد في مناخ جليدي تصل حرارته الى 40 درجة تحت الصفر·
وبرغم ضيق المساحة الداخلية للخيمة فالتزاتان يعنون بترتيبها على أحسن ما يكون، كل فرد من أفراد العائلة له مكانه الخاص في الخيمة، وتجد فيها الأغراض والتجهيزات المنزلية في أمكنتها المحددة، ولكي يتحاشى التزاتان الأبخرة داخل الخيمة فإنهم يعملون لطرد الأدخنة المتصاعدة من عمليات الطهو والتدفئة، عبر ثقوب خاصة في هيكل الخيمة، مما يؤمن لهم في الوابع نظام تهونة مثالي بالنسبة إلى أمكنة عيشهم وظروفها·
فنون الصيد
عندما يكون النهار جليدياً لكن بلا مطر، تعجز أشعة الشمس عن تأمين الدفء اللازم، وهنا يسارع فرسان التزاتان بالخروج لمزاولة أعمال الصيد، والطريدة الأثمن عندهم هي صيد حيوان رنة بري، أو ما يمكن أن يقعوا عليه من الدببة أو غيرها من الحيوانات القطبية المتوحشة· الصيادون يعرفون أسرار الطبيعة فتراهم يقومون بحركات تقليد لكل طريدة حسب نوعها، لجذب انتباهها واستدراجها الى الفخ، وأما الطيور فيكفي أن يطلقوا صفيراً مشابها لصفير كل نوع من فصائلها·· وهم في خلال كل ذلك يستمرون في تلاوة أدعية الاستنجاد بالأرواح اللامرئية· وبالإجمال، تستمر رحلة صياد التزاتان عدة أيام متواصلة وسط ثلوج التايغا الجبلية البالغة القسوة ليعود الصياد المحظوظ إلى خيمته وعائلته في نهاية المرحلة محملاً بجلود الطرائد التي يعتاش ما يجنيه بمقايضتها بسلع استهلاكية أخرى· أما قرون الرنة فتشكل سلعة ثمينة جداً خاصة من جانب الصينيين الذين يرحلون مسافات طويلة خصيصاً من أجلها وهم يعتقدون أنها من أقوى المنشطات الجنسية والعناصر العلاجية والتزاتان يقايضونها إجمالاً بما يحمله الصينيون من طحين وشاي وسكر وملح وغيرها·
مقبرة من الشجر
العجوز التزاتانية 'سيوان' أصبحت نادراً ما تغادر الخيمة منذ أن أقعدها تعاقب السنين·· التجاعيد تجتاح وجهها الذي أصبح كتفاحة قديمة، وعيونها السوداء تجعلها أشبه باحدى الأرواح الطالعة من بحر الظلمات·· وهي احتفلت أخيراً بذكرى مولدها الـ ،103 بانتظار وفاتها ودفنها في القبر المحفور داخل جذوع الشجر الضخمة في الغابة القريبة·· ومن هنا تقديس بدو التزاتان للغابة التي هي بالنسبة لهم مقبرة واسعة ترتع فيها أرواح موتاهم، وفي معتقداتهم أن أرواح الموتى تتخاطب وتتواصل في ما بينها وأنها تشكل حماية روحية للبدو الأحياء· لطالما، كانت الغاية المعقل الأساسي لحيوانات الرنّة، إنما قبل أن تمتد اليها يد الصيادين، المحليين والأجانب حيث أصبحت الآن مهددة، فعلاً بخطر الانقراض، إلى ذلك، فإن حيوانات الرنّة أصبحت عرضة الآن للإصابة بالأمراض الناجمة من سوء التغذية لاعتمادها على نوع واحد من العشب·· وهذا ما يشكل مع الوقت تهديداً مباشراً لبيئة نحو التزاتان ولظروفهم المعيشية·
'أورينت برس'

اقرأ أيضا