الاتحاد

الإمارات

تمويل القطاعات الخدمية طريق البنوك الأمثل لمرحلة ما بعد النفط

معاملة بنكية بأحد المصارف في الدولة (أرشيفية)

معاملة بنكية بأحد المصارف في الدولة (أرشيفية)

حسام عبد النبي (دبي)

حدد خبراء مصرفيون وماليون عدداً من المسارات التي يجب على البنوك والمؤسسات المالية اتخاذها استعداداً لمرحلة ما بعد النفط، أهمها الاهتمام بتمويل الشركات الصناعية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها عنصراً رئيساً في النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة، مؤكدين أن تبني الحكومة ودعمها لتلك المشاريع وتفعيل دور شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية في إعداد التقارير عن التاريخ الائتماني لتلك الشركات، سيقلل من مخاطر إقراضها، وتالياً يحفز البنوك على إقراضها.

وطالب الخبراء البنوك والمؤسسات المالية بالاهتمام بالقطاعات الخدمية التي استثمرت فيها الدولة قبل سنوات وأصبح اقتصاد الإمارات يقوم عليها وأهمها السياحة والفنادق والتجارة والخدمات اللوجستية وغيرها، منوهين بأن زيادة التمويلات الممنوحة للشركات العاملة في تلك القطاعات سيزيد من مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، ويضمن نجاح سياسات التنويع الاقتصادي استعداداً لمرحلة ما بعد النفط.
وأشار الخبراء إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز البيئة المالية في الإمارات من أجل دعم نمو الاقتصاد ما بعد النفط، تعد كافية، ويجب على كل بنك أو مؤسسة مالية وضع السياسات والإجراءات الداخلية للاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، لافتين إلى أن تطبيق مبادئ وممارسات الحوكمة في عموم مجتمع الأعمال سيساهم في خلق اقتصادات مستقرة، وبالتالي مجتمعات مستقرة، وهذا ما تحتاجه المؤسسات المالية والشركات لتحقيق الازدهار.

المشاريع الصغيرة
وتفصيلاً، قال جمال بن غليطه، الرئيس التنفيذي لـ «الإمارات الإسلامي»، إنه على الرغم من أن القطاع المصرفي في دولة الإمارات يعتمد إلى حد كبير على القطاعات والأنشطة المرتبطة بالنفط في توفير السيولة، إلا أن القطاع قادر على التطور من أجل الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، مؤكداً أن قطاع الصناعة وتحديداً المشروعات الصغيرة والمتوسطة يعد الطريق الأمثل لنجاح البنوك في مرحلة ما بعد النفط.
وشدد بن غليطه، على أهمية دور القطاع المصرفي في مرحلة ما بعد النفط من خلال تحفيز وزيادة مساهمة قطاعات عدة في الناتج المحلي الإجمالي وأهمها قطاع الصناعة.
وأوضح أن البنوك يمكن أن تسهم في زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي للدولة من خلال توفير التمويل لها بأسعار محفزة، حيث تعد الصناعة أساس الاقتصاد في عدد من الدول مثل اليابان وكوريا اللتان لا تملكان موارد طبيعية ولكنهما نجحتا في الصناعة من خلال دعم الشركات الصغيرة حتى وصلت إلى العالمية، مشيراً إلى أن تطور القطاع الصناعي في الدولة، وخصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة سيسهم في خلق آلاف الوظائف ومن ثم ينشط الاقتصاد وتزداد السيولة المصرفية.
وفيما يخص الإجراءات المطلوبة لتعزيز البيئة المالية في الإمارات من أجل دعم نمو الاقتصاد ما بعد النفط، أكد ابن غليطه، أهمية تبني الحكومة في دولة الإمارات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة من أجل تمكينها من النمو، منوهاً بأن الدولة إذا كفلت الشركات الصغيرة والمتوسطة فإن البنوك ستتشجع على توفير التمويل لها ما يمكنها من النمو والمساهمة بفاعلية في الناتج المحلي الإجمالي، على غرار تجربة شركات عالمية مثل «ميتسوبيشي» و«سيمنس» والتي بدأت كورش صغيرة ثم تمكنت من التوسع حتى وصلت للعالمية بفضل مساعدة الحكومة لها.

قطاعات الدولة
ومن جهته، دعا محمد مصبح النعيمي، الرئيس التنفيذي، العضو المنتدب لمجموعة شركات موارد للتمويل، إلى زيادة الاهتمام بالقطاعات التي توجهت لها الدولة، واستثمرت فيها قبل سنوات طويلة من أجل الاستعداد مبكراً لمرحلة ما بعد النفط، مؤكداً أن الإمارات أعطت المستثمرين بكافة مستوياتهم مرونة كبيرة في الاستثمار داخل الدولة، وأنشئت مناطق حرة من أجل استقطاب مستثمرين في كافة القطاعات.
كما طورت التشريعات والقوانين لتواكب أفضل الممارسات في العالم، فضلاً عن أن دولة الإمارات تعد اليوم أكثر دول المنطقة الداعمة لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال العديد من البرامج في كافة إمارات الدولة.
وأضاف النعيمي، أن قيادة دولة الإمارات الرشيدة نجحت في تنمية عدد من القطاعات اعتماداً على الموارد المحققة من الطفرة في أسعار النفط، ويجب التركيز على المساهمة في تطوير تلك القطاعات وأهمها قطاع الطيران، والسياحة، والبنية التحتية، مشيراً إلى أن الإمارات أصبح لديها سبعة منافذ جوية عالمية، تخدم أكثر من 350 شركة طيران عالمية، بالإضافة إلى 14 ميناء عالمي، يخدم كافة أنواع السفن بكافة إحجامها موفراً لها كافة الخدمات على أعلى مستوى وفق اعلي المعايير العالمية.
وذكر النعيمي، أن هناك عدد من القطاعات الحيوية التي لها تأثيرها كبير في أي اقتصاد وطني، ومنها على سبيل المثال أن الإمارات تعد من أكبر الوجهات في المنطقة لاستقطاب طلبة الجامعات، وذلك بالنظر إلى أن هناك أكبر عدد من الجامعات العالمية تتخذ من الإمارات مقرا لأفرع لها منتشرة بالدولة، أضف إلى ذلك كونها وجهة للسياحة العلاجية نظراً لعدد وتنوع المستشفيات المتخصصة في الإمارات، مشيراً إلى أن الإمارات تعد أيضاً الأولى في المنطقة وأحد المنافسين على المراكز الأولى عالميا في السياحة التسويقية، وتسعى إلى تعزيز مكانتها كأكبر مركز سياحي ترفيهي على مستوى العالم، كما أننا لا نستطيع أن نغفل كون الإمارات تعد من أكبر مراكز إعادة التصدير التجاري عالميا، ما يؤكد عدم اعتمادها على أي سلعة أساسية مثل النفط أو غيره فقط.
وأفاد النعيمي، بأن الإمارات لديها أكبر مصنع سيراميك في العالم، وكذلك أكبر مصانع الألومنيوم، والعديد من مصانع إنتاج مستلزمات البنية التحتية مثل الأسمنت وغيرها، كذلك استثمرت الدولة في صناعة النفط والبتروكيماويات واستغلال الطاقة الشمسية والسياحة والثروة الزراعية وصيد الأسماك وغيرها من القطاعات الأخري، لافتاً إلى أنه وفي منتصف السبعينات، وجّهت قيادة الدولة الرشيدة وفي وقت مبكر جداً، بضرورة وجود جهاز استثمار، واليوم يعد جهاز أبو ظبي للاستثمار هو ثاني أكبر جهاز استثماري على مستوى العالم.
واختتم النعيمي، بالتأكيد على أن مخططات الدولة لتحقيق التنوع الاقتصادي لم تأتِ بسبب تأثر اقتصادها بانخفاض أسعار النفط، حيث أن البنية التحتية اكتملت، وتضاهي كبرى دول العالم إن لم تكن الأفضل، والمطارات تحتل الصدارة في الإنشاءات والتطور والتقنيات والطرق السريعة والجسور والأنفاق والقطارات السريعة تعمل وغيرها قيد الإنشاء وجاري التنفيذ ومرصود لها ميزانياتها، أما نصيب الفرد المواطن من الناتج المحلي الإجمالي فيعد الأعلى عربياً والرابع عالميا، ما جعل سكان الإمارات يتمتعون بأعلى مستويات الدخل والمعيشة.

تحسين الحوكمة
ومن جهته أكد بدر جعفر، الرئيس التنفيذي لشركة الهلال للمشاريع، وعضو مجلس الأعمال الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، أهمية تحسين حوكمة الشركات، وخاصة الشركات العائلية التي تشكل الغالبية العظمى من الاقتصاد غير النفطي حيث تساهم بأكثر من 80% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي بمنطقة الشرق الأوسط، وستشهد انتقال أكثر من تريليون دولار من الأصول إلى الجيل التالي خلال العقد المقبل.
وفسر ذلك بأن ضمان استمرارية ونمو الشركات عموماً والشركات العائلية خاصة يضمن توفير فرص قوية لملايين الشباب والنساء في جميع أنحاء المنطقة، موضحاً أن الحوكمة تأتي في مقدمة ست ركائز أساسية للإصلاحات المقترحة في السياسات العامة بالمنطقة، والتي تشمل تعزيز كفاءة سوق العمل، وتحديث اللوائح التنظيمية للإفلاس والإعسار، وتسهيل عملية إنشاء الشركات.
وقال جعفر، إن المشهد الحالي لقطاع الأعمال يفرض حاجة ملحة وأكثر من أي وقت مضى لتبني مبادئ الحوكمة الجيدة للشركات، عازياً ذلك إلى أن تطبيق مبادئ وممارسات الحوكمة في عموم مجتمع الأعمال سيساهم في خلق اقتصادات مستقرة، وبالتالي مجتمعات مستقرة، وهذا ما تحتاجه المؤسسات المالية والشركات لتحقيق الازدهار.

تنويع القطاعات
وقال نادي برغوثي، مدير إدارة الأصول في بنك الإمارات للاستثمار، إن البنوك اعتمدت تاريخياً وبشكل كبير على تحقيق الأرباح من تمويل العقارات ومن الأنشطة والودائع المرتبطة بالنفط خصوصاً الودائع الحكومية، ولذا كان هناك تأثير ملموس على أدائها عند تأثر هاذين القطاعين، مؤكداً أن استعداد البنوك لمرحلة ما بعد النفط يستوجب تحقيق التوازن بين هاذين القطاعين المهمين والعمل على إضافة قطاعات جديدة من أجل تحقيق سياسات التنويع الاقتصادي وزيادة الإيرادات مستقبلاً.
وأوضح برغوثي، أن اقتصاد الإمارات ودبي تحديداً يقوم على القطاعات الخدمية لاسيما السياحة والتجارة والفنادق والخدمات اللوجيستية، ولذا يجب على البنوك التركيز على تلك القطاعات الخدمية من أجل زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للدولة، منبهاً إلى أن غالبية الشركات التي تعمل في تلك القطاعات تمتلك أصولاً يمكن اعتبارها ضماناً للبنك عند إقراضها، وتالياً فإن مخاطر تمويل الشركات العاملة في تلك القطاعات يقل كثيراً عن قطاعات أخرى.
وأشار إلى أنه على الرغم من زيادة انكشاف بنوك محلية خلال العام الماضي على قروض مقدمة لشركات صغيرة ومتوسطة بسبب تعثر تلك الشركات، إلا أن قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة يجب أن يلقى اهتماماً متزايداً من البنوك خلال السنوات المقبلة، داعياً إلى تفعيل دور شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية في إعداد التقارير عن التاريخ الائتماني لتلك النوعية من الشركات حتى يصبح البنك أكثر وعياً ومعرفة بالعميل، وتالياً تقل مخاطر تمويل ذلك القطاع من الشركات.
ولفت برغوثي، إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز البيئة المالية في الإمارات من أجل دعم نمو الاقتصاد ما بعد النفط، تعد كافية ومحفزة إلى حد كبير، ولذا يجب على البنوك أن تضع السياسات الذاتية والإجراءات الداخلية للاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، لافتاً إلى أن الالتزام بالقواعد وعدم التهاون في تطبيقها سيمكن البنوك من النجاح خصوصاً في ظل توافر الأنظمة وفرق العمل والتي تتفوق على بنوك مثيلة في منطقة الشرق الأوسط.

استكمال مسيرة التنمية اعتماداً على القطاعات غير النفطية
دبي (الاتحاد)

قال عبد الله محمد العور، المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، «إن السمات الأساسية لاقتصاد ما بعد النفط يمكن اختصارها بأنه اقتصاد قادر على استكمال مسيرة التنمية بالاعتماد على القطاعات غير النفطية القائمة وتطويرها واستحداث قطاعات أخرى تواكب التطورات في الأسواق العالمية والمحلية»، مضيفاً أنه اقتصاد يتسم بالتنوع والثراء في مجالات الاستثمار ومصادر الدخل، وتشكل المعرفة والابتكار أهم محركات مسيرته ونموه.
وأكد العور، أنه لتحقيق ذلك هناك حاجة لإعادة ترتيب أولويات القطاعات من حيث توجهات الاستثمار وفي مقدمتها التركيز على الإنتاج والصناعات والخدمات الحلال التي أثبتت كافة الدراسات والتقارير أنها ستشهد معدلات نمو عالية خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى أن الإمارات سبقت هذه المرحلة ووضعت تصوراً كاملاً عن مستقبل اقتصادها وحددت هدفاً أساسياً وهو تقليص نسبة الاعتماد على النفط لمصلحة القطاعات الأخرى ولصالح قطاعات الاقتصاد الإسلامي على وجه التحديد مع إطلاق مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي في العام 2013، متوقعاً أن يلعب التمويل الإسلامي دوراً محورياً في المرحلة القادمة ليس فقط على صعيد الاقتصاد الوطني بل وعلى مجمل منظومة الاقتصاد العالمي، إذ أن هناك توجها كبيراً لتبني آليات التمويل الإسلامي وأدواته التي أثبتت كفاءة عالية في تحقيق الاستقرار للاقتصاد العالمي.
ودلل العور على صحة حديثة بالقول «إنه في مرحلة الأزمة المالية العالمية السابقة كانت المصارف والمؤسسات الإسلامية هي الأكثر استقراراً على مستوى العالم أجمع وهذه هي الحقيقة التي نستند عليها في توقعاتنا نحو اتساع دائرة اعتماد الصيرفة والتمويل الإسلامي محلياً وعالمياً».
وتوقع أيضاً أن يكون للأوقاف ورأس المال الاجتماعي دور كبير، خاصة وأن للأوقاف تجربة تاريخية عريقة أثبتت نجاحها وقدرتها على تحقيق التنمية الاجتماعية من خلال التركيز على أساسيات الحاجات البشرية مثل التعليم والصحة وتنمية الموارد الشبرية، بالإضافة إلى تحقيق أعلى قيمة نوعية للمال المشغل في الأسواق عن طريق توجيهه نحو دعم المشاريع الجماعية الصغيرة والمتوسطة.
وذكر أن أهداف اقتصاد ما بعد النفط تتمثل في الحفاظ على المكانة التي حققتها دولة الإمارات وتعزيز جاذبيتها للاستثمارات والعمل وإنشاء الشراكات على أرضها، وتحقيق رؤية الدولة للعام 2020 في كافة القطاعات وفي مقدمتها الاستدامة في التنمية ومصادر الثروات وتوسيع الاعتماد على الطاقة النظيفة والمتجددة، لافتاً إلى أنه باختصار يمكن القول إن الاقتصاد الإسلامي بما يحققه من استدامة وما يحمله من فرص مؤهل بشكل كبير ليكون أحد خيارات مرحلة ما بعد النفط.

اقرأ أيضا

13 يوماً إجازات العامين الجاري والمقبل