الاتحاد

عربي ودولي

أصوليات العمل الإسلامي في العراق الحديث (2-4)

التصادم مع السلطة·· وبدايات الانهيار
د· رسول محمَّد رسول:
كان نظام الحزب الواحد الذي حكم العراق في خلال ثلاثة عقود ونصف قد عكس صورة سلبية في فاعليتها عندما صوَّر العراق بلداً خالياً من أي حراك حزبي، سواء كان علمانياً أم إسلاميا· وكشف التغيير السياسي الذي جرت صورهُ في العراق ابتداءً من نيسان (أبريل) 2003 عن حياة سياسية عراقية ثرية في اتجاهاتها الحزبية والجماعاتية بدت للوهلة الأولى غريبة على أجيال من الباحثين والمتخصصين في الواقع السياسي العربي في الوطن العربي وخارجه، لكن تلك الغرابة أخذت تتبدد عندما تابع المراقبون ما كشفته الحياة الحزبية في العراق من اتجاهات وأنشطة حتى الآن هي فاعلة في المشهد السياسي العراقي الجديد·
ومع أن جماعات من الإخوان المسلمين العراقية قد خرجت في مظاهرة سلمية بعد انهيار السلطة المركزية في العراق، فإن البحث عن تسمية مباشرة لحركة الإخوان المسلمين في العراق يبدو عصي النتائج؛ إذ غابت التسمية المباشرة منذ مطلع ستينيات القرن العشرين لتحلَّ محلها تسميات أخرى كتسمية (الحزب الإسلامي) وما أشبه من التسميات بعد أن واجه الإخوان تحديات جمة من جانب الأنظمة الجمهورية التي حكمت العراق منذ عام 1959 حتى انهيار جمهورية صدام عام ·2003
في هذه الحلقات الأربع، سنتابع نشأة وتطوُّر وأفول أصوليات العمل الإسلامي في العراق التي أخذت بالظهور مطلع ثلاثينيات القرن العشرين وانحسرت في نهاية الخمسينيات لتنهض وتكبو حتى انفرط عقدها بعد أن أجهزت عليها الأنظمة الجمهورية التي تعاقبت على حكم العراق، وما هو لافت في تاريخ هذه الحركة أنها ارتبطت بمؤسسها الشيخ 'محمد محمود الصوّاف' الذي قاد الحركة حتى أفولها وخروجه للعيش خارج العراق حتى وفاته·
عاد الصوّاف إلى العراق عام ،1946 أزهريا إخوانياً متحمسا للعمل الدعوي بعد أنْ اغترف من أصول هذا العمل شيئاً كثيراً من الأفكار والتجارب وصور ومشاهد الحراك الأيديولوجي الإسلامي لجماعة الإخوان، وبدلاً من البقاء والعمل في الموصل، قررالعمل في بغداد ، وفضَّل العمل في كلية الشريعة - في الأعظمية - أستاذا جامعيا حيث فهمَ التدريس على أنه (الميدان الحقيقي لانطلاق الدَّعوة، وتربية الرجال هي الخطوة الأولى التي يجب أن يسلكها الدُّعاة إلى الله)، وهو ما جرى بالفعل من وجهة نظره حيث كانت هذه الكلية المكان والمنطلق للدعوة في بغداد في وقت كانت فيه البلاد من منظور الصوّاف تعيش (دعوات مظلِّلة، ونعرات قومية طاغية لها رجالها وأحزابها، وصيحات طائفية ما أنزل الله بها من سلطان، فضلاً عن الطامَّة الكبرى ـ الشيوعية الملحدة ـ التي توقد نارها الطوائف الحاقدة على الإسلام من اليهود والنصارى ومن وراء الجميع الاستعمار البريطاني البغيض) وهذا التصور للمشهد التي كانت رحاه دائرة في الوطن العربي والآفاق الإسلامية وليس العراقي حسب، هو التصور الإخواني في شكله الأم وهو ينظر إلى أوضاع العالم من حوله والذي حمله الصوّاف إلى العراق لغرض تكريسه والنضال أو الجهاد من أجله·
وفي ضوء ذلك، انخرط الرجل في العمل الإسلامي من موقعه في (كلية الشريعة)، لكن هذا المكان، رغم أهميته، لم يسع طموحات عمله التي يُريد؛ فآثر التحرك خارج الكلية، ووجد أن الجمعيات والتكوينات الإسلامية الثقافية في العراق هي أحد القنوات والمضلات المؤسساتية التي يُمكن العمل من خلالها، فانخرطَ في (جمعية الشُّبان المسلمين) التي كان على رأسها الشيخ حسن رضا، وفي (جمعية الهداية الإسلامية) التي أسسها الشيخ قاسم القيسي (1876 ـ 1955)، مفتي بغداد يومها، ومجلتها (الهداية الإسلامية) التي رأس تحريرها كمال الدين الطائي في بغداد، وفي (جمعية التربية الإسلامية) التي كان على رأسها الشيخ عبد الوهّاب السامرائي الذي أصدر مجلة (التربية الإسلامية)، ومن ثمَّ في (جمعية الآداب الإسلامية) التي رأسها الشيخ أمجد الزهاوي (1882 ـ 1967)، فضلاً عن منابر صحافية كانت بمثابة الوسيلة للصواف ورفاقه للتعبير عن خطابهم الإخواني مثل (مجلة السِّجل) التي كانت تصدر أولا في البصرة، وتحولت فيما بعد إلى بغداد، وصارت جريدة بجهود منشئها ورئيس تحريرها الشيخ محمَّد طه الفيضي العاني الذي عمل في مجالات إسلامية كثيرة من أجل بث الدَّعوة الإسلامية·
وبالطبع، كانت كل هذه الجمعيات والمنتديات الثقافية والتنويرية وغيرها تختلف في خطاباتها الفكرية والعملية وفي رؤيتها إلى الواقع الإسلامي، وإذا كان الصوّاف إخوانيا فهي ليست بالضرورة إخوانية الخطاب، إلاّ أنه أراد أنْ ينخرط في المشهد الإسلامي حينها، وهو المشهد الذي كانت هذه المنتديات تمثل جزءً من حراكهُ الديني والثقافي، وإلى حدٍّ ما، الحركي البسيط وفق خصوصية المجتمع العراقي الدينية، وسعى، قدر استطاعته، إلى أخْوَنة خطابات هذه المنتديات والجمعيات، وكان بعضها قد اقتسم ما هو مشترك في العمل الإسلامي الذي توائم مع عمل الخطاب الإخواني، لكن غيرها آثر الاختلاف معه، وكان من ذلك الاختلاف أن تمَّ إبعاد الصوّاف عن (جمعية الآداب الإسلامية)، التي كان على رأسها الشيخ أمجد الزهاوي، عندما كان أعضاء فيها لا يحبذون وجود الصوّاف معهم، وذلك من خلال عدم ضمان ترشيحه في انتخابات الجمعية ما عنى يومها أن خطاب الصوّاف الإخواني لم يكن يروق لمؤسسي جمعية الآداب الإسلامية إنْ لم تكن هناك مجموعة من الأسباب غير معروفة·
جمعية الأخوَّة
لقد أدّى هذا الإبعاد الناتج عن الاختلاف مع الصوّاف إلى ولادة ما كان يطمح إليه الداعية، فلم يكن الصوّاف راضيا عن عمل وأداء هذه الجمعيات، وقال في هذا الصدد (لم تبد من النشاط والتخطيط والعمل الإسلامي ما يتناسب مع مخططات أعداء الإسلام، وكثرة الدعوات المضلِّلة)؛ ولهذا أخذ الصوّاف نفسه وبعض رفاقه قاصدا الشيخ الزهاوي في مقرِّه بـ (المدرسة السُّليمانية) معترضا على قرار إبعاده وتهميشه، وعندها صار يقنع الزهاوي بإنشاء جمعية أو حزب جديد أو البحث عن مظلة جمعياتية أو حزبية لتمرير مشروعه الإخواني في العراق، فوجدَ في الزهاوي الكنز والرجل كان صاحب حظوة لدى رموز السلطة في العراق الملكي، بل وجد فيه الظل العَلمائي والفُقهائي الذي يمكن الاحتكام إليه من الناحية الفقهية والعَلمائية من حيث تطويع هذه الجوانب لصالح مشروع الصوّاف الإخواني في العراق، فشرع مع رفاقه والزهاوي بإنشاء جمعية جديدة، وكان الاقتراح أن تحمل اسم (جمعية الإخوان المسلمون) إلاّ أن الصوّاف والزهاوي وغيرهما من الأتباع اكانوا يعرفون أن القانون العراقي لا يجوِّز العمل الإسلامي تحت مسمى حزب أو جماعة أو جمعية لها مثيل في بلد عربي وإسلامي آخر، فكان الاقتراح أن يكون اسم التنظيم (جمعية الإخوَّة الإسلامية)، وكلمة الأخوَّة قريبة من كلمة الإخوان، وكانت هذه الجمعية الوليدة مثَّلت تيار الإخوان المسلمين العراقي، وكان من المؤسسين في هذه الجمعية محمَّد عاصم النقيب، والدكتور تقي الدين الهلالي، والشيخ محمَّد القزلجي، والشيخ إبراهيم الأيوبي، وعبد الرحمن خضر (1898 ـ 1957)، محمَّد طه الفياض العاني·
كان ذلك قد جرى إما في عام 1948 أو في عام ،1949 فوضعت لجنة مصغرة من بين هذه الأسماء لصياغة نظام الجمعية، واستعانوا بعلاقة الشيخ الزهاوي مع نوري السعيد الطيبة لتقديم الطلب الذي قرن بتوقيع الأعضاء، ولم يمض سوى زمن قصير حتى وافق نوري السعيد على الطلب، وتم الاجتماع لانتخاب الزهاوي رئيسا والصوّاف أمينا عاما، وبقية الأعضاء تم اختيارهم أعضاءً في مجلس الإدارة، فبدأت رحلة العمل، واتسعت فروع الجمعية في العراق، وتنوَّعت صنوف العمل الدعوي الإسلامي، وبذلك حظي الصوّاف، وحظي رفاقهُ، وحظي تيار الإخوان المسلمون بأول تنظيم عراقي لهم في بلاد الرافدين، وصار العمل الإسلامي الإخواني يجول في المدن والقرى والأرياف لبناء المساجد، وتعليم الصلاة، وإقامة صلاة الجُمعة فيها· ومن ثم، ولأن العمل الدعوي كان قد توسع، فقد آثر دعاتها تأليف (لجنة مركزية للدعوة)، وصار للجمعية مراكز رئيسة في بغداد، خصوصا في الأعظمية، وفي منطقة باب الشيخ، وفي منطقة الكرخ، ومن ثمَّ في الموصل والزبير بالبصرة والرمادي والفلوجة، وفي كركوك، شمال العاصمة بغداد، وامتدّ عمل الإخوان إلى أربيل حيث كانت تكية الشيخ محي الدين البرزنجي التي كانت ملاذ الدَعويين في تلك المنطقة، والأمر لم يختلف عن مدينة السليمانية التي شهدت هي الأخرى نشاطا إخوانيا، خصوصا في منطقة (حلبْجة) التي اكتسبت شهرة واسعة بعد مجازر البعث الصدامي·
الأخوات المُسلمات
أولت الدَّعوة الإخوانية أهمية لافتة للمرأة العراقية، وبينما كانت العملية التأسيسية لحركة الإخوان قد تمَّت، وشرع دُعاتها في الانتشار لتفعيل الدَّعوة، أسَّست جمعية الأخوة الإسلامية تنظيما نسوياً سمي بـ (جمعية الأُخت المُسلمة)، وكانت الشيخة نهال أمجد الزهاوي قد ترأّست هذه الجمعية، وقادت العمل فيها مع مجموعة من الناشطات العراقيات في مجال العمل الإسلامي النسوي، نذكُر منهنَّ: فاطمة الباجه جي، وبهيرة الخوجة، ونظيرة الخوجة، وعدوّية الشوّاف، وخيرية الزهاوي، ونجية خضر، وصفية الأطرقجي، وزهرة خضر، وآمنة محمَّد علي، وآمنة شيخ العرب· ولم تدخر الجمعية الجهد في إنشاء مبنى للجمعية النسوية الوليدة، ومدّها بالمال من تبرعات الناس، والدعم الثقافي، وبقدر ما كان الصوّاف يمارس العمل الدعوي في الأوساط النسوية، كانت نهال الزهاوي بمثابة الظل العِلمائي للجمعية سيما وأنها بنت الشيخ أمجد الزهاوي الفقيه المخضرم في ذلك الوقت·
لقد أدرك الإخوان المسلمون في العراق أهمية وسائل الإعلام في تصريف خطابهم، ولقد ذكرتُ سابقا إلى أن الثقافة الإخوانية كانت تُصرَّف عبر منابر مجلاتية وأخرى جرائدية في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، لكن كل ما نشر من هذه الثقافة لم تكن خلفه مؤسسة إخوانية محلية، إنما كانت هناك حماسة فردية لتصريف ثقافة الإخوان كرسها إخوانيون مصريون كانوا يعملون في العراق كما ذكرنا ذلك، وتلامذة جامعة كانوا قريبين من هؤلاء الأساتذة، فضلاً عن تطلُّعات فردية أبدت إعجابها بالخطاب الإخواني، ولكن عندما صار لهذا الخطاب مؤسسة جمعاتية منظَّمة هي (جمعية الأخوة الإسلامية)، فإن تصريف مفردات عملها عبر وسائل إعلامية اكتسب قوة مضاعفة لأنه اعتمد على مرجعية مؤسساتية محلية ذات خطاب ديني ـ سياسي هذه المرة·
منبر إعلامي
في ضوء ذلك، تقدَّم أهل الدَّعوة الإخوانية للحصول على ترخيص بإصدار مجلة شهرية، وبالفعل جرى ذلك، وصدر العدد الأول من مجلة (الإخوة الإسلامية) في يوم الجمعة 21 / 11 / 1952 وتوالى صدورها برئاسة تحريرها الصوّاف الذي كان يكتب افتتاحية كل عدد·، وتبع ذلك شراء الجمعية مطبعة خاصة بهم لطباعة المجلة والمنشورات الدورية التي كانت تبسط ثقافة الدَّعوة الإخوانية للقارئ العادي، ولعناصر التنظيم والمريدين لثقافته وخطابه، ومع أن دُعاة عراقيين كانوا كتابا في المجلة إلا أن كتابا دعويين عرب كانوا أيضا يكتبون في المجلة، منهم: الشهيد سيد قطب، وعبد الوهّاب عزام، والشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي، والشيخ محمَّد بهجت البيطار، وتقي الدين الهلالي، والشيخ علي طنطاوي، والشيخ أحمد الشرباصي، والشيخ محمَّد نمر الخطيب، والشاعر عمر بهاء الدين الأميري، ومحمَّد عبد الله السمّان، وآخرين· لقد كان لهذه الأسماء اللامعة في عالم الكتابة الإسلامية أثرها الكبير في تثوير الوعي الديني الإخواني لدى أحناف بغداد، سواء لدى أعضاء التنظيم، نسوة ورجال، أم لدى عامّة المسلمين في المجتمع العراقي، وصارت المجلة، التي كانت تصدر بوتيرة نصف شهرية رغم أنَّ رخصتها كانت تشير إلى أنها تصدر أسبوعية، صارت محط عناية العراقيين وليس الإخوانيين·
ومنذ افتتاحيته العدد الأول بقلم الصوّاف، كانت المجلة قد حدَّدت خطابها الأيديولوجي في ضوء الحراك السياسي الدائرة رحاه بالعراق مطلع الخمسينيات، وصعود التيارات القومية والعَلمانية، قال الصوّاف في العدد الأول وهو يعرض لأهداف المجلة: (تهدف المجلة إلى مكافحة روح التفرنج، والانحلال بين النساء والرجال)، وأضاف في فقرة أخرى من الافتتاحية ذاتها: (أما النعرات الفكرية والاجتماعية والعصبيات والجنسيات والإقليميات والطائفيات في حدودها الضيقة فستلوي هذه المجلة عنقها وتصدُّ عنها!! وستعالج المجلة قضاياها في كثير من الجرأة والوضوح والإقدام في ضوء الإسلام، ووفقا لمبادئه العالية، وأحكامه القويمة)·
لقد كان كلام من هذا النوع يقال في الصحافة الإسلامية العراقية، فذلك أمر معتاد، لكن هذا المعتاد لم يكن ينطلق من وعي دعوي، وإن كان هشَّا، ويقصد في حراكه مناكدة خطابات فاعلة في البيت الأيديولوجي العراقي، كما هو حال الوعي الحركي لدى خطاب المجلة الإخوانية··كانت هذه الافتتاحية استفزازية للجوِّ العَلماني والشيوعي المستشري في العراق ذلك الزمان·
الكتلة الثالثة
وفي افتتاحية العدد التاسع عشر تناول الصوّاف موضوع الجهاد، فتحدَّث عن مراتب الجهاد، وهي: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين· وبالطبع لم يتحدث الصوّاف عن الجهاد رغبة في التذكير رغم تأكيده على ذلك، إنما حثَّ المسلمين العراقيين على الجهاد من أجل بناء الذات المُسلمة واستعدادها لمقارعة القيم العَلمانية الوافدة على المجتمع تلك التي تهدِّد بيضة الإسلام جذريا· وكان الصواف قد دعا في افتتاحية العدد السابع عشر من السنة الأولى إلى جعل الإسلام (الكُتلة الثالثة) بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية· وبينما كان (مجلس الأمة) العراقي يفتتح دورته في تشرين الثاني عام 1953 كتب الصوّاف مقالة في زاوية (صفحتنا السياسية) ناقدا أداء هذا المجلس فيما يتعلق بتطبيق عبارة (دين الدولة الرسمي الإسلام)، التي وردت في دستور الدولة (القانون الأساسي العراقي) الصادر في المرحلة الملكية عام ،1925 وناقدا في الوقت ذاته أداء المجالس النيابية التي (أصدرت تشريعات ناقضت مبادئ الإسلام الحنيف، وأبعدت الشريعة الغرَّاء عن ميدان الحياة العملية)· وفي العدد الثالث من السنة الثانية على صدور المجلة كتب الصوّاف في يناير 1954 مقالة عن (خطر الإلحاد) هاجم فيها حكّام العراق الذين سكتوا عن انتشار الإلحاد في المجتمع العراقي، وبقصد الإلحاد الذي كرسه الخطاب الشيوعي في البلاد·
وواضح جدا هنا أن الخطاب الإخواني العراقي كما كشفته افتتاحيات الصوّاف كان خطابا دعويا توْعَويا سعى إلى تنشيط وعي المسلمين بدينهم وبعقيدتهم وأركان إسلامهم، لكنه كان أيضا خطابا تحريضيا تصداميا هدفَ إلى تحذير المسلمين من الحركات العَلمانية كالشيوعية والرأسمالية التي وضعها الصوّاف في خانة الإلحاد·
ومع صدور العدد الرابع عشر للسنة الثانية في يوم الاثنين 9 آب (أغسطس) 1954 تسلّمت إدارة تحرير المجلة أمراً من الحكومة قضى بإيقاف صدورها، ومن ثم إلغاء ترخيص (جمعية الأخوة الإسلامية) في العراق، وإيقاف عمل الإخوان في كل المراكز والشعب والأقسام في كل أنحاء العراق، وبدا الموضوع أمراً واقعا لا اعتراض عليه لأن مرسوما ملكيا صدر بشأن حل وتجميد وإيقاف عمل ونشاط كل الأحزاب والجمعيات والجماعات بالبلاد·
ظل الإخوان في مدن العراق يبحثون عن منافذ للتعبير عن صوتهم وخطابهم في وقت علا فيه صوت الحركات العَلمانية في العراق، وبدت هزيمة الأصولية الإخوانية واضحة للعيان في المجتمع الحنفي، ومبعث نشوة لدى الشيوعيين والديمقراطيين والقوميين والبعثيين الذين بدأ عودهم يقوى ويُثرى، وهي النشوة التي ظلَّت تنمو من عام 1954 حتى إنشاء (الجبهة الوطنية العراقية) شباط عام ،1957 والتي ضمّت أحزابا عَلمانية وعروبية، شيوعية وديمقراطية وقومية، وشرعت في العمل على تقويض صور الحراك الدعوي الذي كانت تنتجه وتصرِّف مُعطياته الخطابات الأصولية الدينية في المجتمع العراقي من خلال أحد أهداف الجبهة الذي كان يسعى إلى إطلاق الحريات الديمقراطية والدستورية المستندة إلى قيم عّلمانية غير لاهوتية ودينية، وبالتالي الانتشاء بلذَّة الثورة التي كان يراهن عليها الشيوعيون والقوميون والبعثيون العراقيون، وبالفعل علا صوت الشيوعيين في سنوات الثورة لما لهم من قاعدة تنظيمية وشعبية واسعة في كل أنحاء العراق، و لما لهم من قاعدة ثقافية كبيرة، ورؤية تنظيمية أو هيكلية واضحة المعالم، فضلاً عن وضوح المنطلقات الفكرية والفلسفية والأيديولوجية، ناهيك عن التجربة الحزبية التي توطّدت منذ اندلاق الفكر الماركسي وصور الثقافة الشيوعية في العراق منتصف العقد الثالث من القرن العشرين، وإنشاء الخلايا الأولى للحزب الشيوعي منتصف الثلاثينيات في العراق حتى أيّام الثورة التموزيّة عام ·1958
مع ذلك لم يثن الحراك العلماني العمل الإسلامي، ولم يثن الأصوليين الإخوانيين من التحرُّك في تكريس خطابهم، فقد استمرَّت الحركة في العمل آخذة بنظر الاعتبار، وعلى نحو بسيط وربما ساذج، المتغيرات الجديدة التي ظهرت في مرحلة ما بعد النظام الملكي·
متسلحون بالإيمان
وفي هذا السياق نجح الشيخ الصوّاف من جديد في الحصول على ترخيص لإصدار مجلة أسبوعية جديدة حملت اسم (لواء الأخوة الإسلامية)، وبالفعل كان له ذلك وصدر العدد الأول في يوم الخميس 22 كانون الثاني (يناير) ،1959 أي بعد شهور قليلة على اندلاع ثورة عبد الكريم قاسم (1914 ـ 1963) عام 1958 ومنذ صدور العدد الأول أخذ الصوّاف يساير الحكومة القاسمية شكليا، فقد حمل هذا العدد صورة للزعيم قاسم على الصفحة الأولى، واستعان بمقولات قاسمية كشفت عن موقف الزعيم، وهو مسلم، من الأفكار الشيوعية والرأسمالية والقومية والشوفينية، قال الزعيم في هذا الصدد مما نشره الصوّاف في الصفحة الأولى من العدد الأول:' نحنُ شعب لنا ديننا الخاص، وإيماننا بالله، وسوف لا ترهبنا الأفكار الشيوعية أو الأمريكية أو الإنكليزية أو الفاشية؛ فنحنُ متسلحون بالإيمان، ونحنُ نثق بأنفسنا، ونخلص بأعمالنا، يريدوننا أنْ نضرب الشعب، ولكنّا سنعمل بالعكس على تغذية روحيته، وتوحيده، وتوجيهه الوجهة الصائبة، لكي يصبح كتلة واحدة، تعمل لمصلحة هذا البلد، وليس لمصلحة الغريب أو الأجنبي'·
وفي افتتاحية العدد ذاته أعاد الصوّاف منهج الدَّعوة نفسه الذي كان قد كتبه عام 1952 عندما صدر العدد الأول من مجلة (الأخوة الإسلامية)، لكنه أخذ بنظر الاعتبار متغيرات الحال في العراق، فتلك المجلة كانت قد صدرت في العهد الملكي، أما هذه فقدت صدرت في العهد الجمهوري، وكان عنوان المقال الافتتاحي فيها هو (أهداف الإخوة بين عهدين) ردد الصوّاف ما قاله بالحرف الواحد في افتتاحية مجلة الأمس، وزاد مبارِكا الثورة التموزية، ووصف عبد الكريم قاسم بأنه (القائد الهُمام)، وأمِلَ على حكومة الثورة أن (تسير بهدي الإسلام)·
وعكف في افتتاحيات الأعداد السبعة التالية التي صدرت من هذه المجلة على تناول القضية الفلسطينية، والفساد الخُلقي في المجتمع العراقي بحديثه عن الجنس الثالث، جنس الذكورة المائعة، لكن الذي قصم ظهر مشروع المجلة هو مقال نشرفي المجلة تحت عنوان (من أنتم؟ نحنُ لا نعرفكم!) هاجمت فيها المجلة الشيوعيين بلغة تشهيرية، وبعراء مُرٍّ لافت، وبأسلوب صارخ أعاد إلى الأذهان طروحات الإخوانيين ضد الشيوعيين في مجلة (الأخوة الإسلامية) سابقا·
وفي إثر صدور هذا العدد في 5 آذار ،1959 هاجمت عناصر من تنظيمات الشيوعيين في بغداد مقر المجلة، ودمروا ما فيه من موجودات، الأمر الذي كان منه أنْ أصدرت حكومة الزعيم أمرا بسحب الترخيص، وإنهاء كيان هذا المنبر الإخواني في العراق؛ لتطوى صفحة من صفحات العمل الحركي الإسلامي في العراق الحديث، وكان أمر سحب الترخيص موقعا من قبل أحد مثقفي الحزب الشيوعي العراقي وهو (ذنون أيوب) الذي كان يشغل منصب المدير العام للدعاية في وزارة الثقافة والإرشاد العراقية·
وعند ذاك لم يعُد للحركة شيء يُذكر، فقد غادر مراقبها العام (الصوّاف) العراق إلى دول الجوار، وانفرط عقد أهلها ودعاتها وعناصرها في ظل استفحال شأن الشيوعيين العراقيين خلف غطاء ثورة الزعيم قاسم، وأخذت قاعدتها الشعبية تتوارى عندما سادت ثقافة الحبال والسحل والحرق لرموز العمل الإسلامي الإخواني في بغداد، وتوارت الأصولية الإخوانية على نحو تراجيدي، ولكن لماذا؟·· نتابع الإجابة في الحلقة القادمة
أخْوَنة الحراك
سعى الصواف ، قدر استطاعته، إلى أخْوَنة خطابات هذه المنتديات والجمعيات، وكان بعضها قد اقتسم ما هو مشترك في العمل الإسلامي الذي تواءم مع عمل الخطاب الإخواني، غير أن غيرها آثر الاختلاف معه، وكان من ذلك الاختلاف أن تمَّ إبعاد الصوّاف عن (جمعية الآداب الإسلامية)، التي كان على رأسها الشيخ أمجد الزهاوي، عندما كان أعضاء فيها لا يحبذون وجود الصوّاف معهم، وذلك من خلال عدم ضمان ترشيحه في انتخابات الجمعية ما عنى يومها أن خطاب الصوّاف الإخواني لم يكن يروق لمؤسسي جمعية الآداب الإسلامية إنْ لم تكن هناك مجموعة من الأسباب غير معروفة·
إشكالية الاسم
كان الصوّاف والزهاوي وغيرهما الأتباع يعرفون أن القانون العراقي لا يجوِّز العمل الإسلامي تحت مسمى حزب أو جماعة أو جمعية لها مثيل في بلد عربي وإسلامي آخر، فكان الاقتراح أن يكون اسم التنظيم (جمعية الإخوَّة الإسلامية)، وكلمة الأخوَّة قريبة من كلمة الإخوان، وكانت هذه الجمعية الوليدة مثَّلت تيار الإخوان المسلمون العراقي، وكان من المؤسسين في هذه الجمعية محمَّد عاصم النقيب، والدكتور تقي الدين الهلالي، والشيخ محمَّد القزلجي، والشيخ إبراهيم الأيوبي، وعبد الرحمن خضر (1898 ـ 1957)، محمَّد طه الفياض العاني·
افتتاحية·· وبداية الخطاب
قال الصوّاف في العدد الأول وهو يعرض لأهداف مجلته : (تهدف المجلة إلى مكافحة روح التفرنج، والانحلال بين النساء والرجال)، وأضاف في فقرة أخرى من الافتتاحية ذاتها: (أما النعرات الفكرية والاجتماعية والعصبيات والجنسيات والإقليميات والطائفيات في حدودها الضيقة فستلوي هذه المجلة عنقها وتصدُّ عنها!! وستعالج المجلة قضاياها في كثير من الجرأة والوضوح والإقدام في ضوء الإسلام، ووفقا لمبادئه العالية، وأحكامه القويمة)·
ترخيص جديد
لم يثن الحراك العلماني العمل الإسلامي، ولم يثن الأصوليين الإخوانيين من التحرُّك في تكريس خطابهم، فقد استمرَّت الحركة في العمل آخذة بنظر الاعتبار، وعلى نحو بسيط وربما ساذج، المتغيرات الجديدة التي ظهرت في مرحلة ما بعد النظام الملكي· وفي هذا السياق نجح الشيخ الصوّاف من جديد في الحصول على ترخيص لإصدار مجلة أسبوعية جديدة حملت اسم (لواء الأخوة الإسلامية)، وبالفعل كان له ذلك وصدر العدد الأول في يوم الخميس 22 كانون الثاني (يناير) ،1959 أي بعد شهور قليلة على اندلاع ثورة عبد الكريم قاسم (1914 ـ 1963) عام ·1958

اقرأ أيضا

الشرطة البريطانية: طرد مريب في مطار مانشستر