الاتحاد

تقارير

أوباما... ومهمة «قائد القوات»

سكوت ويلسون
واشنطن


في خريف 2002، وبينما كانت تعمل إدارة بوش على حشد البلاد من أجل غزو العراق، ظهر أوباما الذي كان حينها عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية إيلينوي، في مظاهرة مناوئة للحرب في ساحة "فيديرال بلاتزا" بشيكاغو؛ حيث قال لحشد مؤلف من العديد من معارضي "الحروب الغبية": "إني لا أعارض كل الحروب". ولأن أوباما لم يسبق له أن أدى الخدمة في الجيش، فإنه أشار ضمن خطابه إلى جده لأمه كنوع من البدائل، حيث كان يجسد بالنسبة له "ستانلي دونهام"، كجندي شارك في الحرب العالمية الثانية و"حارب ضمن جيش باتون"، ضرورة محاربة الأشخاص الذين لن يستسلموا لشيء غير القوة.
وفي هذا الإطار، يقول ديفيد أكسلرود، المستشار الذي بدأ العمل مع أوباما في العام الذي ألقى فيه خطاب "الحرب الغبية": "أعتقد أنه وصل إلى الرئاسة ولديه فهم متطور لاستعمال القوة وحين يكون ذلك ضروريا"، مضيفاً: "غير أن ما لا يستطيع أي شخص أن يفهمه قبل وصوله إلى الرئاسة هو الخطورة التي تحيط بهذه القرارات".
والواقع أن أوباما استعد مبكرا، حيث قام عندما كان مترشحا رئاسيا بعدد من الزيارات غير المعلَنة إلى الجنرال المتقاعد كولن باول في مكتبه بألكزندريا طلباً للنصح والمشورة بخصوص الزعامة والقيادة من أشهر جندي في جيله. ذلك أن باول كان قد تقلد مسؤوليات في أعلى مستويات الحكومة، كعسكري وكمدني، وقد قصده أوباما ليقدم له المشورة بعيدا عن أجواء التعصب الحزبي المسموم. ويقول باول، الذي يرى أن أوباما "أبلى بلاء جيدا كقائد أعلى للقوات"، إنه (أوباما) "أدرك أن الأمر يتعلق بشيء لم يسبق له القيام به، وأن عليه أن يتعلم بموازاة مع مزاولة مهام الرئاسة"، مضيفاً: "إنه كان واثقا في قدرته على أن يحيط نفسه بأشخاص يستطيعون مساعدته على التعلم".
وخلال الحملة الانتخابية، كان يُنظر إلى أوباما باعتباره هشا وضعيفا بخصوص الأمن القومي، وهو موضوع سعى خصمه الجمهوري السيناتور جون ماكين إلى التركيز على تفوقه فيه؛ ذلك أن ماكين، وهو ابن وحفيد أدميرالين في القوات البحرية، كان بطل حرب يستطيع كل الأميركيين تخيله قائدا للقوات. أما أوباما، الذي كان "سيناتورا" في ولايته الأولى ويتمتع بروح شبابية، فقد كان من الصعب تخيله يشغل ذلك المنصب.
لكن في يوليو 2008، ترجل من طائرة بقاعدة أميركية في الكويت من أجل أول لقاء له بالجنود في مسرح حربٍ كرئيس مقبل محتمل، وكانت تلك فرصة سانحة بالنسبة له ليبدد بعض الشكوك.
كان أوباما متعبا بسبب طول الرحلة، كما حولت إصابة محدودة تعرض لها أوباما على مستوى الورك مباراةً لكرة السلة كان من المقرر أن يشارك فيها إلى حصة لرمي الكرات فقط. لكن موظفي مجلس الشيوخ المرافقين له ذهلوا حين اكتشفوا لدى وصولهم إلى القاعة الرياضية أن أزيد من 1000 فرد من الجيش الأميركي قد تجمعوا في المدرجات من أجل مشاهدة المرشح الشاب. فوقف أوباما وراء قوس الثلاث نقاط ورمى رمية ناجحة مرت خلالها الكرة عبر السلة، لتنفجر المدرجات بالتصفيقات وهتافات التشجيع والإعجاب، وانتهى ما كان يُخشى أن يكون لقاء أخرق يسوده الارتباك بلحظة مجدٍ تشبه تلك التي يعيشها المرء أثناء طفولته بملعب المدرسة، لحظة بدا فيها القائد المقبل للقوات منسجما مع الجنود ومتساويا معهم إلى حد كبير. لكنه حين يصبح رئيسا بعد ذلك ببضعة أشهر، سيتخذ موقفا أكثر قوة وحزما لعلاقته بقواته.
فلدى وصوله الرئاسة، عمل أوباما بسرعة على فرض رؤيته للحرب على مختلف الأجهزة الأمنية الوطنية، مما أثار انتقادات المحافظين؛ حيث قام في غضون أيام بحظر استعمال التعذيب في عمليات الاستنطاق، وأمر بإغلاق السجن العسكري في خليج جوانتانامو بكوبا. وكانت هذه الأوامر التنفيذية جزءاً من مراجعةٍ شملت القواعد والإجراءات التي كانت معتمدةً في عهد بوش وأطّرت "الحرب على الإرهاب".
كما أغفل أوباما، في دوره الجديد، نصيحة القادة العسكريين واتبع مطالب المدافعين عن الحقوق المدنية بعد حملةٍ وعد فيها بحكومة أكثر شفافية. فبعد الاعتراض الأولي لروبرت جيتس، سمح الرئيس في إبريل الماضي بالإفراج عن المذكرات التي كانت بمثابة التبرير القانوني لما سُمي "أساليب الاستنطاق المحسنة" خلال عهد إدارة بوش.
وخلال الشهر نفسه، أعلنت الإدارة أنها ستستجيب لأمر المحكمة الذي يطالب بالإفراج عن نحو ألفي صورة تعكس سوء معاملة السجناء في سجن أبو غريب ومراكز اعتقال أخرى تديرها القوات الأميركية. غير أن الجنرال راي أوديرنو، قائد القوات الأميركية في العراق، كان يعارض القرار.
وبعد أن اطلع أوباما على عينة من تلك الصور، غيَّر رأيه على اعتبار أن الكشف عنها "سيساهم في زيادة المشاعر المناوئة للولايات المتحدة ويعرِّض جنودنا للخطر"، حيث قال في خطاب بإدارة "الأرشيف الوطني" معللا قراره: "ثمة أكثر من 200 ألف أميركي يؤدون الخدمة وقد يتعرضون للأذى. وأنا بوصفي قائدا للقوات مسؤول عن سلامتهم".
غير أن المدافعين عن الحقوق المدنية، الذين كان يصطف أوباما بينهم ذات يوم، شعروا بالخيانة، كما رأى الجمهوريون في قرارات أوباما حلا غير عملي، حيث قال نائب الرئيس السابق تشيني متحدثا في معهد "أميريكن إنتربرايز" بعد دقائق على خطاب أوباما: "إن الإدارة على ما يبدو تفخر بالبحث عن نوع من الحلول الوسط في السياسات التي تتصل بالإرهاب"، مضيفا: "غير أنه في جهود محاربة الإرهاب، ليس ثمة مجال للحلول الوسط؛ لأن أنصاف التدابير تجعلك نصف منكشف".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا