الاتحاد

تقارير

فارك الكولومبية··· من السياسة إلى الإجرام

اينجريد  لا تزال تدفع ثمن شجاعتها منذ أن اختطفت عام 2002

اينجريد لا تزال تدفع ثمن شجاعتها منذ أن اختطفت عام 2002

لعل أكثر لحظة سياسية تأثيرا في نفسي، هي تلك التي حدثت قبل نحو اثني عشر عاما، عندما دخلت شابة ترتدي قميصا عليه صورة فيل إلى مجلس الشيوخ الكولومبي لتندد بتجارة المخدرات التي تنخر بلدها من الداخل؛ فعلى مدى ثلاث ساعات، وفي نقل تلفزيوني مباشر، قدمت السيناتورة ''إينجريد بيتانكورت'' حججها ضد الرئيس ''إيرنيستو سامبير'' الذي اتهمته بتلقي أموال من تجارة المخدرات وطالبت بعزله·
''إينجريد'' ما زالت تدفع ثمن عملها الشجاع في يونيو ،1996 عندما كان معظم كولومبيا يرزح تحت تهديد أباطرة المخدرات ووكلائهم السياسيين، وقد دفعتها شعبيتها إلى الترشح للانتخابات الرئاسية في 2002؛ غير أنه أثناء الحملة الانتخابية، تم اختطافها هي ورفيقتها ''كلارا روخاس'' على يد ''القوات المسلحة الثورية لكولومبيا'' المعروفة اختصارا بـ''فارك''·
هذه الأيام، تعد ''فارك'' وهي أقدم منظمة متمردة في الأميركيتين، منظمة إجرامية أكثر منها حركة سياسية، وقد أفرجت هذا الشهر عن ''روخاس وكونسويلو جونزاليس''، وهو نائب سابق، وذلك في لحظة نادرة من لحظات الأخبار السارة في نزاع كولومبيا المستمر؛ غير أن الآمال في حدوث تقدم حقيقي تحطمت عندما دعم الرئيس الفنزويلي ''هوجو شافيز'' قوات ''فارك'' واعتبرها جيشا ثوريا يستحق الاعتراف الدولي· والحق إنها تستحق تصنيفها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية بالنظر لمعاملتها السيئة للمدنيين وتورطها في تجارة المخدرات، ورغم احتضان ''شافيز'' لها، إلا أن ''فارك'' تظل منبوذة حتى داخل اليسار في أميركا اللاتينية· فإضافة إلى إنتاج الكوكايين ونقله، فإن ''فارك'' مازالت تحتجز أزيد من 700 رهينة، مثل ''إينجريد'' وثلاثة مقاولين عسكريين أميركيين، يقيَّد الرهائن المحتجزون لدى ''فارك'' بالسلاسل، ويؤمرون بالمشي وسط الأدغال والغابات لأسابيع، ولا يُفرج عنهم إلا عندما يمكن لحريتهم أن تشتري شيئا ذا قيمة بالنسبة لمعتقِليهم، وعادة ما يحدث ذلك بعد سنوات طويلة من الأسر· وفي حالات كثيرة، يتم نسيان هؤلاء الرهائن، فقد ظهرت صور ''إينجريد'' على شاشات التلفزيون في ديسمبر عندما اعترضت الشرطة شريط فيديو تظهر فيه بوجهها النحيف؛ كما يظهر فيه، وإن لفترة وجيزة، الأميركيون المختطَفون، ما ينعش الآمال بخصوص سلامتهم·
يرى الكثيرون أنه من المنطقي أن تركز ''الحرب على الإرهاب'' بشكل كامل تقريبا على المنظمات الإسلامية الراديكالية؛ غير أن أنشطة ''فارك'' الإجرامية والإرهابية، إضافة إلى دعم ''شافيز'' الأخير لها، يطرح تهديدات خطيرة كثيرا ما يتم التقليل من أهميتها بالنسبة لأمننا القومي· فقد ضمن ارتفاع أسعار النفط لفنزويلا رخاء كبيرا سمح لها، حسب وكالة استخبارات الدفاع، بشراء 4,3 مليار دولار من الأسلحة في 2005-·2006 والحال أن هذه المبيعات غير مبررة بالنسبة لبلد ليس في حرب؛ وعلاوة على ذلك، فقد أثبت ''شافيز'' منذ مدة قدرته على توحيد بلدان أخرى وراء أجندة مناوئة للولايات المتحدة· والمثير للقلق أيضا علاقات شافيز الشخصية والاقتصادية المتزايدة مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي تدعم حكومته ''حزب الله''، الذي بدأ ينشط في أميركا اللاتينية منذ بعض الوقت·
بنت ''فارك''، التي كانت في الأصل جزءا من ميليشات ''الحزب الليبرالي'' إيديولوجية ماركسية في الستينيات؛ ثم انتقلت إلى تجارة المخدرات بعد نهاية الحرب الباردة، وحلت الرأسمالية المتوحشة، في شكل تجارة الكوكايين والاختطاف من أجل الحصول على الفديات، محل الماركسية باعتبارها سبب وجود المنظمة· في التسعينيات، التقيتُ مع زعماء ''فارك'' وعدد من محاربيها، مثلما التقيت مع العديد من المنظمات المتمردة في النصف الغربي من العالم؛ فوقفت شخصيا على مدى افتقار المنظمة للانسجام الإيديولوجي، فبعد سنوات على سقوط جدار برلين، كان زعماء ''فارك'' يصرون على أن الاتحاد السوفييتي لا يزال قائما، وأن أخبار انهياره إنما تندرج في إطار أجندة إمبريالية·
تسيطر ''فارك'' على نحو 40 في المائة من أراضي كولومبيا، وبفضل العائدات التي تدرها عليها أنشطتها غير القانونية، تقوم المنظمة بإجراء التدريبات واقتناء أسلحة متطورة وأجهزة الاتصال، ما يمكِّنها من استمالة وجذب مجندين جدد وإبقاء الدولة بعيدة· ويبرز رد الحكومة الضعيف والأخرق تاريخيا من خلال حقيقة أن العديد من كبار زعماء ''فارك'' يتوفون في الغابة وفاة طبيعية بعد أن يشيخوا، وليس في المعركة· وبينما يسير النزاع بخطى ثقيلة نحو عقده الخامس، وبالرغم من أزيد من مليار دولار من المساعدات الأميركية على مدى السنوات العشر الماضية، إلا أن ''فارك'' مازالت بعيدة كل البعد اليوم من أن تُهزم عسكريا·
على ''فارك'' أن تفرج عن ''إينجريد'' وغيرها من المدنيين، وبخاصة إذا كان ''شافيز'' والمنظمة المسلحة يتطلعان إلى أن يكونا أكثر من مجرد متواطئين في الاختطاف وتجارة المخدرات الدولية، وكل ذلك لأسباب إنسانية (بعيدا عن المشاكل الدولية المعقدة التي تثيرها تجارة المخدرات)؛ لقد أظهر ''شافيز'' أن له تأثيرا على المنظمة، وأنه غير محصن من الضغوط العالمية أو الإشادة والإطراء عندما أُفرِج عن السجناء· وعليه، فينبغي زيادة الضغوط الدولية، كما أن كل المعاملات مع حكومة ''شافيز'' يجب أن تجعل العلاقات العادية وإعادة النظر في الوضع المنبوذ لـ''فارك'' رهينتين بحث ''شافيز'' لها على إطلاق سراح الرهائن، أما البديل، فهو استمرار كولومبيا في فقدان خيرة نسائها ورجالها، ضحايا حرب لا نهاية لها يغذيها الكوكايين والجشع·

دوغلاس فرح
زميل مركز التقييم والاستراتيجيات الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا