الاتحاد

دنيا

بلاد الأحلام والغايات الملتبسة


د· رسول محمَّد رسول:
ما زال جانب كثير مما كتبه الرحّالة الغربيون طي الارتخاء في اللغة التي كتب بها أولئك المستشرقون مشاهداتهم في رحلاتهم إلى الشرق الإسلامي في خلال القرن الثامن عشر الميلادي وما تلاه من قرون كانت قد تميزت بوجود مئات الرحلات الغربية إلى الشرق، ومنها زيارة الرحالة إلى المراقد الدينية كالجوامع والمساجد والبيوت العتيقة المنتشرة فيه·
ويجيء كتّاب الباحثة والمترجمة العراقية الدكتورة مي عبد الكريم 'رحالة رومانطيقيون: يوميات ومشاهد في فلسطين والأردن في كتابات فرنسية خلال القرن التاسع عشر'، الصادر مؤخرا عن سلسلة (ارتياد الآفاق) التي تشرف عليها دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي، ليضعنا في فضاء مجموعة من الرحلات التي قام بها كتّاب فرنسيون ينتمون إلى التيار الرومانطيقي في القرن التاسع عشر، وما كتبوه عن رحلاتهم إلى الشرق العربي في ذلك القرن·
يتضمَّن الكتاب نحو عشرة نصوص رحلاتية مترجمة عن الفرنسية، قدمت لها مي بعض المعلومات عن الرحلات وظروفها وتاريخها، وباستثناء نصي غوستاف فلوبير وألفونس لامارتين الواردين في الكتاب، فإن بقية النصوص إنما تعود إلى كتاب 'أنطولوجية الرحلة إلى بلاد الشرق' لمؤلفه كلود برشيه الصادر في باريس عام ،1982 وهي النشرة التي اعتمدتها المترجمة، في حين يعود نص فلوبير إلى نشرة عام ،1948 ويعود نص لامارتين إلى نشرة عام ،1910 وكلاهما لم يرد في كتاب برشيه·
توقَّفت المترجمة، في مقدمة كتابها، عند قضايا ومسائل كثيرة شكَّلت جدلاً واسعاً في فضاء الاستشراق الغربي· لكنها وضعتنا أولاً في ذلك الفضول الغربي تجاه الشرق، فقالت: شهدت الفترة التي تلت عصر النهضة الأوروبية عادة الحج إلى الأراضي المقدسة فجاءها الرحالة: حجّاج، شعراء، جنود، تجّار، روائيون، فلاسفة، مغامرون، عشّاق فاشلون، سياسيون، وعدد ضخم من السياح الذين أجَّجتهم الروح الرومانطيقية الحالمة أو دفعهم الفضول الرومانطيقي لرؤية الديكورات الشرقية، والسلوك والعادات الشرقية، والوقائع الحياتية الشرقية، أو الذين دفعتهم الموضة والتقليعة الأدبية لتصفُّح ألوان برّاقة وملونة من الغرائبية والحكايات المثيرة عن قُطّاع الطُّرق، والانكشارية البشعة، والباشوات العاشقين·
الرحلة إلى بلاد الشرق
من الناحية التاريخية، تساءلت مي عبد الكريم عن تاريخ ظهور مصطلح (الرحلة إلى بلاد الشرق)؟ فأستدعى ذلك تقسيم تاريخ الانهمام الغربي بالشرق إلى مرحلتين: كانت الأولى المرحلة الكلاسيكية التي استمدت قوتها وسُلطتها من الرحلات التبشيرية والإرساليات الدينية، وطواف الآباء الكبوشيين من أتباع الأب جوزيف الذين كانوا يبحثون عن التراث البيزنطي الذي قامت على جغرافيته الإمبراطورية العثمانية· ومن القصص والحكايات التي استمدت مسرحها من ديكور الشرق وعاداته وسلوكاته، مثل: 'الرسائل الفارسية' لمونتيسكيو، ورواية 'صادق' لفولتير، و'رقصة علي خان' لمسترو دو لاتور· كما كانت هنالك على المستوى الدولي متطلبات الحياة السياسية والحربية في أوروبا، وذلك باختلاق المشكلة العثمانية، وكانت هنالك أيضاً متطلبات التجارة العالمية والتي أُطلق عليها اسم (سياسة كوبرت)· ومنذ ذلك الحين، قامت أكبر ثورة شرقية في الثقافة الغربية كانت لها معاييرها وتراثها، وقد أفادت كثيراً من فلسفة عصر الأنوار، ومن متنوري القرن الثامن عشر بدءا من فولتير حتى مونتسيكيو· أما المرحلة الثانية فهي التي توصف بالمرحلة الرومانطيقية، وهي المرحلة التي تعتقد الباحثة العراقية أن فيها تمَّ استقرار مصطلح (الرحلة إلى الشرق) في خلال القرن التاسع عشر، ومع الرومانطيقيين حصراً، وكان ألفونس لامارتين أول من استخدم هذا المصطلح في رحلته إلى الشرق·
ميزت الباحثة أيضاً بين نمطين من الرحلات: نمط الرحلة العلمية الخالية من الادعاءات الأدبية، وهو نمط ينشغل فيه الرحالة بالوصف الأثنوغرافي والمناخي والحيواني والمعدني والآثاري والاجتماعي· والنمط الثاني هو نمط الرحلات الأدبية، وهي رحلات تستند على مفاهيم استشراقية مصاغة بأسلوب سردي بلاغي وشعري· وقد شهد القرن التاسع عشر الكثير من الرحلات من النمط الثاني، إلا أن الباحثة ذهبت مع ما ذهب إليه تيري هنتش عندما قال: إن المفارقة في الأمر هي أن هذه الرحلات الأدبية التي ترتبط بالخيال في أحيان كثيرة كانت تُستخدم في الخطاب السياسي الكولونيالي، وفي صياغة مفهوم الشرق ـ الآخر في أوروبا على نحو واسع·
وبعيداً عن التوظيف الاستعماري لأدبيات الرحلات الغربية إلى الشرق الإسلامي، رأت الباحثة العراقية أن هناك تشابهاً عاماً بين جميع الرحلات التي دارت في فضاء الأراضي المقدَّسة تلك التي قام بها الرومانطيقيون الغربيون في ذاك القرن، بل حتى، والقول لها: في المواقيت الدينية، من عيد الفصح إلى الأعياد الأُخر، لأنهم كانوا يذهبون هناك من عام إلى آخر في المواقيت ذاتها·
في كتابها هذا سعت مي إلى أن تبين المكانة التي احتلتها الأماكن المقدَّسة في أعمال الرحالة الفرنسيين في ضوء النصوص التي ترجمتها عن اللغة الفرنسية للرحّالة الرومانطيقيين·
شراء الآثار العربية!!
فرانسوا شاتوبريان كتب عن رحلته بعنوان 'الطريق من باريس إلى مدينة بيت المقدس'· كانت رحلته قد بدأت في 13 تموز 1813 زار فيها يافا وبيت لحم والبحر الميت ورام الله وأريحا والقدس· لقد قدم شاتوبريان تفاصيل مهمة عن تلك المدن التي زارها، ووقف كثيراً عند ممارسات السلطات العثمانية التعسفية ضد الآباء المسيحيين في تلك المدن· وصارت رحلته إلى فلسطين أنموذجاً للرحالة الغربيين الذين تتابعوا لزيارة الأراضي المقدسة وهم يحملون كتاب شاتوبريان عن رحلته تلك·
لوي أوغست دو فوربان، هو الآخر جاء إلى الشرق، وقد عرف بحبه للفن وللآثار، وقاد في عام 1817 حملة واسعة إلى الشرق بصحبة عدد من الرسامين والمعماريين والآثاريين وعلماء المشرقيات، وتمتعت رحلة هؤلاء بأنها مدعمة بمبالغ مالية ضخمة لشراء الآثار العربية والإسلامية بالشرق· وصل فوربان ورفاقه إلى فلسطين في بداية شهر تشرين الثاني من العام ذاته، ومن ثم إلى دمياط والى القاهرة وعن طريق المنصورة وصل إلى مدينة الأقصر التراثية، وعاد بلاده ومن معه بالكثير من الآثار المصرية والفلسطينية، وفي عام 1919 نشر فوربان رحلته تلك في كتاب مصوَّر، اعتمد فيه على المئات من الصور التي أخذها للموجودات الأثرية التي جلبها من الشرق إلى بلاده·
وهكذا الأمر مع رحلات أخرى قام بها سيليوس ودو لامارتين و دو غاسبران ودو فوفويه وفلوبير وشوره أرنست رينان وبيير لوتي· وتراوحت أغرض الرحالين الرومانطيقين عند مجيئهم إلى الشرق بين النظرة الحُلمية إلى الشرق الدافئ، والنظرة الواقعية إليه بوصفه بؤرة قابلة للاستثمار الاستعماري والنهب الحضاري· والنظرة إليه بوصفه بؤرة دينية وروحية ومكاناً للمعابد والجوامع والمساجد والأديرة وللمناسبات الدينية والأعياد المسيحية والإسلامية التي كانت تمثل لدى هؤلاء المستشرقين عالماً ما زالت أجوائه بكراً في مذاقها التاريخي والحضاري والثقافي نجحت مترجمة النصوص الدكتورة مي عبد الكريم في خلق مشهد لما كان يفكِّر فيه الغربيون في ذلك القرن بالشرق العربي والإسلامي·
؟؟ الكتاب: رحالة رومانطيقيون/ يوميات ومشاهد·
؟؟ المؤلفون: كتَّاب فرنسيون·
؟؟ المترجمة: د· مي عبد الكريم/ جامعية عراقية·
؟؟ الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع/ 2005 الإمارات·

اقرأ أيضا