تقارير

الاتحاد

المسلمون و«الجمهوريون»... أعداء أم حلفاء؟

يصعب الحديث عن انتخابات عام 2012 الأميركية دون التفكير في أن خطوط الصدع السياسية والدينية تخترق بعمق النسيج السياسي والاجتماعي الأميركي.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك حليفان سابقان هما الجمهوريون والأميركيون المسلمون، الذين سادت علاقتهم مؤخراً الصور النمطية وانعدام الثقة وغياب التواصل. فالحزب الجمهوري موصوم عادة بالرهاب الإسلامي بشكل يائس، كما أن المسلمين في نظر بعض متطرفي اليمين الأميركي "طابور خامس". ولذا أصبح البعض يعتقد أن العلاقة بين الطرفين تعاني من خلافات مزمنة.
ولكن ليس الواقع بهذا الشكل التبسيطي، فهناك تاريخ طويل أيضاً من التعاون بين الجمهوريين والأميركيين المسلمين، وما زالت بعض جسوره موجودة إلى اليوم، حتى في أميركا ذات نظام الحزبين الذي يبدو أحياناً وكأنه يعزز الفرقة.
وقبل 11 سبتمبر بوقت قليل صوّتت غالبية الأميركيين المسلمين لصالح الجمهوريين. وكان الأمر وقتها يتعلق بقضايا ثقافية مثل رفض مشاهد الانحلال والعنف على محطات التلفزة، والسياسة الخارجية، حيث اعتبر المسلمون الجمهوريين على أنهم الحزب الذي سيدعم على الأرجح المسلمين في الخارج، بمن في ذلك الفلسطينيون والبوسنيون والأفغان. وما زال صدى العديد من هذه القضايا يرن في أذهان الأميركيين المسلمين.
وقد حث الشيخ حمزة يوسف، وهو زعيم أميركي مسلم معروف، المسلمين عام 2010 على "تشكيل تحالفات استراتيجية" مع المحافظين "وإدراك أننا نشترك في كثير من عناصر الأرضية المشتركة"، ويضيف الشيخ حمزة أن "الجنس قبل الزواج وخارجه، وانحلال الأسرة وانتشار الدعارة والإباحية والمخدرات" كلها من الأمور المقلقة المشتركة.
وقد انجذب كثير من الأميركيين كذلك إلى الأفكار الليبرالية لعضو الكونجرس من ولاية تكساس والمرشح الرئاسي الجمهوري رون بول. وفي الوقت الذي يفضّل فيه المحافظون تشريع القضايا الاجتماعية وسلطات واسعة للشرطة وسياسة عسكرية متشددة، فـإن المرشح البالـغ من العمـر 76 سنة عارض بشدة "قانون الوطني" (Patriot Act)، الذي تمت صياغته بعد 11 سبتمبر ليزيد من سلطات الحكومة في مراقبة المواطنين، كما وعد بإبقاء أميركا خارج النزاعات الدولية، التي تضم غالباً دولاً مسلمة.
وكان المسلمون الذين غالباً ما يتذمرون من اعتبارهم وحدة واحدة جامدة، قد بدأوا يدركون أن الحزب الجمهوري يضم العديد من الفلسفات السياسية المتنوعة، والليبرالية واحدة منها فقط. وهناك أيضاً محافظون ماليون ومحافظون اشتراكيون ومحافظون جدد والمحافظون القدامى والجمهوريون الليبراليون وأتباع حفل الشاي. ويمكن للمسلمين أن يتفقوا مع أي من هذه الفلسفات أو حتى مع العديد منها.
وعلى رغم أن بعض المحافظين رفضوا المسلمين متأثرين بطروحات رهاب إسلامي مزمن، فقد كانت هناك استثناءات مثيرة للانتباه. مثلاً قام حاكم ولاية نيوجيرسي كريس كرستي، وهو مرشح لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2016، ليس فقط بتعيين محامٍ مسلم هو سهيل محمد قاضياً كبيراً في محكمة الولاية العليا السنة الماضية، وإنما بادر أيضاً برفض المنتقدين الذين ادّعوا أن القاضي الجديد سيفرض الشريعة الإسلامية، معتبراً إياهم متحاملين.
وكذلك أنشأ المرشح الرئاسي والمسيحي الإنجيلي ريك بيري حاكم ولاية تكساس علاقات جيدة مع المسلمين في ولايته.
ووبخ الجنرال كولين باول الجمهوريين عام 2008 لمهاجمتهم أوباما على أنه مسلم متخفٍّ، قائلاً: "وما المشكلة إذا كان كذلك؟ هل هناك شيء خاطئ في كون الإنسان مسلماً في هذا البلد؟ الجواب طبعاً: لا".
وعلى رغم أن المسلمين المعروفين بشكل أكبر في السياسة الأميركية اليوم هم من الديمقراطيين، مثل عضوي مجلس الشيوخ كيث إليسون من مينيسوتا وأندريه كارسون من إنديانا، فإن العديد من المسلمين برزوا في السياسة المحافِظة، مثل سهيل خان الذي كان مدير السياسة والمسؤول الصحفي لدى عضو مجلس الشيوخ الجمهوري توم كامبل من ولاية كاليفورنيا، وقد عمل فيما بعد في إدارة بوش.
كما برز ريحان سلام باعتباره واحداً من الأصوات الرئيسية في الطرح المحافظ، وهو يكتب في مجلات محافظة وشارك عام 2010 في تأليف كتاب "حزب جديد عظيم: كيف يستطيع الجمهوريون كسب الطبقة العاملة وإنقاذ الحلم الأميركي".
وفي الوقت الذي تظهر فيه هذه الأمثلة وغيرها أن "الجمهوري المسلم" ليس بالضرورة مفارقة في التعبير، إلا أن الأرقام تشير أيضاً إلى أن الجمهوريين والمسلمين لا يتحاورون الآن بقدر ما كانوا يفعلون في الماضي.
وقد وجد استطلاع أجراه مركز "بيو" في شهر أغسطس الماضي أن 70 في المئة من الأميركيين المسلمين يميلون نحو الحزب الديمقراطي، مقارنة بِـ11 في المئة يميلون إلى الحزب الجمهوري.
وإذا أخذنا هذه النقاط المشتركة بعين الاعتبار نجد أن الجمهوريين ليسوا بحاجة لإجراء تغييرات كبيرة لاستعادة بعض المسلمين على الأقل، وإنما يجب عليهم التعامل مع جذور الرهاب من الإسلام التي تنبع من داخل حزبهم. ويمكن للتعامل مع الصور النمطية تجاه المسلمين وتصحيح أخطائها داخل الحزب أن يحقق الكثير.


عمر ساكربي
كاتب متخصص في الشؤون الدينية

ينشر بترتيب مع خدمة
«كومون جراوند» الإخبارية

اقرأ أيضا