الاتحاد

الاقتصادي

النقص في العمالة الماهرة يجتاح العالم

إعداد - محمد عبد الرحيم:
غني عن البيان ان العالم بأجمعه اصبح يعاني الأمرين من ظاهرة النقص في العمالة الماهرة ولأسباب تتفاوت من مكان الى آخر، ولكن من المؤكد ان توسعة الاتحاد الأوروبي لكي يصبح 25 دولة نصفها من الفقراء اتاح فرصة نادرة للحرفيين الماهرين في الدول الشيوعية السابقة وبخاصة من بولندا الى اجتياح الأسواق الأوروبية التقليدية الراسخة، وبشكل ادى الى اختلال المقاييس وانخفاض الأجور في هذه الدول الغنية واثار سخط شعوبها في كثير من الاحيان، بل ان هذا الأمر جاء ليتزامن مع انتشار مفهوم التعهيد أو ما اطلق عليه بالانجليزية (Out-Sourcing) الذي ينصب على أداء الأعمال في المناطق الأرخص تكلفة وبأجور أقل عبر وسائل التكنولوجيا التي ما فتئت تشهد التطور المتسارع وبخاصة في الهند· أما في كوريا الجنوبية فعلى الرغم من الازدهار الهائل الذي كان متوقعا لشركات التشييد والانشاءات بسبب ارتفاع اسعار النفط عالميا وبالتالي زيادة الطلبيات على مشاريع بناء المصافي ومصانع الغاز والبتروكيماويات وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط إلا ان النقص المروع في أعداد العمال المهرة ظل يمسك بخناق هذه الصناعة ويكبح من قدرتها على الانطلاق، والغريب ايضا ان الولايات المتحدة الأميركية - الاقتصاد الأكبر في العالم - لم تستطع الفكاك من حبائل المشكلة لاسباب تتعلق في مجملها بانخفاض الأجور وقلة الانفاق على برامج التدريب وفي السطور التالية نلقي الضوء على أزمة العمال الماهرة والمدربة حول العالم·
12 عاما يحتاجها المهندس بعد تخرجه لصقل خبرته
شركات التشييد الكورية تعاني من نقص العمالة في تنفيذ عقودها بالخليج
يبدو ان اسعار النفط المرتفعة لم تجلب السعادة فقط الى كبار منتجي النفط في العالم بل ايضا الى شركات الانشاءات والتشييد في كوريا الجنوبية، فالازدهار الهائل في اعمال الانشاءات في وراء البحار ادى الى طفرة في مستوى الارباح التي ظلت تستدرها شركات المقاولات الكورية الذين استمروا يعانون من تأرجح وقلة اوامر الشراء في الداخل·
وكما ورد في صحيفة 'الفاينانشيال تايمز' مؤخرا فإن طلبات الانشاءات من الخارج شهدت قفزة بحوالي 70 في المائة الى 7,9 مليار دولار في فترة الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي معظمها من منطقة الشرق الأوسط، إلا ان هذا الطلب المتصاعد على بناء المصافي النفطية ومصانع الغاز والبتروكيماويات قد دفع بشركات المقاولات الكورية الجنوبية بما فيها شركات هايونداي للهندسة والانشاءات الأكبر في الدولة في مجال التشييد للبحث عن توظيف المزيد من المهندسين الذين يتمتعون بالخبرة والمهارة، وكما يقول كيم يون ايل المدير العام للموارد البشرية في هايونداي للهندسة: 'لقد بتنا نشهد نقصا مروعا في المهندسين الخبراء في الوقت الذي نفوز فيه بعدد وافر من طلبيات انشاء المصانع الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط، لقد اصبحنا في حاجة ملحة للمشرفين الذين يضطلعون بمسؤولية مشاريع الانشاءات في وراء البحار'·
الانتعاش في الشرق الاوسط
وذكر ان الطلبيات من منطقة الشرق الأوسط تضاعفت من مستوى 5,1 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بحيث شكلت 74 في المائة من اجمالي الطلبيات من وراء البحار، هذا بالاضافة الى ان عمليات الانشاء في آسيا تستفيد من عودة الانتعاش للاقتصاد في المنطقة· والآن فقد باتت الحكومة الكورية تتوقع طلبيات ما وراء البحار بمقدار تصل الى 10 مليارات دولار في هذا العام·
وقد احكمت هايونداي قبضتها على الحصة الأكبر في الطلبيات بقيمة بلغت 2,12 مليار دولار تليها شركة 'اس كيه' للهندسة والانشاءات بقيمة 1,67 ثم شركة جي اس للهندسة والتشييد بقيمة 936 مليون دولار، وتقدر الحكومة ان كوريا الجنوبية لديها الآن حوالي 4000 مستخدم يعملون في الخارج في مجال الانشاءات ولكنها لاتزال تحتاج الى حوالي 1,400 مستخدم اضافي خلال السنوات الثلاث المقبلة في الوقت الذي يستمر فيه الطلب في ازياد من منطقة الشرق الأوسط مع ارتفاع اسعار النفط، وحيث اندفعت الدول في منطقة الشرق الأوسط الى بناء المصافي ووحدات الطاقة·
ووفقا لوزارة التشييد فإن خمس دول من بينها الامارات والسعودية وليبيا وايران بدأت تشهد نموا في الدخل السنوي بمعدلات تقترب من 30 في المائة خلال فترة الثلاثة اعوام الماضية، الا ان النقص في العمالة الماهرة في مجال الهندسة المدنية اصبح يمثل مشكلة عامة للعديد من شركات التشييد العالمية، ولكنها ظلت اكبر تفاقما وحدة في كوريا الجنوبية نظرا لأن العديد من الشركات عمدت الى خفض عمالتها في ما وراء البحار بشكل هائل بعيد الازمة الاقتصادية التي ضربت جنوب شرق آسيا في عام ،1997 إذ يقول ييم بايونغ جو مدير الاعمال التجارية في مصنع شركة جي اس للهندسة 'اننا نواجه اوضاعا صعبة في وقت اصبحنا نشهد فيه زيادة مفاجئة في الطلبيات بعد ان تمكنا من التقاط بعض انفاسنا بعيد الأزمة، ولقد عمدنا الى اعادة توظيف معظم العمال المفصولين في السابق وشرعنا في توظيف المهندسين الأجانب من الهند والفلبين، إلا ان النقص مازال مستمرا'·
تقييد النمو
وكانت كبريات الشركات الكورية تمثل قوة قيادية في قطاع التشييد والبناء العالمي في خلال الفترة ما بين عامي 1995 و1996 في الوقت الذي قامت فيه شركة دونغا للهندسة والانشاءات ببناء مشروع لخط الأنابيب في ليبيا بقيمة 10 مليارات دولار وتعمل فيه شركة هايونداي الهندسية في مشروع لتطوير الغاز بقيمة مليار دولار في ايران، الا ان هذه الشركات وجدت انفسها مجبرة على تعليق عمليات التوسع في الخارج فجأة عندما اصبحت المشاكل المالية تعصف بالعديد منها في عام 1997 - 1998 وكانت شركتا هايونداي الهندسية ودايو للهندسة والانشاءات قد اندفعتا ايضا نحو هوة الافلاس قبل ان يتم انقاذهما من قبل الدائنين، لذا فإن قطاع التشييد فيما وراء البحار للدولة الذي كان في أوج عنفوانه في عام 1997 بطلبيات بلغت قيمتها 14 مليار دولار اخذ يشهد تراجعا هائلا في عام ،2003 ولكن الأعمال التجارية بدأت تشهد عودة الانتعاش في عام 2004 مدعومة بالارتفاع في اسعار النفط، والآن فإن الحكومة تهدف الى زيادة طلبيات البناء عن 7,5 مليار دولار بحلول العام 2009 لكي تصبح احد اكبر عشرة لاعبين عالميين في المجال، وباتت الدولة تتوقع ان ترتفع حصتها السوقية العالمية من 1,9 في المائة في عام 2003 الى 4 في المائة بحلول ذلك الموعد· بيد ان العدد المحدود للعمالة الماهرة استمر يلحق اضرارا جسيمة بفرص الدولة في الفوز بالمزيد من الطلبيات، واصبح يتعين على بعض هذه الشركات التخلي عن المشاريع المربحة بسبب النقص في الموارد البشرية· بل ان هذا النقص المروع اصبح يتمخض عن حرب مستعرة في مجال التوظيف والاستخدام في اوساط بعض شركات المقاولات في ظل سعيهم في الحصول على أكبر قطعة من كعكة السوق المزدهر في الخارج·
عزوف عن دراسة الهندسة
وكما يقول ييم: 'لقد بتنا نشهد حربا ضروسا في هذا العام مع ازياد الطلبيات في الخارج والنقص الهائل في اعداد العمال'، ولكن الخبراء يتنبأون بأن هذا النقص سوف يستمر خلال فترة السنوات القليلة المقبلة مع استمرار تدفق الطلبيات بسبب ارتفاع اسعار النفط'، إلا أن الحكومة من جانبها شرعت في اتخاذ الخطوات اللازمة لحل المشكلة، وهي تخطط الآن لانشاء قاعدة للبيانات للعمالة الماهرة في مجال التشييد في وراء البحار في هذا العام بالاضافة الى توفير برنامج لتدريب المهندسين المدنيين، ومن المنتظر ايضا توفير الدعم المالي لمراكز التدريب الخاصة·
ويقول بارك هايونغ وون احد المسؤولين في اتحاد المقاولين الدولي في كوريا الجنوبية: 'في الماضي كانت معظم اعمال التشييد والانشاءات تعتمد على العمالة المكثفة قبل ان تصبح اكثر اعتمادا على التكنولوجيا التي تحتاج الى المزيد من المعارف والمهارات'، على ان شركات التشييد اصبحت لا تعول كثيرا فيما يبدو على المساعي الحكومية في برامج التعليم والتدريب المقترحة، ويقدر تقرير للصناعة ان الأمر سيستغرق حوالي 12 عاما لكي تتمكن اي شركة من تدريب خريج جامعي ويصبح مهندسا عالي المهارة، هذا بالاضافة الى ان العديد من الشباب لا يفضل الذهاب الى ما وراء البحار للعمل في مجال الهندسة المدنية، حيث يقول بارك: 'انهم ينظرون الى هذه الأعمال كمهمة صعبة تتسم بالمخاطر وعادة ما ينأى الشباب بأنفسهم عن العمل في الميدان'، بل ان البعض يذهب الى ان الصناعة من الممكن ان تفتقد بالكامل الى القوة البشرية بعد ان لاحظ الاتجاه المتنامي في اوساط الطلاب الكورييين للتخلي عن الهندسة لصالح مجالات القانون والطب·
ويقى ان الشركات الكورية اضحت الآن تحاول التركيز والاهتمام بالمشاريع ذات القيمة المضافة العالية من اجل تحقيق اقصى حد من الارباح حيث شرعت في توظيف المزيد من المهندسين الأجانب وزيادة مستوى عمليات التعهيد في العديد من المجالات بما فيها مجال التصميم للمقاولين في وراء البحار، إذ يقول شين سي يونغ رئيس فريق العمل الاداري في مصنع شركة اس كيه للهندسة: 'لقد بدأنا نعطي الأولوية للمشاريع العالية الجودة بسبب محدودية القوى العاملة ونحن نتوقع ان يؤدي هذا الأمر الى انتعاش الأرباح'·

اقرأ أيضا

متاحف أبوظبي تعزز جاذبيتها السياحية بـ1.22 مليون زائر في 2018