الاتحاد

تقارير

زلزال هايتي... توابع الانفعال في أميركا!

جريجوري رودريجز
محلل سياسي أميركي

لست أدري لمن تكون.. بيد أن الصور المبثوثة عن ضحايا مأساة هايتي جعلتني أشعر بكثير من الغباء للاهتمام الذي أعطيته مؤخراً لفضائح حياة "تايجر وودز" الخاصة، أو لزلات لسان هاري رايد، أو للتنبؤات بمستقبل كونان أوبراين. فليس في هذه القصص الخاصة من الألم والمعاناة الإنسانية ما يبرر مدى اهتمامنا بها، أو يعطيها حقيقة ما نشعر به إزاء ضحايا زلزال هايتي. فبالمقارنة يصبح انفعالنا واهتمامنا بتلك القصص الشخصية الخاصة، عديم المعنى تماماً.
بالمناسبة كنت قد أجريت لقاءً صحفياً مع أحد الصحفيين في ردهة فندق في العاصمة الرومانية بوخارست في شهر أكتوبر من العام الماضي. وأثناء اللقاء نظر الصحفي إلى ما كانت تبثه شبكة CNN حينها عما بعد قصة "صبي المنطاد" ثم قال لي مستهزئاً: أهذه هي الأمور والقضايا التي تهتمون بها في أميركا؟ فأجبته معترفاً بما يعالجه إعلامنا من قضايا ومواضيع باذلاً قصارى جهدي في محاولة إقناعه بقوة العلاقة بين فورة وحمى استجابتنا لدراما أحداث عديمة المعنى في معظم الأحيان وإثارة رياضة القفز من الأماكن العالية اعتماداً على الحبال المطاطية.
ففي مجتمعنا الديمقراطي المستقر المترف الخالي من الصراعات الحقيقية، كثيراً ما نبحث عن أي دراما تضفي على حياتنا شيئاً من الإثارة والمعنى اللذين تفتقدهما. ومن ذلك مثلاً القفز من فوق جسر رويال جورج بولاية كلورادو اعتماداً على الحبال المطاطية! وبعبارة أخرى فإننا كثيراً ما ننخرط في خوض مغامرات يمكن السيطرة على المخاطر التي تنطوي عليها، كي نشعر بأننا نحيا حياة حقيقية مليئة بالمخاطر والأهوال. وبالمثل تعد مشاركتنا أو حتى متابعتنا للحوارات والقضايا الخلافية، أو حتى مشاهدة ما هو أدنى بكثير من الهزات الأرضية الحقيقية، جزءاً من الإثارة التي يبحث عنها دائماً مجتمعنا المدني. وفي مجتمع تسيطر عليه العزلة الفردية التي أصبحت نمطاً للحياة اليومية فيه، فإن طقس الخلاف والإثارة بشأن أي حدث كان يمكن أن يثير شعوراً لدى الفرد بأنه لا يزال على صلة بالآخرين وبالعالم من حوله. بل قد يشعره بأنه جزء من أمر مهم يملأ به فراغ العزلة الاجتماعية التي يعيشها. وتنطبق هذه الحقيقة بالذات على اهتمام الأفراد بالفضائح السياسية. ويمكن القول إن معظم مشاعر الغضب والاستياء العام من فضيحة أخلاقية لسياسي ما، أو نتيجة لزلة لسان منه، تثير فينا شعوراً بأننا نحدث فارقاً ما في ثقوب نظامنا السياسي، بما يساعد على سدها ورتقها. وقد عبر عن ذلك أندرو سزاس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا -سانتا كروز- بقوله: "إن تكرار مثل هذه القصص يجعلها تبدو وكأنها استمرار للمباريات التي تدور في حلبة المصارعة المحترفة. فهي تماماً مثل المصارعة التي يصعب التكهن مسبقاً بنتيجتها. إن الفضيحة الأخلاقية أو الجنسية لكبار الشخصيات السياسية أو النجوم تحتاج إلى عنصر الشك فيها أولاً. وهناك عادة من ينبري للوقوف شاهداً على وقوعها بالفعل. وذلك هو امتياز تبديد الشكوك حول الفضائح وغيرها من أمور الإثارة والدعاية. أما من لم يكن له شرف القيام بهذا الدور المبدد للشك، ففي وسعه الاستمتاع والانفعال بدور المتفرج أو المراقب الذي يقوم به". وما هي النتيجة النهائية لكل هذا إذن؟ الإجابة: يشعر الجمهور العام بكثير من الرضا بمشاركته في الحدث، ويعود النظام السياسي لاستقراره المألوف، بينما يتم تجاهل القضايا الرئيسية الحقيقية.
وبعبارة أخرى يمكن القول إن هذه الفضائح وما يدور حولها من صراعات وإثارة عامة تعبر عن استياء منها في معظم الحالات، تعطي المجتمع الممزق المنفصم شعوراً وهمياً بأنه يشارك في مسألة مهمة، حتى وإن لم تكن كذلك بالفعل. وبذلك يبتلع الجمهور كله أو غالبيته طُعم هذه المعارك الوهمية الثانوية. وإذا ما شئت اختبار هذه الحقيقة، فما عليك إلا أن تضع أية مسألة من المسائل في إطار نزاعي مفتعل، ثم قم بصياغتها في قالب "نحن ضد أولئك" أو في أي سياق خلافي سياسي، وعندها تستطيع الفوز باهتمامنا جميعاً بذلك العراك الذي افتعلته للتو. وفيما لو كان هناك فائز ومنتصر محتملان في تلك المعركة، خاصة إذا ما كان ممكناً سقوط الطرف القوي في النزاع على نحو يعطي الجمهور شعوراً بالانتصار على البطل وهزيمته، فعندها يعم الشعور بيننا جميعاً بأننا كنا صناعاً لذلك الانتصار الوهمي. وبسبب الطبيعة الخادعة لمثل هذه الصراعات التي كثيراً ما تشغل الرأي العام الأميركي، يسهل على الجمهور اتخاذ موقف منحاز إلى طرف من أطراف الصراع، ومن ثم إعادة صياغة التحيزات والمواقف المسبقة، بما يعطي شعوراً بالتفوق على الأعداء.
يضاف إلى هذا اتساع المجال الإعلامي وتصاعد دور المدونات الإلكترونية، وما يؤديانه من دور في تعزيز الشعور بأننا مجتمع مشارك في كل شيء، خاصة إن كان هذا المجتمع مهووساً بالإثارة والاستياء مما يدور حوله من فضائح الشخصيات القيادية والعامة. وهذا ما يفسر النتائج التي توصلت إليها دراسة أجريت في شهر ديسمبر الماضي برعاية من "مشروع امتياز الأداء الصحفي". وقد رجحت تلك النتيجة تسليط المدونات الإلكترونية اهتمامها على الإثارة والقضايا الخلافية، أكثر مما تفعل وسائل الصحافة الرئيسية الأميركية.
وعلى سبيل المثال، ففي الثلاثين من شهر نوفمبر الماضي -وهو التاريخ الذي أعلن فيه الرئيس أوباما قراره الخاص بإرسال 30 ألف جندي إضافي لأفغانستان، كانت الصحافة الرئيسية قد اهتمت بتغطية هذا الخبر المهم، في حين انشغلت المدونات الإلكترونية بحظر السلطات السويسرية بناء المآذن وسرقة حسابات البريد الإلكتروني لوحدة أبحاث بريطانية مختصة بدراسات التغير المناخي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا