الاتحاد

عربي ودولي

أميركا ··وتكثيف العمليات السرية في الشرق الأوسط


معين أحمد محمود:
أصبح من الواضح أن من بين ما يتميز به عصر العولمة الأميركية هو لجوء المخابرات المركزية الأميركية إلى حرب مكشوفة أمام وسائل الاعلام ضد كل ما يعادي الولايات المتحدة الأميركية وسياستها ··· فحرب المخابرات عادة ما تكون سرية ولا تكشف مخططات أو وسائل كثيرة في شنها ضد الأعداء والخصوم · لكن بورتر غوس رئيس ' السي آي إيه ' - المخابرات المركزية الأميركية - تطرق وللمرة الأولى علناً لما ينوي القيام به من نشاطات وعمليات ضد الأهداف التي وضعتها وكالته في سياق الحرب على ' الإرهاب '· ففي مقابلة أجراها معه مراسل قناة ' آ بي سي ' الأميركية يوم 28 نوفمبر الماضي أعلن غوس أن وكالة المخابرات المركزية تقوم بجهود كبيرة من أجل التغلغل داخل المجموعات الإرهابية والتسلل إليها من الداخل أينما كانت · وأكد غوس لتشارلي جيبسون مراسل القناة المذكورة : ' إننا نعرف أكثر مما يمكن القول عنه للجمهور عن بن لادن وعن أبو مصعب الزرقاوي ···' · ودافع غوس عن سجل وكالته الذي بدأت تزداد صفحاته التي تشير إلى اتهامات واسعة بارتكاب أخطاء في تقديراتها لظروف الحرب في العراق وبارتكاب خروقات لحقوق الإنسان والأسرى في سجون قوات الاحتلال والتعذيب الذي يتعرض له الأسرى ·
وحول الفضيحة التي تعرضت لها ' السي آي إيه ' في الأونة الأخيرة بنقل معتقلين من سجن لآخر في أوروبا ( ألمانيا ورومانيا وبلغاريا ) لاستجوابهم فيها بقسوة وعزلهم لفترة طويلة قال غوس : ' إننا نشن حرباً على الإرهاب ونقوم بعمل جيد حتى الآن ، ومن المحتم أن نأسر عدداً من الإرهابيين مثلما من المحتم أيضاً أن يتعرضوا إلى أوضاع عسيرة وصعبة ، لكن هذا العمل ينبغي أن يجري بموجب القانون ' · لكن ' الوشنطن بوست ' تحدثت عن معتقلات سرية مصنفة ' مواقع سوداء ' وأكدت أن قانونيين اعتبروها غيرشرعية وغير قانونية وهذه المعتقلات السرية الجديدة ليست سوى نموذج آخر للمراكز ، التي كانت انشأتها ' السي آي ايه ' في أمريكا اللاتينية وآسيا لمكافحة المخدرات ، وأنها تعمد إلى اخضاع المعتقلين في هذه السجون ، إلى تحقيق حول ماضيهم ، بما فيه اخضاع ماضيهم لجهاز كشف الكذب ، على ضوء الذيول التي تركها وصول الفساد والرشوة إلى موظفي مكافحة المخدرات ·
الورم الإرهابي
وكشفت مجلة ' تايم ' في 28 نوفمبر / تشرين الثاني الماضي من خلال مراسلتها تيموتي بيرغير أن الرئيس بوش كان قد طلب من غوس عندما عينه مديراً للسي آي ايه أن يزيد عدد الجواسيس المزروعين في الخارج بنسبة 50 % وبأقرب وقت ممكن · وترى بيرغر ان الوكالة بدأت منذ تلك التعليمات بالعودة إلى طريقة تجنيد الجواسيس في الخارج التي كانت تتبعها أثناء الحرب الباردة ، وتزيد نشاطها في هذا الاتجاه · وكشفت الصحف الأميركية عن أن 'السي آي إيه ' تدير مراكز مخابرات مشتركة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا ، بمشاركة مندوبين عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا واستراليا وكندا ·
وكشف موظفون في الجهاز الأميركي، من مراكز شبكة تعرف باسم ' اليانس بايز ' ، والتسمية لا تترك مجالاً للشك ، أن كلمة بايز تعني القاعدة ، أي أنه من المفروض أن تشكل بنية تتولى تدمير انتشار ' الورم الإرهابي '، و' اليانس بايز ' تشكل مجموعة دولية ، مهمتها مركزية المعلومات في أوروبا واتخاذ القرارات وتنفيذ العمليات في أي مكان من العالم لتدمير القاعدة واعتقال جماعتها ومركز المجموعة الرئيسي باريس ، ويضم جماعات من الولايات المتحدة ، وفرنسا ، وألمانيا وكندا وبريطانيا واستراليا ، والفروع موزعة في أكثر من 20 دولة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط ، وتتولى مكاتب محلية اكمال حلقات الشبكة ، لكن مقر ' سي آي ايه ' الرئيس في لانغلي ، في ولاية فرجينيا ، هو دماغ الشبكة الذي يموّل ويأمر ·
هذه التفاصيل تحدثت عنها الصحافية المتخصصة في شؤون الامن القومي في جريدة ' واشنطن بوست ' ، الشقراء دانا بريست التي كانت أول من تحدث عن تلك الطائرات الخاصة التي تنقل ، في حذر فائق معتقلين ، تحرص عليهم سي آي ايه، إلى معتقلات سرية · فوصفت في دقة تلك المعتقلات السرية في أماكن ، تتولى أجهزة مكافحة الإرهاب الأمريكية القائمة فيا استجواب سجنائها في أماكن بعيدة عن كل رقابة ·
وكشفت خصوصاً ، أن اثنين من هذه ' المواقع السوداء ' يقومان في أوروبا الشرقية ، وضبطا في رومانيا وبولونيا ، فما كان من مجلس النواب الأميركي إلا أن طلب بفتح تحقيق لمعرفة المصدر الذي كشف معلومات ' تعرض الامن القومي للخطر '
في الواقع ، تشكل الصحافية ' دانا بريست ' بعبعاً لوكالة ' سي آي ايه ' ، لأنها تخصص كل وقتها لكشف الأغطية التي تعتمدها ' سي آي ايه' لإخفاء نشاطاتها · وجاءت أجواء ' الحرب الأهلية ' التي بدأت تظهر في الولايات المتحدة ، حول حرب العراق وذيولها ، لتجعل من الأفواه تتكلم ، وليس الجواسيس في المخابرات ، الجدد القدامى ، الأكثر كسلاً ·
الاتفاق ··والصفقة
وفي يوغسلافيا السابقة كان المطلوب نسج شبكة تمنع وصول المجاهدين إلى ساراييفو المحاصرة · ولكن سي آي ايه حاكت شبكتها ' القاعدية ' على مرحلتين بعد إدراكها أن الهجمة على أفغانستان ستؤدي إلى انتشار جماعة القاعدة في أنحاء العالم ·· فكان لا بد لاحقاً من نشر شبكة تستطيع اعتراض مقاتلي القاعدة والقضاء عليهم ، مدركة عجزها عن القيام بهذا الدور لوحدها إلى الحصول على 'مساعدة أفرقاء مخلصين ، بالوسائل المفضلة في هذه الأيام ' ، بعد أن تضاعفت كميات المال التي كانت تغذي صناديقها بعد 11 سبتمبر / أيلول ، إلى اغراء أنظمة مخابرات صديقة ، ومنافسة بتأمين وسائل العمل وأنظمة الاتصالات من الاجيال الأخيرة ، وبامكانية ولوج قواعد معطياتها المحرمة ، وكانت سي لآي ايه تطلب من الدول التي توافق على التعاون معها ، أن تتركها تأخذ على مسؤوليتها تجنيد الذين سيعملون معها ، تحت غطاء امرتها لأنها ستدفع أجورهم ·
وهكذا كان ، وتتعاون معها الآن بموجب هذا الاتفاق أكثر من 24 دولة انضمت إلى هذه الصفقة ، كما تقول صحيفة 'واشنطن بوست ' · ووافقت على أن تقيم على أراضيها ، مراكز يشرف عليها أميركيون من ' جهاز مكافحة الإرهاب ' ، يعتبر جورج تينيت ، رئيس سي آي ايه ، الذي 'أقيل ' منذ فترة مؤسسها في اليمن أولاً ، حيث للقاعدة قواعدها ، وحصل التحول الذي نعرف من موقف تلك البلاد نتيجة تعاونها ، ووافقت دول أوروبية لا تنتمي إلى ما أسمته الإدارة الأميركية ' أوروبا الجديدة 'فقط على التعاون ، بما فيها ألمانيا وفرنسا سيدتا ' أوروبا العتيقة ' · وكانت سي آي ايه أنشأت أجهزة شبه عسكرية للاستخبار في أوروبا خلال الحرب الباردة ، وشبكة مقاومة في الدول التي تنقل إلى السيطرة السوفييتية ·
من ناحية أخرى أقسمت مصادر دانا بريست :أنه ليس لهذه الشبكة أية علاقة بسجون سي آي ايه السوداء غير الشرعية في كل دول القانون ، مما يفسر أسباب هذا التغيير ، من دون أن يلغي شعوراً سائداً باقامة شبكة عالمية لاعتقال المجاهدين وإقامة سجون سرية يعتقلون فيها، واستقبال طائرات مجهولة الهوية ، تنقلهم من سجن إلى آخر ، تحت غطاء مكافحة الإرهاب ·
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن هذه القضية قد أزعجت السلطات الأوروبية في بروكسل ، في وقت بدت فيه العلاقة مع الولايات المتحدة تميل إلى الهدوء فجاءت مبادرة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا ، بتكليف عضوها السويسري ديك مارتي ، إجراء تحقيق في المسألة تثلج قلوب المعنيين ، لأن مقرها ستراسبورغ ، مركز البرلمان الأوروبي ، ومهمتها مراقبة ، احترام الانسان ، من دون تعريض البرلمان الأوروبي سياسياً ·
وبعد هذا الانذار حول وجود مراكز اعتقال سرية ، أسرعت عشر دول ، هي الدول الشرقية الثماني التي أنضمت إلى الاتحاد الأوروبي ، ورومانيا وبلغاريا المرشحتان ، لتكذيب وجود معتقلات على أراضيها · وأكد رئيس رومانيا ترايان باسكو ' عدم وجود غوانتانامو في رومانيا ' · وأكدت وارسو ، أن ليس لديها ' معتقلون خرقاً للقانون أم للمعاهدات الدولية التي وقعت عليها بولونيا ولا تزال اللجنة الأوروبية تأخذ بهذه الاقوال ' لأنه ليس في استطاعتها ألا تصديقها ، في غياب ' اثباتات ' و'لانها لا تملك أية سلطة قانونية للتحقيق حول الموضوع ' ·
وبالرغم من تأكيد المفوض الأوروبي لشؤون الامن والحرية والعدل فرانكو فراتيني بأن ثبوت وجود سجون سرية تابعة للسي آي ايه في دولة من دولة الاتحاد ، ' يشكل خرقاً خطيراً ' للمعاهدة الأوروبية ضدها ' ، لم نجد في قمة سلطات الاتحاد الأوروبي من هو على استعداد لتحمل مسؤولية حرق أصابعه في هذا الملف ، بالرغم من إلحاح بعض النواب ، في البرلمان الأوروبي · والدول المعنية تحتفظ بصمت شبه كامل ، جعل فراتيني يرد ببعض التهكم ، على سؤال طرحته جريدة ' الموندو ' الاسبانية الذي أطرحه ، هو : هل انه يوجد توافق ما في أوروبا حتى تستطيع اللجنة أن تحقق في مثل هذه الفضائح الخطرة ؟ ' الجواب هو : أن أحداً من الوزراء لم يتقدم حتى الآن بطلب إجراء مناقشة عامة ، ويتجنب الدبلوماسيون التعليق ، ولكنهم يعترفون ، أحياناً ، بأن حوارات جانبية تدور بينهم ·
ويلاحظ أحد المسؤولين في اللجنة الأوروبية ، في بروكسل ، أنه ' ليس هناك وطني يسمح للدول الأعضاء بالاحتفاظ ، بمثل هذه الأسرار ' ، وبدأت ، في المقابل ، مناقشات حالية في العواصم المعنية ، خصوصاً حول توقف طائرات تابعة للسي آي ايه ، في مطاراتها ، تنقل معتقلين · ولم تنتظر برلين ، وروما ومدريد ، قراراً من بروكسل لتطلق تحقيقات قضائية ، وواجهت حكومات البرتغال ، والسويد والدنمارك والنرويج ، استجوابات نيابية ، حول استعمال سي آي ايه، لمطاراتها و لاجوائها الجوية ، في رحلات مشبوهة ، وأعلن أحد ديبلوماسي الدول المعنية : ' أننا نمر في مرحلة ، يدقق الجميع مع أجهزة مخابراته ، حول ما جرى ' ·
رحلات سرية
وأثارت المعلومات حول استعمال ست دول أوروبية على الأقل ، لنقل معتقلين لديها مناقشات حامية ، مثلما حصل في أسبانيا حيث كشف رئيس آمنستي انترناشيونال الأسبانية اسيبان بلتران على هامش مؤتمر القمة الأوروبية - المتوسطية ، انه تأكد ، بعد ثلاثة أشهر من التحقيقات ' أن عشراً من هذه الرحلات ، على الأقل انتهت في جزيرة مايوركا ، ناقلة أشخاصاً وجهتهم النهائية أخرى' ·· وأعرب عن خشيته من أن تكون ' وجهتهم الأخيرة دولاً يمكن أن يتعرضوا فيها إلى أعمال تعذيب وسوء معاملة أكثر مما هو متاح في الولايات المتحدة بما فيه السجن في أماكن اعتقال غير قانونية ، واستجوابهم في غياب محامين وفي غياب قضاة ، ورحلات جوية سرية في إطار مهام عسكرية غير عادلة ' ·
ويعتقد بلتران أن حوالي ألف شخص واجهوا هذا المصير خلال الخمس سنوات الأخيرة ، ويعتقد أيضا أن ' في استطاعة الحكومات أن تفعل ' إذا تمكن هو من التحقيق في سجلات الرحلات والاعتماد على شهادات أشخاص اختفوا '، وأن هؤلاء الذين جرى نقلهم في رحلات ' سرية ' لم توجه اليهم أية تهمة ، سوى أن الحكومة الأميركية تعتبرهم ارهابيين أم لهم علاقة بمجموعات مسلحة ·
ويعتبر رئيس امنيستي الاسبانية ، أن الحكومة الأميركية أبقت في الاعتقال حوالي 70 ألف شخص منذ سنة 2001 ، ' لم توجه إلى أكثريتهم أية تهمة ' · ويقدر عددهم ، ' في الوقت الحاضر ، بحوالي عشرة آلاف شخص ' ·
وأشارت ' واشنطن بوست ' إلى أن الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ، ووزيرة الخارجية ، كوندوليزا رايس ، تدخلوا شخصياً لدى رؤساء دول وحكومات أجنبية ورؤساء مخابرات ·
بالرغم من تهوين الولايات المتحدة للمسألة ، وبالرغم من الدول والجهات التي أجرت تحقيقات حتى الآن لم تخرج بإدانات دامغة ، فقد اضطر مجلس النواب الأميركي في أعقاب فضيحة السجون السرية المدوية إلى التصويت لمصلحة منع التعذيب صراحة ، واعترفت وزارة الدفاع ' البنتاغون ' بمراقبة جماعات أميركية مناهضة للحرب ، في وقت قرر البرلمان الأوروبي يوم 15 ديسمبرالماضي تشكيل لجنة تحقيق في مزاعم استغلال الاستخبارات المركزية الأميركية لدول اوروبية لبقل واحتجاز سجناء بصورة غير مشروعة ·
وشدد البرلمان الأوروبي على أنه سيطبق عقوبات الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء ' التي انتهكت حقوق الانسان على نخو خطير ·
من جهته أعلن البرلمان السويسري فتح تحقيق في احتمال ضلوع استخبارات الدولة المحايدة في 27 تحليقاً لطائرات ال ' سي آي ايه ' التي تنقل معتقلين فوق أراضيها بين 2003 و 2004 ·
وطلب مجلس العموم البريطاني يوم 15 ديسمبرالماضي من وزير الخارجية جاك سترو إيضاحات جديدة حول احتمال تورط بريطانيا في فضيحة السجون السرية ·وهكذا لم يستطع النفي الرسمي أن يوقف الضجة على المستويين الإعلامي والسياسي · وهناك وجود شكوك حول صمت رسمي على التجاوزات الأمريكية · ولكن هذا ما سوف يتكشف من خلال التحقيقات التي يجري العمل عليها من قبل جهات عدة ، لا سيما من قبل المعنيين بحقوق الانسان ·

اقرأ أيضا

ولي العهد السعودي يستعرض التعاون العسكري مع وزير الدفاع الأميركي