الاتحاد

تقارير

«أولاند»... حصاد العام الأول في رئاسة فرنسا

سارا ميلر لانا
باريس

عندما انتُخب العام الماضي، أصبح الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أول رئيس اشتراكي للبلاد يقطن قصر الإيليزيه منذ عقدين تقريباً. الآن وبينما تحل ذكرى مرور عام على ذلك، يواجه أولاند أيضاً سابقة أخرى: إذ يعتبر اليوم الرئيس الأقل شعبية في تاريخ الجمهورية الخامسة، ذلك أن ثلاثة أرباع الفرنسيين غير راضين عن أدائه خلال عامه الأول من الرئاسة، والآلاف منهم تجمعوا في شوارع باريس يوم الأحد ليوضحوا تلك الرسالة.
«ليسقط التقشف!» واحد من الشعارات التي رفعها بعض اليساريين الغاضبين، الذين يقولون إن أولاند لم يقم بما يكفي للدفاع عن الفرنسيين من تقليص ميزانية الاتحاد الأوروبي.
«أولاند»، الذي يرتدي نظارات طبية، ولقب بـ «السيد العادي»، انتُخب رئيساً للتغيير، إذ اعتُبر نقيضاً للرئيس السابق «نيكولا ساركوزي» ذي النزعة «اليمينية»، والذي أغضب أسلوبه المبهرج، ومن ذلك زواجه من عارضة أزياء أثناء فترة رئاسته، الكثير من الفرنسيين. وكان «أولاند» قد وعد بالتقليل من الكلام والتركيز على العمل، والإبقاء على أزمة الديون الأوروبية بعيداً عن فرنسا، مع حماية نظام الضمان الاجتماعي الذي يفخر به الفرنسيون.
والأكيد أن الأزمة الاقتصادية نالت من شعبية الرؤساء عبر العالم كله: فأن تكون ذا شعبية اليوم أضحى أمراً استثنائياً. غير أنه مع ازدياد الدين العام واستمرار البطالة في الارتفاع، اكتسب «أولاند» سمعة، باعتباره غير فعال في أفضل الحالات، وعديم الكفاءة في أسوئها. أما الإنجازات التي حققها خلال عامه الأول، خاصة تدخله العسكري في مالي، فقد غطى عليها تشاؤم مستمر من أن فرنسا باتت تسير على طريق غير أكيد.
وفي هذا الإطار، يقول «جاي كاركاسون»، أستاذ القانون بجامعة نانتير لاديفانس: «إن المهمة الرئيسية بالنسبة لأي رئيس هي أن يعطي معنى لرئاسته، من خلال معنى واتجاه». وقد يتفق الفرنسيون مع ذلك الاتجاه أو يختلفون، يضيف كاركاسون، كما أنهم يدركون حدود الرئاسة وإكراهاتها، خاصة بعد عام فقط في السلطة. «ولكن ما لا يسامحونه هو هذا الشعور بأنه لا يعرف إلى أين ينبغي الاتجاه».
وفي استطلاع للرأي أجرته مؤخرا مجموعة «بي في إيه»، قال 24 في المئة فقط من المستجوَبين إنهم راضون عن أداء أولاند في عامه الأول في السلطة، وهو معدل يعتبر دون معدلات الرؤساء السابقين خلال الخمسين عاماً الماضية بكثير، بما في ذلك معدل ساركوزي المثير للجدل.
ويلعب الاقتصاد دوراً مركزياً في المزاج المتكدر في فرنسا، حيث يقول 80 في المئة إنهم شعروا شخصياً بتأثيرات الأزمة الاقتصادية، حسب استطلاع حديث للرأي لـ«يو-جوف- كامبريدج». ويظل «أولاند» عالقاً بين الحاجة إلى النمو والتنافسية، وجمهور يعارض بقوة خفض الإنفاق وإدخال إصلاحات على قوانين العمل من شأنها جعل سوق العمل أكثر مرونة.
والواقع أن مشاكل فرنسا الاقتصادية بدأت قبل انتخاب «أولاند» في مايو 2012، ولكنه فشل في وقف البطالة المتصاعدة، التي تزداد شهراً بعد آخر منذ قرابة عامين، وإنْ كانت بلدان أخرى من جنوب أوروبا تعتبر أسوأ حالاً بكثير. ووفق منظمة العمل الدولية، فإن البطالة في فرنسا بلغت 10?6 في المئة؛ هذا في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي ركوداً جديداً في البلاد.
وفي الأثناء، عُرقلت أحد الموضوعات الرئيسية في برنامج «أولاند» الانتخابي، ضريبة 75 في المئة على الأغنياء، من قبل المحاكم، وأدت إلى كارثة علاقات عامة، حيث قرر الممثل «جيرار ديبارديو» الفرار من البلاد. وإضافة إلى ذلك، فإن مشاكل «أولاند» الداخلية تركته من دون صوت قوي في الاتحاد الأوروبي، بعد أن كان الكثير من الفرنسيين يأملون أن يشكل ائتلافاً مضاداً للتقشف ضد ألمانيا.
والنتيجة هي أن الكثيرين باتوا يشعرون بأن زعيمهم هو شخص لا يعرف الاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه، كما يقول «دان كاسترو»، وهو صاحب متجر لبيع الملابس الرجالية في باريس، مضيفاً «إنه يخطو خطوة إلى الأمام، ثم يقوم بخطوتين إلى الوراء. ولذلك، فإن الفرنسيين يخشون ألا يكون لدى زعيمهم أي اتجاه».
«أولاند» اعترف بمعدلاته شعبيته المتدنية في مقابلة مع وكالتي «رويترز» ووكالة الصحافة الفرنسية، ولكنه دافع عن عامه الأول إذ قال: «إنني أدرك مدى خطورة الوضع. ولكن من واجب الرئيس مواصلة النهج نفسه والنظر إلى ما وراء الصخب والضجة الحالية. وهذا اسمه المثابرة والمواظبة».
وأضاف يقول: «يستطيع الناس انتقاد قراراتي، أو الاعتقاد بأنني أسير في الاتجاه الخطأ، أو بأنني لم أسلك الطريق الصحيح، ولكن إذا كان ثمة شيء أنا متأكد منه، فهو أنني اتخذتُ قرارات مهمة جداً بالنسبة لفرنسا- قرارات في ظرف 10 أشهر أكثر بكثير مما اتخذ في ظرف 10سنوات».
وكان «أولاند» قد تلقى شحنة من الدعم في وقت سابق من هذا العام، بعد أن أذن للجيش بالتدخل في مالي من أجل وقف تقدم متمردين مرتبطين بالقاعدة نحو الجنوب، بعد أن احتل هؤلاء شمال البلاد عقب انقلاب عسكري في مارس الماضي. كما نجح في الدفع ببعض قوانين العمل إلى الأمام. ولكن هذين الانتصارين سرعان ما غطت عليهما احتجاجات على قراره تقنين زواج المثليين، الأمر الذي أثار غضباً غير متوقع ودفع الكثيرين للخروج إلى الشوارع.
فبينما كان يدفع في اتجاه إنجاز وعد انتخابي بتقنين زواج المثليين والإجهاض، خرج عشرات الآلاف للاحتجاج على هذه الخطوة. وإذا كان بعض أولئك المحتجين محافظين يقولون إنهم يناضلون فقط من أجل الحفاظ على المفهوم التقليدي للعائلة، فإن آخرين انضموا إلى هذه الحركة فقط كتصويت بحجب الثقة عن «أولاند». وفي الأثناء، أخذ الحديث عن «الثورة» يُسمع على نحو متزايد في الشوارع، وبالنسبة لكاسترو (بائع الملابس)، فإن الخيار الوحيد الممكن حالياً يكمن في تنحي «أولاند» عن الرئاسة قبل نهاية ولايته إذ يقول: «إذا كان يحب فرنسا، فهذا ما سيفعله... تماما مثلما فعل البابا من قبله!»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا