الاتحاد

دنيا

الإعلان التلفزيوني··· لعبة ماكرة تتكلف المليارات


د· نصر الدين لعياضي:
أجرى الباحث جيفري غولدستين في قسم الاتصال بجامعة 'أوترشت' الهولندية عدة دراسات ميدانية في السويد، وبلجيكا، وهولندا، وبريطانيا لصالح اللجنة الأوروبية، سمحت له بالقول 'لا توجد أدلة مقنعة تؤكد تأثير الإعلان على قيم الأطفال، وعاداتهم الغذائية، واستهلاكهم'· ويؤكد: 'أن الأطفال يتأثرون بآبائهم وزملائهم في اللعب أكثر من تأثرهم بوسائل الإعلام· إن الناس يبالغون في سلطة الإعلان لأنه دائم الحضور في حياتنا'·
لكن يبدو أن هذا القول لم يهدئ من روع الآباء والمربين، ولم يبدد خوفهم على أبنائهم من أضرار الإعلان· كما لم يثن المعلنين على صرف المزيد من الأموال في صناعة الإعلان وتوزيعه· لقد أدركوا بأن الطفل داخل الأسرة المعاصرة أصبح عنصرا مستهلكا يملك قرار الشراء فيما يعنيه من سلع ومواد وخدمات من جهة، ويبدي رأيه، الذي أضحت بعض الأسر تعتد به، في شراء السلع والمواد·
محرك الإعلان
لقد قيمت القدرة الشرائية للأطفال في أوروبا، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 4 و12 سنة بـ 2,10 مليار يورو في سنة ،1991 وقد تضاعف هذا المبلغ في السنة 2002 · أما المشتريات التي قام بها الأباء بتأثير من أطفالهم، فإنها تمثل 122 مليار دولار سنويا! فبالإضافة إلى المأكولات والمواد الغذائية، والملابس دخلت أغلبية المبتكرات التكنولوجية في مجال اللعب والتسلية والاتصال الأسر بفضل طلب الأطفال، وحتى إلحاحهم·
إن هذه الحقيقة شجعت المعلنين على رفع ميزانيتهم المخصصة لتمويل الإعلانات التي توجه للأطفال، بعد أن رسخت قناعتهم بأن ثلثي ما يستهلكه الأطفال في صغرهم يستمرون في استهلاكه عند الكبر، أي لدى بلوغهم سن الرشد· لذا نلاحظ ان الشركات المنتجة للمواد الغذائية والحلويات، والألبسة، والألعاب تصرف الملايين من الدولارات لإغراء هذه الشريحة من المجتمع لشراء منتجاتها· إذا لا غرابة إذ علمنا بأن الميزانية المخصصة للإعلان في شركة 'نسله' خمٌَُّّج تزيد عن الميزانية المخصصة لإدارة منظمة الصحة العالمية·
وتتراوح نفقات الإعلان الموجه للأطفال في الدول الأوروبية ما بين 670 مليون إلى مليار يورو في السنة· إن المؤسسات الفرنسية وحدها أنفقت في السنة 2001 ما لا يقل عن 61 مليون يورو لشراء مساحات إعلانية في فرنسا لبث وتوزيع الإعلانات الموجهة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 سنة· إن المبالغ المالية التي تتزايد على مر السنين لا تقتصر على شراء مساحات أو فضاءات إعلانية، بل تمتد إلى ترويج الخطاب الإعلاني وصناعته ودراسة ميول الأطفال الاستهلاكية وأسواقهم·
تزايد الإقبال
مما شجع المعلنين على صرف مثل هذه المبالغ يكمن في الإحصائيات الرسمية والبحوث الميدانية· إن معهد سبر أراء الجمهور وقياسه الفرنسي يؤكد أن الطفل الفرنسي، الذي يتراوح عمره ما بين 10 و14 سنة، يخصص 8,10% من الوقت الذي يصرفه في مشاهدة التلفزيون للإعلان· بمعنى أن الطفل الفرنسي يشاهد ما بين 3600 و7 آلاف لقطة إعلانية في التلفزيون خلال سنة، بينما يشاهد نظيره الأميركي خلال الفترة ذاتها 30 ألف لقطة! إن هذا العدد الرهيب من الإعلانات يؤكد على الحقيقة التالية: رغم أن الأطفال يخصصون وقتا أقل من الكبار لمشاهدة التلفزيون إلا أن نسبة مشاهدتهم للإعلانات تزيد عن نسبة أوليائهم· والسبب في ذلك يرجع أساسا إلى أن الكبار ينفرون، في الغالب، من اللقطات الإعلانية التي تعكر مشاهدتهم لبرامجهم المفضلة: الجرائد المصورة، والمسلسلات، والأفلام، والبرامج الإخبارية، فيلجأون إلى مشاهدة قنوات تلفزيونية أخرى غءذذةخا، خلافا للأطفال الذين يشعرون بنوع من الانجذاب للإعلانات، فيتركون ما بأيدهم (ألعاب، كتب، أكل) لمتابعة اللقطات الإعلانية بنوع من الانبهار والمتعة·
مكر الإعلان
يهدف الإعلان إلى تعويض اللذة الناجمة عن استهلاك منتج أو سلعة بالإحالة إلى الرمز المرتبط بها· هكذا يصبح مجرد ظهور الرمز في الإعلان يثير لدى المشاهد استجابة الشراء· إن هذه العملية ليست آلية، بكل تأكيد، فحتى تتحقق هذه الاستجابة المطلوبة يستثمر النص الإعلاني جملة من المشاعر التي تتحكم في تصرفات الناس، وسلوكهم: الشعور بالضيق وانعدام الأمن، الإحساس بعدم الرضا، بحيث تتدخل السلعة المقترحة أو صورتها لجلب السعادة وجعل الأشخاص مسرورين·
إن مكر الإعلان يتجلى أكثر في تلاعبه بالشعور والحاجة للانتماء إلى مجموعة اجتماعية أو فئة متميزة عبر امتلاك لباس، أو لعبة، أو سيارة، أو استهلاك بعض المأكولات أو الاستفادة من بعض الخدمات والتقيد ببعض السلوك أو التماهي في شخصيات حقيقية أو مفتعلة· فالتنشئة الاجتماعية للأطفال تبدأ بالتقليد والمحاكاة· والانتماء يتجسم أكثر من خلالهما· وهكذا يتدخل الإعلان في هذه التنشئة· إن الطفل يعتبر 'هشا' نفسيا واجتماعيا· والاستراتجيات التي ينتهجها المعلنون تزيد في هشاشته وتفكك مقوماته المتواضعة·
يوظف الطفل في الإعلان مثل المرأة، إذ يزج به في الإعلانات المتعلقة بالمواد والسلع التي ليست موجة إليه أساسا: سيارات، اجهزة كهرو منزلية، مواد للتنظيف والغسيل، بعض أدوات الطبخ، وغيرها· لكن ليس للأسباب ذاتها، وان كان لغاية تجارية واحدة·
استغلال
إن الحضور الفيزيائي للأطفال، أو استعمال صوتهم أو توظيف 'لغتهم' قد تزايد بشكل مكثف في الإعلانات من أجل إعطاء بعد عائلي للمواد المعلن عنها، والتلاعب بمشاعر الأبوة والأمومة، وأيضا، لدفع الأطفال ليكونوا في الوضع الذي يتمنون أن يكونوا عليه· وبهذا فالإعلان يشجع مسارهم في التقمص الاجتماعي·
يتميز الإعلان ببنيته المتماسكة، وبكثافة تعبيره، وقصر مدته، وسرعة إيقاعه· وبساطته التي تمكن الأطفال من فهمه· إذ يقوم، في بعض الأحيان، على 'الأقصوصة' والمزاح والمفارقة أو الاختلاف في الأوضاع· ويتسم أيضا بتكراره وصوره الجميلة وموسيقاه الجذابة التي تجعله محبوبا لدى الطفل· لقد تعمد المعلنون محو الانقطاعات بين المشاهد التلفزيونية، وشحن الإعلان بالمؤثرات الصوتية والمرئية، والاستعانة بتقنيات أفلام الكرتون المحبوبة لدى الأطفال، إن لم يوظف الأبطال وأشخاص الرسوم المتحركة المعروفة وألحانها الموسيقية· وبهذا يقترب الإعلان من المواد الدرامية·
الفصل
يطالب رجال القانون وعلماء النفس والاجتماع بالفصل الواضح بين الإعلان وبقية المواد التلفزيونية وذلك بقصد تمكين المشاهد التلفزيوني الراشد من التعامل مع ما يشاهد في الشاشة الصغيرة على أسس واعية وواضحة· ورفع اللبس على تمرير الإعلانات كأنها مواد إعلامية أو درامية أو عدم الإشارة الواضحة إلى أنها رسائل إعلانية· إن المواد الإخبارية تقترب أكثر من الواقع، بينما تجنح المواد الدرامية نحو الخيال· لكن الإعلان يمزج بين الواقع والخيال· فالسلع والمنتجات المقترحة في الإعلان حقيقية، وموجودة في الواقع· لكن إيحاءاتها، وإدعاءاتها، ووعودها تنقل المشاهد، في الغالب، إلى واقع سحري· هذا إضافة إلى الخلفية التجارية للإعلان· إذ الخلط بين المواد المذكورة يشكل مدخلا ليمارس عبره الإعلان تضليله· أي تضليل المشاهد التلفزيوني الراشد· فكيف يكون وضع الطفل المشاهد؟
إن عولمة البث التلفزيوني قد أضعفت سلطة الدولة ليس في مجال التشريع فقط، بل أيضا، في المجالات التي تعبر من خلالها عن سيادتها الوطنية· لقد اخترقت قوانين دولة السويد في مجال الإعلام والإعلان من قبل فاعلين إعلاميين واقتصاديين من خارج الدولة، إذ بدأت قناتان خاصتان في بريطانيا ببث برامجها باللغة السويدية للوصول إلى رعايا هذه الدولة في عقر دارهم· وغني عن القول أن هذه البرامج تنتهك كل التشريعات القانونية الخاصة بحماية الطفل السويدي من أضرار الإعلان·
إن تشديد الخناق على ممارسة الإعلان الذي يستهدف الأطفال على الصعيد القانوني يطرح إشكالا اجتماعيا وإعلاميا وثقافيا· فالإعلان أصبح يشكل المورد الأساسي لقطاع الإعلام ومؤسساته في العديد من الدول، والحد من استعماله يضع الكثير من المؤسسات الإعلامية، خاصة التلفزيونية (العامة، والخاصة) في أوضاع مالية صعبة، وربما الإفلاس الذي تكون له أثار سلبية على صعيد التعددية الإعلامية والثقافية وتنوعها·
حماية
إن العمل على حماية الطفل العربي من أضرار الإعلان التلفزيوني، يتطلب جملة من الأدوات القانونية والثقافية والاجتماعية·
يعاني قطاع الإعلان في الدول العربية من فراغ قانوني كبير من ناحية مدته، وزمن بثه، وموضوعاته· إن المعيار المعمول به تلفزيونيا هو تخصيص 8 دقائق للإعلان من كل ساعة بث في القناة التلفزيونية التابعة للدولة وألا تتجاوز مدته 12 دقيقة في القنوات التلفزيونية الخاصة أو التجارية· بينما نلاحظ أن بعض القنوات التلفزيونية العربية تخصص حوالي 25 دقيقة في الساعة للإعلان خلال شهر رمضان المعظم· ويمكن أن تزداد هذه المدة بارتفاع عدد القنوات التلفزيونية الخاصة· كما أن بعض القنوات تبث الإعلانات التي يرفض بثها في الدول المتقدمة، مثل: الأدوية! هذا ناهيك عن مضمون بعض الإعلانات التي تبثها بعض القنوات التلفزيونية العربية: تشجيع العنف، والاتكال والكسل، والتحايل والاختلاس، والتفاخر والتباهي، وتخمة الاستهلاك وغيرها··
إن حماية الطفل أيضا تقوم على دور الأسرة· لذا يفضل أن يشارك الأباء أطفالهم في مشاهدة الإعلان ليوضحوا لهم أهداف الإعلان الخفية· وليبينوا لهم أن جمال صورة السلع في الإعلان وسحرها، لا يعني بالضرورة أن السلعة الموجودة في السوق كذلك· هذا إضافة إلى ضرورة تعليم الأطفال كيفية فك رموز الصورة الإعلانية، ومعاينة الفروق بينها وبين بقية الصور·

اقرأ أيضا