الاتحاد

الاقتصادي

السوق العالمي للفولاذ يرقص على إيقاع الصين


محمد عبدالرحيم:
في بواكير القرن العشرين كان انتاج الفولاذ يعتبر أحد المقاييس الهامة لقوة الدول حيث كانت أميركا وبريطانيا وألمانيا هي التي تقود صناعة الصلب حتى حقبة السبعينيات من القرن الماضي· ثم برزت دول اليابان وكوريا الجنوبية كأكبر المنتجين في العالم كنتيجة لآثار الصدمة النفطية الأولى·
أما في هذه الأيام فقد اكتسبت الصناعات المعرفية مثل برامج معلومات الكمبيوتر والهندسة المزيد من الاهتمام بيد أن التحولات التي طرأت على سوق الفولاذ العالمي لاسيما بعد ظهور العولمة بدأت تشكل تهديداً غير مسبوق للغرب من قبل المنتجين في آسيا·
وجاء في مجلة الايكونوميست البريطانية مؤخراً أن الفولاذ اليوم اصبح يهيمن عليه ذلك الانفجار الاقتصادي في الصين التي تنتج وتستهلك وحدها أكثر من ربع الانتاج العالمي للحديد·
وكان الطلب الصيني الهائل في عام 2003 هو الذي انقذ الصناعة بأكملها من الوقوع في هوة الركود عندما كانت الولايات المتحدة الأميركية تفرض رسوماً باهظة من أجل ايقاف عمليات الصهر في الغرب الأوسط بعد أن سقطت الشركات الأميركية واحدة بعد الأخرى في هوة الافلاس·
وبعدما عمدت الصين إلى استهلاك كل طن متوفر من الحديد تقريباً أخذت الاسعار تشهد ارتفاعاً مطرداً لا يعرف التوقف· وعلى سبيل المثال فقد ارتفعت أسعار الواح الصلب التي تستخدم في صناعة السيارات والثلاجات من حوالي 200 دولار للطن إلى أكثر من 600 دولار وبدأت شركات انتاج الفولاذ تشهد ارتفاعاً في هوامش ارباحها التشغيلية بمعدلات تصل إلى 30 في المائة في بعض الاحيان إذ تراوحت هذه الأرباح ما بين 150 و250 دولارا عن الطن الواحد·
على أن هذا المستوى المدهش من الازدهار قد شجع العديد من الشركات على الدخول في سلسلة من الاندماجات آخرها تلك المعركة الدائرة على شركة دوفاسكو الكندية ما بين مجموعة آرسيلور الأوروبية المتعددة الجنسيات وشركة تايسين كروب الألمانية التي نجحت في تسجيل نصر كاسح على آرسيلور بصفقة وصلت قيمتها الى 3,5 مليار يورو (4,1 مليار دولار)·
وكانت موجه الاندماجات هذه قد بدأت في العام 2001 عندما تضافرت جهود كبار الشركات في فرنسا واسبانيا ولوكسومبرج لتأسيس مجموعة آرسيلور التي أصبحت الآن الأولى على مستوى العالم في انتاج الفولاذ والصلب·
وبدا من الواضح أن شركات الفولاذ في العالم أدركت الحاجة الملحة للاصطفاف معاً من أجل الحصول على شروط أفضل عن الموردين وبخاصة أولئك المتخصصون في تعدين الحديد الخام·
إلا أن شركة ارسيلور قد تراجعت عن موقعها الريادي في أوائل هذا العام عندما عمدت شركة ميتال امبراطورية الصلب في لندن التي يمتلك فيها لاكشمي ميتال وعائلته حصة مقدارها 88 في المئة، إلى شراء مجموعة انترناشونال ستيل الأميركية التي تستحوذ هي الأخرى على مجموعة مشهورة من الشركات·
وكانت ميتال قد نجحت في الشهر الماضي في شراء شركة كرايفوريستال الأوكرانية مما رفع سعتها الانتاجية السنوية إلى أكثر من 65 مليون طن وتفوقت بذلك على مجموعة آرسيلور· وحتى ما قبل ابرام هذه الصفقات ظل الفولاذ بشكل رئيسي يعتبر نوعاً من الأعمال التجارية الوطنية حيث استمر المنتجون الأميركيون يعملون تقليدياً بشكل تكاملي لخدمة السوق المحلي·
وظلت الأعمال التجارية الدولية في الفولاذ تتمثل في تجارة التصدير عوضاً عن تملك الموجودات والأصول في العديد من الدول· ولكن ظهور شركات آرسيلور وميتال أدى إلى تغيير هذه الصورة بأكملها ببروز مجموعات فولاذية تكتسب ابعاداً دولية وعالمية متنامية·
هيمنة الشركات
ويتفق كل من السيد ميتال وجاي دولي رئيس مجموعة آرسيلور على أن الصناعة العالمية للفولاذ في نهاية المطاف سوف تهيمن عليها مجموعة من الشركات الكبرى التي لا يزيد عددها على اصابع اليد الواحدة بانتاج يبلغ حوالي 100 مليون طن في كل عام· أما 'أديتيا ميتال' المدير المالي لشركة والده فقد ذكر في معرض خطابه أمام مؤتمر 'الديناميكية العالمية للفولاذ' الذي عقد مؤخراً في لندن أن واحدا من هؤلاء الكبار في الصناعة سوف يأتي من الصين على الرغم من حالة الانقسام والتشرذم التي تشهدها الصناعة الصينية في الوقت الحالي· وفي العام 1994 لم تكن السعة الصينية في صناعة الفولاذ تزيد على 11 في المئة من اجمالي الإنتاج العالمي قبل أن تشكل الآن حوالي 25 في المئة من هذا الاجمالي· فقد تضاعف انتاج الصين إلى ثلاثة امثاله منذ العام 2000 بينما مضى حجم الاستهلاك إلى أكثر من ذلك·
وفي الخريف الماضي ومرة أخرى في موسم الربيع برزت الصين على الساحة الدولية كاحدى الدول المصدرة بالكامل للفولاذ· وكنتيجة لذلك انخفض سعر الطن من 600 دولار في مارس الماضي إلى 440 دولاراً في أوائل الصيف· وعلى الرغم من أن الأسعار شهدت بعض الانتعاش أثناء فترة الخريف إلا أن هذا الانخفاض الحاد في الأسعار كشف بجلاء عن النفوذ الصيني القادم على جميع الأسواق·
وبلا شك فإن المخاوف التي تساور الجميع في أوساط صناعة الفولاذ تكمن في امكانية تباطؤ الطلب من معدلاته المحمومة الحالية وتزامن ذلك مع الزيادة الهائلة في سعه الانتاج الصينية مما يؤدي إلى تحول الصلب إلى سلعة تصدرية· وكانت السعة المفرضة في السوق المحلي قد أدت أصلاً إلى خفض أسعار الفولاذ المحلية إلى أقل من 300 دولار للطن أي أقل بكثير من مستوياتها في الأسواق الأخرى مثل الأميركي· ولكن الصادرات من شأنها أن توفر أحد السبل الهادفة إلى حل المشكلة· بيد أن اجمالي الصادرات الصينية من الفولاذ قد قفزت اصلاً بمعدل بلغ 185 في المئة في النصف الاول من هذا العام مما دفع بالدولة من المركز الثامن في قائمة المصدرين إلى المركز الثالث فقط خلف اليابان وروسيا· ولكن سعة الانتاج الصينية ظلت تشهد نمواً متسارعاً حيث استمرت الدولة تستثمر مبلغ 35 مليار دولار في كل عام ولديها خطط لانشاء 4 مصانع جديدة ساحلية للفولاذ على الأقل·
ويشير بيتر ماركوس أحد كبار المحللين في صناعة الفولاذ والمدير الشريك في مجموعة وورلد ستيل دايناميكس في نيويورك إلي أن الصين بحلول العام 2010 سوف تصبح لديها سعة لمنتجات الفولاذ تفوق الطلب المحلي المتوقع بنحو 63 مليون طن، وعلى ضوء هذه المستجدات فلن يعود من المستغرب أن يصبح نفس أولئك المصنعين للفولاذ في الغرب والذين ما فتئوا يحققون الكثير من المكاسب من ارتفاع الطلب الصيني أن يصبحوا الآن ضحية لتدفقات المعدن الصيني مبشارة إلى داخل اسواقهم· ولكن التهديد الصيني لمصنعي الفولاذ الغربيين ربما لن يتمكن من بلوغ المدى المتوقع له إذ أن الصين لديها القليل من الحديد الخام· وحتى تلك الكمية تعتبر من النوعية القليلة الجودة مقارنة بما يتمتع به العمالقة الناشئة في صناعة الفولاذ في دول آسيا الأخرى مثل الهند· لذا فإن الصين ربما يتعين عليها شراء واردات غالية الثمن من استراليا والبرازيل مما يجعل الفولاذ الذي تنتجه أقل تنافسية في الأسواق· وكذلك فإن ارتفاع اسعار الطاقة وضعف البنية التحتية اللازمة لنقل الفولاذ والصلب تعتبر ايضاً ضمن المعوقات الاضافية·
وبالاضافة إلى ذلك فإن صناعة الفولاذ الصينية ما زالت تعاني من الانقسام والتشرذم على الرغم من المساعي التي تبذلها الحكومة لتحقيق الاندماجات· ويتوقع ميتال الابن الذي تمتلك شركته حصة اصلاً في إحدى الشركات المنتجة الصينية وتتطلع إلى اقتناص فرص اخرى بمجرد ان تبدأ عملية الاندماجات ان لا يتمكن المنتجون الصينيون من المنافسة بشكل حقيقي في ظل ما يتسم به معظم انتاجهم من فقر للجودة وبشكل لا يناسب العديد من الأسواق·
ويشير ماركوس إلى أسباب أخرى تمنع فيضان الصادرات الصينية من الفولاذ ومن بينها أن الحكومة ما زالت متخوفة من التسبب في المزيد من الاحتكاكات التجارية في عالم أصبحت تغمره السلع المصنعة في الصين والتي شرعت أصلاً في تفخيض الضرائب على صادراتها من الفولاذ وقد تجبر أيضا على فرض المزيد من الرسوم والكوتات· ويعتقد ماركوس بأن السكك الحديدية والموانئ الصينية ربما تصبح أكثر اهتماماً ومشغولية بالصادرات التي تتسم بقيمة مضافة أكبر·
ولكن صناعة السيارات الصينية هي الأخرى أخذت تلقى بتأثيرات كبيرة على الساحة الدولية· فقد بدأت لتوها في دخول الأسواق الأوروبية والأميركية· بل أن الأسواق الناشئة في جنوب شرق آسيا وفي الشرق الأوسط قد سمحت للصين في هذا العام لأول مرة لأن تصدر سيارات بقدر أكبر مما تستورده لذا فإن القلق الغربي من صادرات الفولاذ الصيني ربما يتحول في القريب العاجل إلى نوع آخر من المخاوف الأكثر عمقاً·

اقرأ أيضا