الاتحاد

دنيا

بين امرؤ القيس ونانسي عجرم··· تغيرت ثقافة القلب


الاتحاد - خاص:
لم يعد الوصول الى وجه المرأة أصعب من الوصول الى وجه القمر· ولهذا دعا المستشرق الفرنسي جاك بيرك الى إعادة هيكلة القلب في الثقافة العربية· يعني أن تتخلى عن امرؤ القيس، وحتى عن صديقنا أفلاطون، من أجل نانسي عجرم· كان البدوي فيما مضى يعاني من الفراغ حتى أنه كان يحصي نجوم الظهر· الآن، تضغط التفاصيل، لا وقت لأي شيء· القلق يزداد· اللامبالاة هي الحل، هي أيضاً التواطؤ ضد الابداع، وأغنيات تجعلنا نطير في الهواء بعدما كانت تجمدنا داخل الجمر من شدة اللوعة·
لعلها المسافة العبثية بين امرؤ القيس ونانسي عجرم· دائماً هناك قلب، وتختلف طريقة استعماله··· لا، لا، ما يتغير هو ثقافة القلب، ففي المعلقة الشهيرة 'قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول فحومل'، كان ثمة بكاء على الأطلال· ولم يكن أهل الجاهلية قد تعرفوا على كلام محمود درويش الذي قال حاجتي الى الحزن هي حاجتي الى الكتابة· كانت الدموع ضرورية، حتى ولو كانت دموع الرجال، للتمكن من التفاعل مع تلك الأزمنة (والأمكنة) القاحلة·
ذات يوم تساءل أحدهم: ماذا كان حدث لو أن أهل الجاهلية عرفوا··· الكوكاكولا؟
كان امرؤ القيس تغير، ولما عادت الأطلال على سحرها وعلى كآبتها· كان هناك نوع خاص من السريالية، والآن نوع آخر· قال السريالي الشهير أندريه بريتون: نقترب من الحياة لنحطم اللغة، ونقترب من اللغة لنحطم الحياة· لعلنا نسأل أيضاً: ماذا لو كان قيس بن الملوح يستقل سيارة فارهة ويستخدم جهاز هاتف نقال؟
يقول المستشرق الفرنسي جاك بيرك ان الرتابة كانت قاتلة· بالطبع كانت هناك مدن، وكانت تعرف تنوعاً في الحياة، وفي الملابس، وأيضاً بعض التنوع في الثقافات، ولكن بوجه عام كانت التفاصيل قليلة، صحراء، وخيم وابل وتمور، وكان وجه المرأة هو الملاذ، هو الواحة التي يبحث عنها القلب· ولكن كان الولوج الى الواحة مسألة معقدة للغاية، التقاليد هائلة: إياك أن تبعث بالشعر الى وجهها· هكذا تجرح سمعة القبيلة في العمق، وقد تستحق القتل لأن الاعتداء الشعري لا يقل هولاً عن الاعتداء الجسدي·
الحبيبة والضبع
غريب أن الأغنيات التي كانت تُقدم ظلت غامضة بالنسبة الى الأجيال العربية الراهنة· كل ما وصل إلينا هو عبارة عن قصائد غزلية· ولكن لدى مراجعتنا لعدد من هذه القصائد تبين أن بعضها رقيق، أما البعض الآخر فيشتمل أحياناً على صورة فظة وغريبة· لنتصور أن قلب أحدهم يرتجف لمرآها كما يرتجف إذا هاجمه ضبع في ليل بهيم· لم تكن هناك مشكلة في تشبيهها بالضبع، فالشاعر عبّر عما يختلج في أعماقه· لا فارق هنا، على سبيل المثال، بين الضبع، و زهرة الياسمين·
عالم يتغير··· زمن يتغير بطبيعة الحال، حين انتقل العرب الى الأندلس كان لابد من أن تهزهم غابات الورد في غرناطة، وفي طليطلة، وفي اشبيلية· كان زرياب يقول انه يغسل صوته بضوء القمر· الصورة ليست مجازية، هناك مؤرخون أشاروا الى أن المغني كان فعلاً يمشي كما المجانين في ليالي القمر، ولا ندري ما إذا كانت تأثيرات الفلك في الصين قد وصلت إليه· أشعة القمر تلعب بمصير الواحد منا، قد تصنع منه عبقرياً أو مجنوناً، عاشقاً أو قاتلاً·
هل يعني هذا أن هناك أكثر من طراز للقلب؟ وأيهما أكثر إيحاء بالشجى والشجن: أن يكون العاشق بين الأزهار أو بين الرمال؟
روميو وجولييت انتحرا· كان هذا هو الحل، أن يضعا نهاية لحياتهما· هذه هي ذروة الرومانسية، وحيث الموت يشكل ضرورة حياة، هل العاشق الغربي أكثر اشتعالاً من العاشق الشرقي الذي كل ما فعله هو أنه راح يمزق (أو يحطم) ثيابه، وينتحب في البراري، ويأنس لشجرة منعزلة، أو حتى لناقة تنظر إليه بارتياب حيناً وبإشفاق حيناً آخر؟
ملأ بطنه باللبن
صحيح ان قيس لم يشعر بقطع الجمر تحرق كفه، لكنه كان عاشقاً عربياً· قد يجد الأمل العظيم في اليأس العظيم· يعيش على ذكراها، مع ان هذه قد تكون كذبة كبرى، حين يتحول العاشق الى حطام فما جدوى الذكرى، بل هل هناك من ذكرى حقاً؟
اديث بياف المغنية الفرنسية الشهيرة كانت تغني على الأرصفة، أحياناً حافية وبملابس ممزقة، لتقول: يا أصدقائي، هذه رغبة قلبي، لابد أن يكون هناك انعكاس خارجي للحالة الداخلية· في إحدى المسرحيات الهزلية يجد كثير عزة الحل في أن يملأ بطنه باللبن· تتراجع اللوعة ويشعر بالتوازن الذي كان بأمس الحاجة إليه كي يتمكن من أن يمارس مهنته، أي رعاية القطيع، ليس الجميع مثل عنترة بن شداد، يقطع كل الرؤوس من أجل أن تبتسم عبلة كما تبتسم الرماح النواهل·
في أيام تلك المراهقة القديمة كان العربي يتلذذ بـ 'بيض الهند' وهي تقطر دماً، فالمهم أن السيدة عبلة تكتشف فحولة عنترة ومدى حبه لها· عادة من يعشق يحاول أن يجد سبيلاً لصناعة الحياة، في حالة عنترة كلما تكاثرت الجثث ازدادت عبلة اقتناعاً بأن فارس بني عبس متيم بحبها، ولا ندري ما إذا كانت قد تمنت عليه، ولو مرة واحدة، بأن يوقف مسلسل القتل الذي كان، بطبيعة الحال، مسلسل البطولة، وهو الذي تم إفهامنا بأنه حاول تجاوز لون بشرته بتلك اللحظات الملحمية، كما لو أن هوية الكائن البشري ترتبط بلونه·
فهد بلاّن
وكان هناك مطرب سوري - أقام في لبنان - يدعى فهد بلاّن الذي اشتهر برجولته، كان يمثل عنترة بكل معنى الكلمة· عنترة الذي ورد اسمه في إحدى أغنيات فيروز بما معناه الليل أو عنترة بن شداد باعتبار أن هذا الأخير كان يشبهه، بلونه (أم بقوته؟)· كان صاحب يا بنات المكلاّ واركب حدك يالموتور يهدر مثل فارس الفوارس، فالحب لا يمكن أن يكون واجفاً أو أن يعكس حالة من التداعي العاطفي، لا يدعي محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش أو عبد الحليم حافظ في أي من مراحل عمره بأنه كان بطلاً صنديداً، دائماً القلب معذب وحائر وينتظر لحظة اللقاء التي غالباً ما تكون مثل وميض البرق· الأغنيات ساحرة، وإن كانت الأفلام التي شاهدناها للثلاثة أقرب ما تكون الى الأعمال الكوميدية البدائية· يفترض بالعاشق ليكون عاشقاً أن يكون ضحية· كانت أم كلثوم تمزق المناديل وهي تغني تتحول الى زلزال، السميعة كانوا يترنحون 'آه يا ثومة'· نوع من التماهي الغريب بين السيدة والجمهور الذي كان يضيع، أو يذوب في صوتها الذي كان واضحاً، وكما قال محمود درويش انه كان يدخل إلى آخر منطقة في اللاوعي، يضيء الذاكرة القديمة جداً التي غالباً ما تكون حزينة· فعلاً لماذا الغناء العربي، وسواء كان مصرياً، أم خليجياً، أم لبنانياً، حزين إلى هذا الحد؟ دائماً هناك الفراق، والوداع، والانتظار، واللوعة، والعذاب، والسهر، والعواذل بطبيعة الحال الذين كانوا يستحضرون في كل مناسبة·
إعادة هيكلة القلب
اليوم يتم اللعب بموسيقى أغاني أم كلثوم لتتوافق مع الإيقاع الصاخب· توزيع مختلف، أقرب الى البهجة منه الى الكآبة التي جعلت جاك بيرك يدعو إلى إعادة هيكلة القلب في الثقافة العربية ليلاحظ ان الغناء اللبناني التراثي رغم ترابطه بالمناخ العام للأغنية العربية، ينطوي على شطحات من الفرح (الميجانا والعتابا، على دلعونا، الهوارة)، هذا ليتسق مع إيقاع رقصة الدبكة الجماعية، وحيث خبطة القدم تعبير عن الاغتباط بقدر ما هي تعبير عن القوة· الباحثون السوسيولوجيون لا يدعون أبداً أن معدل الحزن في العالم العربي تراجع· صحيح ان علاقة الرجل بالمرأة تغيرت كثيراً، لم يعد الوصول إلى وجه المرأة صعب كالوصول الى وجه (أو بالأحرى سطح) القمر الذي زاد هو القلق· كل العيون مشرعة على القلب الذي لم يعد داء عربياً فحسب، بل انه مشكلة عامة وساحقة، وتتكرس في كل الفلسفات التي ظهرت في القرن العشرين، حتى ان الباحث السوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو يتوقف عند عنوان أحد مؤلفات جان بول سارتر الغثيان· ربما تزداد حدة الغثيان الآن: البطالة، التطرف، الإرهاب، القمع المقنع، تدفق المعلومات، التيه الأيديولوجي، تقهقر الرغبة في المطالعة (حيث النص يمكن أن يدفع نحو الارتقاء بالأحاسيس)·
زمن على كل حال لم يعد يتحمل أياً من الفلاسفة الذين حاولوا إثارة الاضطراب في الرؤية للحد من الضغط العام على الفرد· الأفضل هو الفوضى، أو كما يقول المغني الأميركي مايكل جاكسون: اقتل القلق باللامبالاة·
الطبق الفلسفي
اللامبالاة يمكن أن تصنع عالماً· لا مجال للقول إن اللامبالاة بريئة، بل انها قد تتواطأ مع تقهقر الحالة البشرية باعتبار أن القلق ضرورة إبداعية· هذه دعوة من المفكر غابرييل مارسيل الذي يعتبر أن القلق هو بمثابة الطبق الفلسفي الذي يقتات منه العقل· بالطبع لم يكن باستطاعة امرؤ القيس أن يكون لا مبالياً، وإن قال اليوم خمر وغداً أمر· كان كل الذي حوله يعنيه، لكن ما يهزه أكثر هي الأطلال، الحبيبة تركت وقع أقدامها في الروح، هذه آثار الخيم، وحوافر القطيع الذي كان هو من يقود القبيلة الى واحة أخرى· الآن، أين الأطلال؟ يمكن الآن أن تكون كلمة الأطلال اسماً لمقهى أو عنواناً لأغنية، هنا لا تعني بقية الحجارة، أو بقية الغبار، بل انها تعني قوة الحنين أو ما تبقى من الحنين الذي تبعثره التفاصيل اليومية· كان ثمة فراغ يملأ الدنيا، بالنسبة الى ذلك البدوي الذي يحاول أن يحصي حتى نجوم الظهر، لم تكن هناك الشاشات التليفزيونية التي تضغط بقوة (هائلة) على الذاكرة، ولم تكن هناك ناطحات السحاب، والطرقات، والسيارات، وتلك المدن الهائلة التي تحولت، فعلاً إلى حالات أسطورية تبتلع كل شيء·
صلاة خاصة بالرمال
عاشق يتلو صلاة خاصة بالرمال التي كانت تذهب بها الرياح· هذه ذريعة أخرى لكي يكون الرحيل أكثر تأثيراً في لعبة القلب· الآن، تغني نانسي عجرم أو روبي أو ميريام فارس أو أليسا أو هيفاء وهبي، لا حاجة إلى أوجاع سيد مكاوي ولا إلى تأوهات محمد عبد المطلب، ولا حاجة الى كل ذلك السحر في صوت وديع الصافي· كلمات خفيفة، ألحان خفيفة، وحركات من كل الأنواع للتعويض على الثغرات الشعرية والموسيقية· إذاً، إذا ذهبت إلى أي مكان تجد أن نانسي عجرم بدأت تختزل شخصيتنا الثقافية، ولا داعي البتة لكي نرهق رؤوسنا، وأعصابنا، بالأغنيات المعقدة، والنصوص المعقدة· أغنيات لكي نطير في الهواء، هذا هو المطلوب، جميل أن يكون الواحد منا في مهب الريح· الأقدام السريعة تريح الرأس، إذاً المشكلة ليست في أننا تخلينا عن ثقافة امرؤ القيس، بل اننا تخلينا عن ثقافة أفلاطون أيضاً، صاحب الجمهورية الفاضلة تنازل عن صلاحياته لـ نانسي عجرم التي باتت مثالاً لدقات القلب السريعة التي لا تتوقف في مكان· أيام زمان كانت دقات القلب تعمل في اتجاه وجه واحد، الآن، تتبعثر فوق كل الوجوه التي يعاد تصنيعها، وإن كان واضحاً ان ازميل ليونارد دافنشي يختلف كثيراً عن أي ازميل آخر ينفخ في هذا الوجه أو ذاك فيبدو - استطراداً - كما لو أنه وجه الضفدعة··· الضفدعة حين تستخدم أحمر الشفاه!
أوريينت برس

اقرأ أيضا