الاتحاد

الاقتصادي

الصين تدخل بقوة سوق صناعة السيارات


إعداد - عدنان عضيمة:
ربما كان عنصر 'المرونة العقائدية' هو العامل الأول والأكثر قوة الذي يقف وراء الارتفاع المذهل للنمو الاقتصادي في الصين بالرغم من أنه ليس العامل الوحيد، وكلنا نذكر كيف عبر الغرب عن مخاوفه العميقة من عودة مقاطعة هونج كونج إلى الصين بعد أن عاشت في ظل النظام الرأسمالي البريطاني منذ استولى عليها البريطانيون عام 1841 ثم عادت إلى الصين في الأول من شهر يوليو من عام ·1997 وكان الأميركيون والبريطانيون يعتقدون أن الرخاء الاقتصادي للمقاطعة سوف يشهد نهايته الحتمية في ظل التعاليم الشيوعية والاشتراكية التي ينادي بها الصينيون إلا أن المفاجأة الكبرى حدثت بعد ذلك عندما عرف الصينيون كيف يطبقون بكل إخلاص مبدأ 'شعب واحد في دولتين'· ولعل هذا المثال يوضح بقوّة أن الصينيين مستعدون للتساهل والتضحية بكل شيء لتحقيق الهدف الأكثر أهمية من كل الشعارات والمعتقدات وهو جعل الصين قوة اقتصادية كبرى على المستوى العالمي·
هذا التوجّه القوي يفسر أيضاً كيف أن الصين أصبحت تشجع الكثير من الشركات الخاصة للإسهام في رفع الكفاءة الصناعية للبلاد في كافة المجالات حتى ولو زاحمت منتوجات القطاع العام في الأسواق· ومن بين الأمثلة الحية عن ذلك دعم الدولة للشركات الخاصة المهتمة بصناعة السيارات ومن أهمها شركة 'جيلي' التي تأسست منذ عام 1986 على يدي صيني طموح يدعى لي شوفو كشركة متخصصة في صناعة قطع غيار آلات التبريد الصناعية· ومنذ عام 1994 بدأت 'جيلي' بصناعة الدراجات النارية لتتبعها عام 1998 بصناعة أول سيارة·
وبدأت هذه الشركة الطموحة منذ عام 2003 بفتح أول سوق لها في هونج كونج كبداية أولى للانطلاق إلى الأسواق العالمية· وفي عام 2004 صدرت 5000 سيارة إلى اسواق الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية وأميركا اللاتينية مما أوحى للشركة بأن سوقاً رائجة تنتظرها في هذه الدول بسبب السعر المنخفض لسياراتها وحسن أدائها· وسرعان ما ارتقت 'جيلي' إلى المرتبة الثانية في إنتاج السيارات بالصين العام الماضي 2005 عندما بلغ الحجم الكلي لإنتاجها 120 ألف سيارة· وتتوقع مصادر صينية وعالمية خبيرة أن تقفز مبيعات شركة جيلي إلى 750 ألف سيارة عام 2010 بحيث تصدر نصف إنتاجها إلى الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية ودول شرقي آسيا·
قوة التحدي
وجاء في تقرير خاص نشرته مجلة 'بزنيس ويك' في عددها الأخير أن من حق زوار معرض ديترويت الدولي للسيارات أن يجهلوا ما إذا كانت أحدث نسخ من سيارات 'جيلي' المعروضة هناك، هي سيارات حقيقية أم أنها 'سحليّات عجيبة'· فمن يصدق مثلاً أن مبيعات هذه الشركة الصاعدة إلى الأعلى بقوة لا تقل عن تلك التي تقلع بها الصواريخ، زادت في عام 2005 بنسبة 24 بالمئة عما كانت عليه في العام الذي سبقه؟· وربما يتضح هذا الطموح أكثر من خلال التمعّن في الاسم الكامل للشركة وهو 'شركة جيلي القابضة للسيارات المحدودة'· فهي إذن شركة متعددة الاختصاصات بالرغم من أن صناعة السيارات هي ميدان اهتمامها الرئيسي شأنها في ذلك كشأن معظم شركات صناعة السيارات في اليابان· وأصبحت سيارات 'جيلي' حاضرة بقوة في كل المعارض والمناسبات المهامة· ومن ذلك مثلاً أنها كانت من الشركات الراعية لحفل انتخاب ملكة جمال العالم إلى جانب شركة فيراري الإيطالية العتيدة، كما شاركت في شهر سبتمبر الماضي إلى جانب كل من فولكسفاجن وجنرال موتورز وتويوتا في معرض فرانكفورت الدولي للسيارات حين قدمت سيارتها التصورية الجديدة 'تشاينا دراجون' أو 'تنّين الصين' بالإضافة لأربعة موديلات أخرى استاثرت بالكثير من اهتمامات الزوّار· ولا عجب إذن أن تبدي الكثير من الشركات العالمية الكبرى المتخصصة بصناعة السيارات خوفاً كبيراً على مستقبلها أمام هذا الهجوم الصيني الضاري على الأسواق·
ولا شك أن لهذا الخوف الكثير من الأسباب التي تبرره· ففيما بدأت 'جنرال موتورز' التي تعد أضخم شركة في العالم لصناعة السيارات، تأكل من لحمها بسبب زيادة تكاليف التصنيع وانخفاض معدل المبيعات، فلقد أصبح الدور الآن للشركات القادرة على إنتاج سيارات جديدة ذات مواصفات جيدة وبأسعار منخفضة· وهذه كلها تعدّ من نقاط القوة التي تتفوق فيها السيارات الصينية بشكل عام بسبب الانخفاض الكبير في تكاليف التصنيع·
ولم تغفل الشركات الصينية الجانب الدعائي، بل باتت تحرص على توضيح أهدافها ونواياها في السواق العالمية والمتمثلة في تقديم أفضل السيارات المضمونة بأقل الأسعار· وفي يوم السبت المقبل سوف يكون زوار معرض ديترويت الدولي للسيارات على موعد مع خمس نسخ جديدة من سيارات 'جيلي'· ولا شك أن الأميركيين سوف يبدون اهتماماً خاصاً بهذه السيارات الرخيصة والجميلة وذات الاستهلاك القليل من الوقود·
خطط للمستقبل
ومن ينقّب في الطريقة التي يخطط بموجبها الصينيون لمستقبلهم الصناعي بشكل عام، فسوف يستنتج أنهم دهاة بالفعل· ومن ذلك مثلاً أن صنّاع السيارات الصينيين اكتشفوا بذكائهم أن لديهم حصان طروادة خاصا بهم لاختراق الأسواق العالمية التي بقيت خلال القرن الماضي كله حكراً على بضع شركات عالمية شهيرة تعد على أصابع اليد الواحدة·
وبعد النجاح الذي حققته السيارات الصينية الرخيصة في الأسواق العالمية· وهذا لا يعني أبداً أن صنّاع السيارات الصينية نفضوا أيديهم من اسواق السيارات الفخمة، بل إن هذه الفئة حازت على اهتمامهم أيضاً بعد أن وعوا أن في وسعهم صناعة سيارات الرفاهية ولكن بسعر منخفض أيضاً مما سيؤثر بقوة على الشركات العالمية المتخصصة ببناء هذه الفئة·
وخلاصة الأمر أن العالم سوف يشهد قريباً ثورة حقيقية في ميدان صناعة السيارات في الصين· ولا يشك الخبراء أن الأمور سوف تتغير كثيراً عندما سنرى شوارع معظم دول العالم وهي تغص بأنواع السيارات الصينية·

اقرأ أيضا

وزير الطاقة الأميركي يعتزم الرحيل عن إدارة ترامب