الاتحاد

حواء في عيون الزمن (2)


كان الأب عند اليهود إذا ترك عقاراً فيعطيها من العقار، أما إذا ترك مالاً منقولاً فلا شيء لها من النفقة والمهر· إن منطق الفكر اليهودي بالنسبة للمرأة ينطلق من مسؤولية المرأة عن الخطيئة الأولى والتي جلبت المتاعب للجنس البشري وضرورة تسلط الرجل عليها واستعبادها· فحقوق المرأة اليهودية مهضومة كلية في الديانة اليهودية، وتعامل كالصبي أو المجنون وزوجها له حقوق لا تكاد تقابلها واجبات تتناسب مع ما له من سلطات وسلطان على زوجته، كما أن تعدد الزوجات كان شائعاً غير محدد ويخضع لرغبة الزوج واقتداره، ولم يعارضه القانون الشرعي أو الوضعي· هذا وقد أورد الكتاب بعض الأحكام العبرية في قضية الزواج والطلاق منها: سلطة الزوج على الزوجة في أمور التربية وتعليم أمور الدنيا وعليه أن يستعملها في محلها مع الحكمة والاعتدال· مال الزوجة ملك لزوجها وليس لها سوى ما فرض لها من المهر في عقد الزواج تطالب به بعد موته أو عند الطلاق· وكتب اليهود المقدسة تعتبر المرأة مجرد متعة جسدية، والمرأة في التلمود وهو الكتاب الثاني من كتب اليهود بعد التورارة يقول: إن المرأة من غير بني اسرائيل ليست إلا بهيمة لذلك فالزنا بها لا يعتبر جريمة لأنها من نسل الحيوانات، وكذلك يقرر التلمود أن المرأة اليهودية ليس لها أن تشكو من زوجها إذا ارتكب الزنا في منزل الزوجية· ويخلص الكاتب من هذا فيقول: ينطلق منطلق الفكر اليهودي بالنسبة للمرأة من مسؤوليتها عن الخطيئة الأولى وبالتالي هي التي جلبت المتاعب للجنس البشري، وضرورة تسلط الرجل عليها واستعبادها لتلد له الأولاد، فكل ما دخلت به من المال على ذمة الزوجية، وكل ما تلتقطه، وكل ما تكسب من سعي وعمل، وكل ما يهدى إليها في عرسها ملك حلال لزوجها يتصرف به كما يشاء بدون معارضة· وليس للمرأة أن تطلب الطلاق مهما كانت عيوب زوجها حتى لو ثبت عليه الزنا وتتيح الشرعية اليهودية للرجل الحق المطلق في طلاق زوجته دون قيود أو شروط متى شاء وكيفما شاء، ولم يسمح للزوجات أن يطلبن الطلاق، وفي ذلك يقول سفر التثنية الإصحاح 24 الآية الأولى: إذا لم تكن الزوجة لدى زوجها موقع القبول والرضا، وظهر منها ما يشينها، فإنه يكتب إليها ورقة طلاقها ويخرجها من منزله · والغريب أنه في الديانة اليهودية المحرفة شهادة مائة امرأة تعادل شهادة رجل واحد· ولعل النموذج اليهودي للحجاب هو أكثر النماذج تشدداً أو تخلفاً أو أكثرها حجباً للمرأة عن المجتمع حيث إنهم عزلوا المرأة نهائياً عن المشاركة في الحياة الاجتماعية وحملوها ضريبة قاسية فيما لو فعلت ذلك، يقول ولديورانت: كان في وسع الرجل أن يطلق زوجته إذا عصت أوامر الشريعة اليهودية بأن سارت أمام الناس عارية الرأس أو غزلت الخيط في الطريق العام، أو تحدثت الى مختلف أصناف الناس أو إذا كانت عالية الصوت، أي إذا كانت تتحدث في بيتها بحيث يستطيع جيرانها سماعها، ولم يكن عليه - أي الزوج - في هذه الأحوال أن يدفع لها بائنتها · كما ينقل عن اليهود أنهم إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤكلوها، ولم يشاربوها ولم يجامعوها - أي يجتمعوا معها - في البيت· كما ورد في كتاب التثنية فرض زواج المرأة الأرملة من أخو زوجها (إذا سكن أخوه معاً ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت الى خارج لرجل أجنبي· أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخي الزوج، والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يمحى اسمه من اسرائيل)·
وفي انجلترا صدر أمر ملكي من هنري الثامن يحظر على المرأة قراءة الكتاب المقدس، ولم يكن للمرأة حتى عام 1882 الحق في التملك، كما أن شخصية المرأة في انجلترا محجوبة بشخصية زوجها ولم يرفع عنها هذا الحجر إلا بحلول عام ،1870 ثم صدر قانون عام 1883 باسم ملكية المتزوجة وبمقتضاه رفع عنها هذا الحجر· وفي إيطاليا خرج قانون صدر عام 1919 المرأة من عداد المحجور عليهم· وفي ألمانيا وسويسرا عدلت القوانين الصادرة في أوائل القرن العاشر من قواعد الحجر على المرأة، وأصبح للزوجة مثل ما لزوجها من حقوق·
وفي الجاهلية حصلت المرأة العربية في الجاهلية على بعض الحقوق فكان يحق للفتاة أن ترى خطيبها أو زوجها في المستقبل قبل زواجها··· وساعدت مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والعسكرية والثقافية على فوزها ببعض المزايا في ذلك العهد·· فالمرأة في الجاهلية، أي ما قبل الإسلام اشتهرت بالشجاعة·· وكان تعدد الزوجات في الجاهلية بغرض التفاخر والتباهي لأن شيوخ القبائل كانوا يرغبون في التفاخر بأن لديهم عدداً كبيراً من الزوجات والأبناء··· وبالطبع انتشرت في الجاهلية جريمة وأد البنات·· فكان يتم قتل البنات بعد الولادة اعتقاداً منهم بأن إنجاب البنات يجلب العار للآباء كما قال الله تعالى في كتابه المبين وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون · وكان الوأد يتم في صور قاسية إذ كانت البنت تدفن حية! وكانوا يتفننون في هذا بشتى الطرق، فمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها، وزينيها، حتى أذهب بها الى إحمائها! وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها دفعاً، ويهيل التراب عليها· وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة، محفورة، فإذا كان المولود بنتاً رمت بها فيها، وردمتها، وإن كان ابناً قامت به معها، وبعضهم كان إذا نوى ألا يئد الوليدة، أمسكها مهينة، الى أن تقدر على الرعي، فيلبسها جبة صوف أو شعر، ويرسلها في البادية ترعى له إبله··· ·
المرأة في الإسلام عندما هبط الوحي على سيدنا محمد حاملاً الدين الإسلامي ليكون آخر الأديان السماوية حمل معه فجراً جديداً لحواء انبثق مع أولى الإشارات بأن تكون أول من آمن بعد الرسول عليه الصلاة والسلام امرأة هي السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وقد حمل القرآن الكريم آيات عديدة توصي بحسن معاملة النساء·· منها سورة كاملة عن النساء··· وقد استطاع الإسلام أن يعطي لحواء كافة الحقوق التي حرمت منها في الحضارات السابقة مثل حق المساواة في العبادات والتشريعات وحقوق التعليم والعمل والميراث كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بحسن معاملة البنات ويسعد عندما يُبشر بأن زوجته أنجبت له فتاة ويُبشر الرجل الذي يرزق بالبنات ويحسن تربيتهن بالجنة·· بل وقد وضع الإسلام الجنة تحت أقدام الأمهات بعد أن كان العالم يعتبرهن لعنة على اعتبار أن حواء أغوت آدم والإسلام هو الذي يدافع عن ذلك، فلم يلزم المرأة وحدها كغير المسلمين، بل اتخذ الإسلام موقفاً سليماً منصفاً، فيقول الله تعالى: فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه (البقرة 36) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما (الأعراف 20)·
ويقول عن توبتهما: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا · وعن حق اختيار الزوج، عن عائشة رضي الله عنها تقول إن فتاة دخلت عليها فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، قالت اجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل الى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء من الأمر شيء··· (النسائي)·
وجعل المرأة خير متاع الدنيا، فعن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة··· (مسلم)، ووضعت الشريعة الإسلامية حقوق المرأة في الزواج والطلاق والميراث التي كانت محرومة منه في العصور السابقة·· وأصبح للمرأة في الإسلام دور هام في الحياة الاجتماعية والعسكرية، ويشهد التاريخ أنها شاركت مع الرجال في عدد من الغزوات العسكرية وأبلت بلاءً حساً وحصدت ثمار التعليم لتصبح امرأة مثقفة وأديبة وبارعة في الشعر الى جانب العلوم والتمريض والتفقه في أمور الدين والدنيا·
فاطمة مبارك الفلاحي - أبوظبي

اقرأ أيضا