تقارير

الاتحاد

بوتين العائد للكريملين... هل تغيّر؟

عبر أبواب الكرملين المذهبة، ووسط تصفيق النبلاء المعاصرين، يدلف بوتين لحجرة عرش القياصرة اليوم الاثنين عائداً لسدة الرئاسة في روسيا، لكن كحاكم أوتوقراطي أضعفت صلاحيته على نحو خطير هذه المرة. فالاحتجاجات التي هبت في ديسمبر الماضي نالت من صورته كرجل قوي، وأطلقت مكائد القوى الواقفة وراءه، والعاقدة العزم على الاحتفاظ بسلطتها ومزاياها، رغم الأصوات المنادية بالديمقراطية والإصلاح. وهذا الصراع ينبئ بأيام صعبة وغير متيقن منها بالنسبة لروسيا، خصوصاً وأن بوتين يتعرض لضغوط قد تدفعه لإظهار مزيد من العضلات، وليس إبداء الرغبة في المصالحة.
يوضح فلاديمير باستوكوف، أستاذ العلوم السياسية والأستاذ الزائر بأكسفورد، ذلك بقوله: "بوتين بحاجة لأن يكون قوياً... وإن لم يفعل فسوف يجد آلاف السكاكين مصوبة لظهره في اليوم التالي".
ومن المعروف أن بوتين قد حكم روسيا منذ عام 2000، والسنوات الأربع الأخيرة حكم رئيس وزراء، ارتضى الشعب خلالها، حتى ديسمبر من العام الماضي، باليد القوية التي تضمن له اليقين والاستقرار، بدلاً من الديمقراطية، وما يرتبط بها من تطورات قد لا يكون من الممكن التنبؤ بمحصلاتها النهائية.
في ديسمبر الماضي، أعلنت أقلية مهمة اقتصادياً، ومسموعة الصوت، استبد بها الغضب جرّاء التلاعب بالانتخابات البرلمانية، عن نهاية تلك الصفقة مع بوتين، وخرجت للشوارع احتجاجاً على ما حدث. وقد أدى حماسها، وجسارتها التي لا تعرف الخوف، لهز ما كان بوتين يطلق عليه"قوته العمودية" المبنية على خط سلطوي يبدأ من الكرملين في القمة، وحتى قاعة البلدية في أصغر مدينة روسية في القاع. بحلول مارس، وعندما اُنتخب بوتين رئيساً بأغلبية 64 في المئة من الأصوات، بدأت الشكوك المتعلقة بشرعيته في الظهور، مما أدى إلى حشره في زاوية ضيقة، ووضع روسيا بالتالي على طريق الخطر.
ومعظم الناس في روسيا باتوا يتوقعون أن الطريق للإصلاح الديمقراطي سوف يكون طويلاً ومضطرباً، بل يخشون أن يتحول للفوضى. ويمكن القول إنه ما من أحد في روسيا بات يعرف على وجه التقريب ما الذي يكمن في المستقبل، بعد انتهاء مراسم تنصيب الرئيس لفترة ولاية تمتد لست سنوات.
وخلال سنوات حكمه، أصبح بوتين حامياً لجيش من المسؤولين والمديرين في مختلف أرجاء روسيا، ممن يتمتعون بسلطات هائلة ويحققون مكاسب طائلة، وينالون ما يرغبون في الحصول عليه طالما ظلوا محافظين على ولائهم له. وفي الوقت الراهن، وبعيداً عن الأنظار، تدور معركة في معسكر أنصار بوتين بين المتشددين المصرين على أن القيام بحملة لا هوادة فيها على المعارضين هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذهم، وبين العناصر الأكثر تقدمية التي تحث على الإصلاح.
والمجموعة الثانية ترى أن الضرورة تستدعي إتاحة المجال أمام المعارضين للتنفيس عن غضبهم مع العمل في الآن ذاته على فتح روسيا أمام النمو الاقتصادي. بيد أن المشكلة تكمن في حقيقة أن بوتين لو جرؤ على مواجهة المتشددين، وفيهم مجموعة من المسؤولين الأمنيين ورجال الصناعة المقربين من دائرته الضيقة، فإنه قد يغامر باحتمال دفع تلك الفئة للتآمر ضده. ومن ناحية ثانية، إذا لم يتمكن من تهدئة الاحتجاجات، فإنه قد يجد نفسه في مواجهة هبة شعبية. الاحتمال الأرجح هو أن بوتين سيلجأ إلى الـ"سيلوفيكي" Siloviki -كلمة روسية تطلق على أعضاء الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية الذين يمتلكون القوة والسلاح- طلباً للدعم، كما يقول "ديميتري أوريشكين" منظم رابطة الناخبين، التي تأسست بداية العام الحالي للدعوة لانتخابات نزيهة.
يقول أوريشكين: "على الأرجح، لن يكون ذلك بذات القدر من الصرامة الذي كان عليه أيام الاتحاد السوفييتي، لكن يتوقع أن يكون أشد قسوة مما كان عليه قبل خمس سنوات".
لكن "بوريس ماكارينكو"، نائب مدير مركز التقنيات السياسية بموسكو، يختلف مع هذا الرأي ويقول: "إن بوتين العائد للكرملين اليوم ليس هو بوتين الذي غادره منذ أربع سنوات". ويوضح ما يقصده بقوله: "لقد غادره في ذروة نمو اقتصادي، وتفاؤل بشأن زيادة مستوى الرفاهية والرخاء. أما الآن فسوف يكون حذراً، وحريصاً، ومتردداً لأنه يدرك أن تنمية روسيا وتطوير اقتصادها يتطلبان لاعبين مستقلين في مجال الأعمال والحياة العامة، لكنه في الآن ذاته يشعر بغريزته المستمدة من سنوات عمله الاستخباراتي لوضع كل شيء تحت السيطرة".
وقد فسرت "ليلى شيفتسوفا"، رئيسة البرامج الروسية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، هذه النقطة في تصريح لها الشهر الماضي قالت فيه: "من المعروف أنه إذا ما أرخى حكام روسيـا قبضتهم علـى الزمـام فإنهم يفقدون السلطة". وتضيف شيفتسوفا: "وهم لذلك ليسوا مستعدين للانتحار بطريقة الهاري كاري، بل يضعون نصب أعينهم دائماً تجربة جورباتشوف عندما أدت سياساته في اللبرلة إلى ترك النخبة في الاتحاد السوفييتي السابق من دون سلطة، ومن دون كرملين، ومن دون دولة".
ويعتقد "ستانيسلاف بيلكوفسكي"، مدير معهد الاستراتيجيات الوطنية في موسكو، أن "روسيا دخلت مرحلة الـبيروسترويكا-2". ولمزيد من التوضيح يقول: "إذا ما قدم بوتين إصلاحات من أجل ترسيخ شرعيته، فسوف يطلق نفس النوع من القوى التي لا يمكن التحكم فيها من عقالها. وإذا لم يفعل شيئاً فإن ذلك ينطوي على مخاطره الخاصة، لأن النظام الحالي قد ولد حكومة غير كفؤه تعتمد على أسعار النفط المرتفعة من أجل البقاء، رغم كل ما يقال عن تنويع الاقتصاد. وإذا ما انقلبت الظروف الاقتصادية للنقيض فإن البلد بأكمله سينقلب على بوتين".

كاثي لالي
موسكو

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا