الاتحاد

عربي ودولي

من الموصل إلي باب الحلميَّة وقصة اللقاء الأول بالمرشد

د· رسول محمَّد رسول:
كان نظام الحزب الواحد الذي حكم العراق في خلال ثلاثة عقود ونصف قد عكس صورة سلبية في فاعليتها عندما صوَّر العراق بلداً خالياً من أي حراك حزبي، سواء كان علمانياً أم إسلاميا·
وكشف التغيير السياسي الذي جرت صورهُ في العراق ابتداءً من نيسان (أبريل) 2003 عن حياة سياسية عراقية ثرية في اتجاهاتها الحزبية والجماعاتية بدت للوهلة الأولى غريبة على أجيال من الباحثين والمتخصصين في الواقع السياسي العربي في الوطن العربي وخارجه، لكن تلك الغرابة أخذت تبدَّدت عندما تابع المراقبون ما كشفته الحياة الحزبية في العراق من اتجاهات وأنشطة حتى الآن هي فاعلة في المشهد السياسي العراقي الجديد·
ومع أن جماعات من الإخوان المسلمين العراقية قد خرجت في مظاهرة سلمية بعد انهيار السلطة المركزية في العراق، فإن البحث عن تسمية مباشرة لحركة الإخوان المسلمين في العراق يبدو عصي النتائج؛ إذ غابت التسمية المباشرة منذ مطلع ستينيات القرن العشرين لتحلَّ محلها تسميات أخرى كتسمية (الحزب الإسلامي) وما أشبه من التسميات بعد أن واجه الإخوان تحديات جمة من جانب الأنظمة الجمهورية التي حكمت العراق منذ عام 1959 حتى انهيار جمهورية صدام عام ·2003
في هذه الحلقات الأربع، سنتابع نشأة وتطوُّر وأفول أصوليات العمل الإسلامي في العراق التي أخذت بالظهور مطلع ثلاثينيات القرن العشرين وانحسرت في نهاية الخمسينيات لتنهض وتكبو حتى انفرط عقدها بعد أن أجهزت عليها الأنظمة الجمهورية التي تعاقبت على حكم العراق، وما هو لافت في تاريخ هذه الحركة أنها ارتبطت بمؤسسها الشيخ 'محمد محمود الصوّاف' الذي قاد الحركة حتى أفولها وخروجه للعيش خارج العراق حتى وفاته·
بداية ارتبطت حركة الإخوان المسلمين في العراق بالعمل الإسلامي الذي شرعت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهي الجماعة التي بدأت فكرة إنشائها عام 1927 وتبلورت رسمياً عام ،1929 ومثلما انطلقت الحركة الأم من المذهب الحنفي، كذلك جذبت الأحناف العراقيين إلى فضائها، بعد أن فشلت الحركة الوهّابية بجذب أحناف وشوافع ومالكية وجعفرية العراق عندما رحل 'محمود شكري الآلوسي' (1856ـ 1924) عن الدُّنيا، والرجل كان معروفاً بأنه كان أحد مسوِّقي الخطاب الوهّابي الأساسيين في العراق لأكثر من عقدين قبل وفاته·
الثقافة الإخوانية
وما هو شائع، حتى الآن، أن بداية عمل الإخوان المسلمين في العراق إنما ارتبطت ببعثة كان قد رأسها الشيخ محمَّد محمود الصوّاف (1914 ـ 1992) إلى (الأزهر الشريف) عام ،1939 وهي البعثة التي لم تستمر، لكنه خلالها كان قد التقى بالمرشد العام والمؤسس للحركة الأم في مصر الشيخ الشهيد حسن البنَّا (1906 ـ 1949)، إلاّ أن هذا الاتصال ما كان هو القناة الأولى التي تعرَّف من خلالها إسلاميو العراق على مشروع جماعة الإخوان المسلمون·
ذلك أن الخطاب الإخواني كانت قد وصلت أصداؤه إلى العراق، بل إن شخصيات من الدَّعويين الإخوانيين العرب كانوا قد عرفوا الطريق إلى العراق بُعيد التأسيس الرسمي للحركة الأم بسنوات قليلة، ففي مطلع الثلاثينات كان الشيخ 'علي طنطاوي' قد عمل بالعراق في مجال التدريس نحو عام 1936 وفي عام 1937 كان يدرِّس وينام في دار العلوم أو (الكلية الشرعية بالأعظمية)، وبعدها نُقل إلى كركوك مدرِّسا بسبب عدم توافقه مع القوميين في بغداد، وكان آخرون من الإخوانيين قد عملوا فيه أيضا، ومنهم الشيخ 'محمَّد عبد الحميد أحمد،' وغيرهم·
كما أن الثقافة الإخوانية كانت قد شاعت مفاصلها في الصحافة الإسلامية العراقية مطلع الثلاثينيات، فكانت مجلاّت عدَّة قد صدرت في ظل الانتداب البريطاني بالعراق قد تناولت أخبار وأنشطة الإخوان في مصر، ومنها المجلات التي أصدرتها جمعية الهداية الإسلامية مثل: (الهداية / أيار 1930)، و(صدى الإسلام / كانون الأول 1930)، و(الصراط المستقيم / 1931)، و(تنوير الأفكار / 1932)، و(الاعتصام / 1932)، و(الكفاح / 1934)، و(لسان الهداية / 1935)·
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ كمال الدين الطائي (1903 ـ 1977) الذي انضمَّ إلى حركة الإخوان العراقية فيما بعد، كان قد تولى تحرير هذه المجلاّت جميعها وغيرها من الإصدارات ذات الاتجاه الدعوي الإسلامي بل الإخواني في صورته البسيطة وغير المعلنة يومها، فضلاً عن جرائد عراقية إسلامية أخرى كانت قد صدرت في تلك الفترة، وشكَّلت في مشهدها الإعلامي منبرا لإشاعة الثقافة الإخوانية في مجتمع الأحناف بالبلاد حتى صار في بغداد مكتبة بالاسم ذاته وهي مكتبة (الإخوان المسلمين) الذي كان بعض الشباب المؤمن بأفكار وثقافة الدَّعوة يجتمع عندها لتبادل الرأي والأفكار والأخبار عن الحركة الأم ونشاطها في مصر والدول العربية، بل ذهب أحد الباحثين إلى أكثر من ذلك عندما قال إنَّ جماعة الإخوان المسلمين أسَّست لها فرعاً في ثلاثينيات القرن العشرين بالعراق، وهؤلاء هم الذين أنشأوا هذه المكتبة، وهو الأمر الذي نرجِّحه نحنُ في ضوء وجود عناصر إخوانية مصرية كالشيخ علي طنطاوي والشيخ محمَّد عبد الحميد أحمد وغيرهم من مشايخ الحركة الأم من الذين عملوا في العراق·
يبدو التحليل التاريخي هنا مركّزاُ؛ فالمعطيات قليلة، والوثائق أقل، لأن تاريخ الإخوان في العراق كان قد تعرَّض إلى الاختزال والتهميش نسبة إلى ضغوط الاتجاهات العَلمانية التقويضية الذي كان حراكها وتأثيرها غالبا في شرائح عراقية كثيرة وواسعة، تلك الاتجاهات التي ناوأت وناهضت خطاب الإخوان ومشروع حركته الدَّعوية مناوئة عملية وحركية مضادة من حيث الرؤية والخطاب والمنهج، وسعت بكل جهدها، ودونما هوادة، إلى تهميشه في حركية الواقع العراقي، وكان الشيوعيون والقوميون والبعثيون قد مارسوا هذا الدور كثيرا، والأنكى من ذلك طمس البعثيون تاريخ الدَّعوة الإخوانية بالعراق، كما طمسوا تاريخ حركات إسلامية غيرها، أكثر في عقود حكمهم الذهبي، فلم تكن الآلة الإعلامية الصدّامية تسمح بالحديث عن تاريخ أي حراك إسلامي سواء كان حنفياً أم جعفرياً، سنياً أم شيعياً، ثقافياً أم أيديولوجياً، حركياً أم تنويريا·
وجُل الكتابات التاريخية التي تناولت الحركات الحزبية والسياسية والدينية العراقية، والتي كُتبت داخل العراق، أو خارجه بتوجيه صدّامي، كانت قد تناولت حركات العمل الإسلامي باختزال مرتجف لأنَّ عين الرقيب كانت مُسلَّطة على رقاب الباحثين العراقيين، بل ومتحكِّمة بأقلامهم في أحيان غالبة·
وأغلب الوثائق المتعلقة بالعمل الحزبي العراقي كانت مخبّأة في سراديب دوائر الأمن العام العراقية، وفي دوائر المخابرات العراقية، لكن تلك كانت مرحلة انتهت، وعسى أن تكون الانفراجة الجديدة بعد عام 2003 كاشفة عن وثائق جديدة لتكون مادة لكتابة تاريخ العمل الإسلامي من جديد في العراق·
النشأة·· وأحناف بغداد
كان أحناف العراق هم المقصودون في تحرُّك الدُّعاة الإخوانيين القادمين من خارج العراق، إلا أن هذا المجتمع سبق له وأن رفض دُعاة وهّابيون سعوا إلى تصريف المذهب الحنبلي بقرائته الوهّابية في المجتمع العراقي، لكن هذا الأخير نأى بنفسه عن الخطاب الوهّابي، فالمقروء الحنبلي وهابياً عُدَّ قادماً من خارج العراق رغم عراقية الإمام ابن حنبل ومذهبه الحنبلي، وهو المذهب الذي اعتمده الوهّابيون ولكن بقراءة متطرّفة صادرت خصوصيته الإسلامية التداولية والبينية كما تمثلها المجتمع العراقي، وفي ظل ذلك، يمكن الاستنتاج أن حظوظ الحركات الإصلاحية والدَّعوية الإسلامية القادمة من الخارج كانت ضعيفة إن لم تكن هزيلة لدى المسلمين العراقيين، ولكن في مقابل ذلك كان مجتمع أحناف العراق يبحث عن أُطر للعمل وللثورة على الواقع الفاسد في كل صوره، وفي وقت كانت فيه الشيوعية إطارا رائجا وجاذبا ومشتهى أيديولوجيا انخرط فيه بعض من شرائح هذا المجتمع، وكذا الأمر في أيديولوجيات عَلمانية أخرى·
في هذا الوقت، وجد الفرد السُّني العراقي في القومية العربية إطارا للتموضع في الفضاء المجتمعي خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، بدأت هذه الأيديولوجيات تجتاح مُجتمعات الأحناف والشوافع والمالكية والجعفرية سواء بسواء، وأخذ التديُّن لدى هؤلاء يتلقَّى أفكارا جديدة كانت بمثابة اللقاح المُنتظر لتغيير ما كان مرتجىً ربما لإرضاء شعور خبيئ يبحث صاحبه عن الجديد، لكن الأمر تجاوز مجرَّد التغنِّي بموضة أو إرضاء الشعور بالحاجة إلى اصطناع موضة ما، تجاوزه إلى أن صارت الموضة حقيقة تناست شروعها الأول وتحوَّلت إلى ديدن، إلى موضوع يحفر في الذات العراقية ويدفع الإنسان العراقي إلى تمثيل المعنى الشيوعي والليبرالي والقومي والبعثي، وفهم هذه المعاني عمليا بوصفها أطرا للسلوك والتعبير والاتصال والاحتجاج والمزاحمة والمُناكدة والممانعة والتسويف، وكان هذا التحول بنيوياً من منظور بعض الفُقهاء الأحناف، وكذا لدى بعض المثقفين والدُّعاة في المجتمع السُّني العراقي، مجتمع الأحناف، بدت الحاجة ضرورية وملحّة لإطار أو لشكل ما للمزاحمة، مزاحمة هذا السيل الجارف من العمل العَلماني المتدفِّق بين شرائح المجتمع العراقي، وهنا كانت البداية في وقت لم تكن فيه لدى سنَّة العراق مؤسسة مرجعية إسلامية داخلية على غرار (الأزهر الشريف)، ولا مؤسسة سنية (سياسية ـ دينية) على غرار (الإخوان المسلمون) يمكن الاعتبار بها، بل كانت هناك نخباً فُقهائية مشتَّتة، وأخرى وعظائيَّة منحسرة، وثالثة طرائقية متدروشة·
كان عمل هذه النُّخب منحسرا إلى الداخل الروحي في البشر أما العالم الخارجي فأمر الانخراط فيه يبدو محفوفا بمخاطر غير مرغوب فيها، إلاّ أن جيلاً من المتعلمين الذين عاشوا سنوات حياتهم الأولى في كنف تأسيس الدولة العراقية الوليدة نمّى لديه الشعور بالحاجة إلى التغيير ولكن ليس بعيدا عن الأجواء التي تربى وتعلَّم فيها، كان وهو يتعلم تلاوة القرآن الكريم، ويحفظ الحديث النبوي الشريف، يطمح إلى الخروج من عنق المأزق الذي كان يعانيه المجتمع السُّني العراقي، بسبب فقدان الحماسة المنظمة للعمل الإسلامي في أوساط مجتمع الأحناف، يحلم بعيدا عن النخبويَّة الفقهائيَّة والوعظائيَّة والتكْيويَّة المتدروشة، ولكن قريبا منها، كان البحث عن إطار لتنظيم الحماسة الدينية طموحا لدى أنفار من الجيل الجديد الذي لم يكتف بفقه العبادات الذي يتعلَّم عبره المسلم أصول الصلاة والصوم والزكاة والحج والنكاح، وإن كانت هذه الأصول غير معمول فيها في كل أوساط الناس؛ حيث الأمية بالدين وبأصول التديَّن كانت مستشرية عند شرائح كبيرة في المجتمع العراقي، لم يكتف هؤلاء الأنفار بفقه العبادات إنما أرادوا أن يجرِّبوا فقه الخروج على جهل الناس بالدين، والاستهانة بالعقيدة، والتملُّص عن المسئولية المجتمعية والتاريخية إزاء الدين والدُّنيا معا، وينأوا عن العمل التقليدي بفقه الطاعة للسلطان إلى فقه الثورة عليه، وإلى فقه العمل الإسلامي اليومي الدءوب من أجل بعث الحماسة الخلاقة في هذا النوع من العمل الإسلامي للانقضاض على الواقع الفاسد والركود التقليدي في التعامل مع العقيدة والحياة والمصير·
خرج من رحم هذه الأجواء عدد من المساجديين والجوامعيين الشباب في مدينة الموصل، ومنهم الشيخ محمَّد محمود الصوّاف، الذي وجد في مصر، وتحديدا في (الأزهر الشريف)، الملاذ العلمي والمعرفي، وبوابة العمل الإسلامي للخروج إلى عالم متسارع الخطى· وفي أجواء عمل إسلامي من هذا النوع، وجد في حركة الإخوان المسلمين الإطار والشكل التنظيمي لأي عمل إسلامي في العراق من شأنه إنقاذ الحال البائس، حتى صار الرجلُ أحد زعماء الجماعة في العراق، واحد الذين فتحوا للمجتمع السُّني العراقي أفقاً جديدا للعمل الإسلامي رغم الهزائم التي منيت بها حركته وخطابه الدعوي· تُلقي الكتابات التي خطها الشيخ محمَّد محمود الصوّاف، بيده وفي أثناء حياته، أضواء كثيرة على حياته وعمله ما يوفر للباحث الجهد في البحث عن صور حياة هذه الشخصية المهمة في تاريخ العمل الإسلامي بالعراق، وبالمرة صور وتحولات هذا العمل، خصوصا كتابيه: (صفحات من تاريخ الدَّعوة الإسلامية في العراق، 1984)، و( من سجل ذكرياتي، 1987)، فضلا عن مؤلفات أخرى له· إلاّ أن ما دوّنه الصوّاف في هذين الكتابين غالبا ما كان يتطلَّب البحث عن معادلاته الواقعية والتاريخية وهو ما دعانا هنا إلى تنوير نصوص الذكريات بقدر الاستنارة التي كرَّستها هذه النصوص في محاولتنا كتابة تأريخ العمل الإسلامي في العراق·
التكوين عراقيا
ولد محمَّد محمود الصوّاف (1914 ـ 1992) في الموصل الحدباء، وتتلمذَ على كوكبة من المعلمين والعلماء فيها مثل صالح أفندي الجهادي، والشيخ الحاج يس، والشيخ محمَّد طاهر أفندي، والشيخ عبد القادر أفندي، والشيخ أحمد سعد الدين، والشيخ محمَّد الرضواني، الذي بنى مسجداً جوار بيته سُمي بـ (مسجد الرضواني)، وكانت الدروس والأحاديث الدينية تجري فيه، ومن ثم تحوَّل الأمر في الثلاثينيات إلى تأسيس فرع لـ (جمعية الشُّبان المسلمين) بالموصل والذي كان للشيخ عبد الله النعمة (1873 ـ 1950) الدور التأسيسي الكبير فيه، وكان أمينها العام الشيخ بشير الصقّال، وكان فرعاها في بغداد والموصل امتدادا للفرع الأصل في مصر، وبينما كان الصوّاف أصغر منتسب فيها عندما كان تلميذا في (المدرسة الفيصلية)، أبدى حماسة لافتة لغرض توسيع قاعدتها البشرية، فكان من ذلك انتساب شخصيات لافتة إلى هذه الجمعية منهم محمَّد فهمي سعيد، و قاسم مقصود، و صبري عبد القادر، وطارق سعيد، ومحمود الدرّة، و محمَّد زكي البكري· وبدأ مشروع الجمعية أكثر فاعلية في شق طريقه بالعمل الإسلامي المجتمعي من خلال إعادة بناء الشخصية الإسلامية لدى السجناء في سجونهم، وفتح مدرسة لمكافحة الأمية لكبار السن في الموصل، وإقامة محاضرات تتعلق بالثقافة الإسلامية في نادي الضباط وفي الثكنات العسكرية في المدينة ذاتها، وهو الأمر الذي تحقَّق فيما بعد، وقد عزا الصوّاف هذا المُنجز إلى جهوده ومثابرته الشخصية، ولكن الأهم في هذا التوجّه العملي هو أن الجانب الدعوي قد فاق مجرَّد إشاعة الروح الإسلامي في دبيب الحياة إلى محاولة تثقيفية منظمة تهدف إلى بثِّ الثقافة الإسلامية الدَّعوية في المجتمع الموصلي بكل أطيافه، خصوصا المجتمع العسكري بالمدينة، ما يرجِّح لنا التكهُّن بأن أمرا ما كان يعتلج في نفس الصوّاف وهو التطلُّع الإصلاحي المبكِّر من خلال أسلوب العمل الإسلامي الدعوي وتصريفه في الحياة اليومية والمجتمعية، وهو العمل الذي امتد إلى الجانب التعليمي عندما عمل الصوّاف مدرِّسا في قضاء تلّعفر القريب من الموصل، ومن ثم في قضاء سنجار، ومن ثم الترشُّح لأول بعثة تعليمية تخرج من العراق لطلب العلم في (الأزهر الشريف)·
التطلُّع المبكِّر
إن هذا التطلُّع المبكِّر إلى العمل الدعوي، كان هو الأساس الذي وجد الصوّاف معادله الحركي في مصر، عندما وجد منْ يُذكي جذوة المنحى الدعوي لديه، ومنحى الثورة على والواقع من خلال العمل الإسلامي في المجتمع العراقي، فبعد أن حصل الصوّاف على الإجازة في العلوم الدينية التي أجازها له أستاذه الشيخ عبد الله النعمة عام 1936 إثر دراسته في (المدرسة الفيصلية) ذهب إلى مصر مرتين، كانت الأولى عندما شارك في أول بعثة علمية دينية نظمتها وزارة الأوقاف العامة العراقية إلى (الأزهر الشريف) للدراسة في كلية اللغة العربية التي امتدت لعام تقريبا، إلاّ أن هذه البعثة لم تستمر بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 فعاد الصوّاف إلى العراق· ولكنه، ولما كان قد جرَّب بالموصل في شبابه نمطا تقليديا من العمل الإسلامي في ظل الأجواء المساجديَّة والمشائخيَّة والفقهائيَّة والعُلمائيَّة التي عاش في كنفها حتى عام ،1936 فإن رحلته الأولى إلى مصر كانت قد وفرت له إطارا جديدا للعمل الإسلامي، فما أن وصل الصوّاف مصر حتى شرع بحملة علاقات إسلامية عامة وواسعة مع فقهاء وعُلماء إسلاميين مصريين وعرب؛ فقد كانت له علاقات جيدة مع الشيخ محمَّد مصطفى المراغي، ومع الشيخ طنطاوي جوهري، مؤسس (جمعية الأخوّة الإسلامية) الذي مارس العمل الإسلامي معه في مصر، والشيخ الدكتور عبد الوهّاب عزّام، والشيخ عبد الوهّاب خلاف، والشيخ محمَّد الخضر حسين، التونسي الأصل، ومؤسس (جمعية الهداية الإسلامية) الشيخ عبد الحميد سعيد، و(جماعة أنصار السُّنة) ممثلة بالشيخ محمَّد حامد الفقي، ومع القائمين على (جمعية الشُّبان المسلمين) المصرية، والشيخ مصطفى عبد الرازق فضلاً عن لقاءات مع محمود عباس العقاد، وأحمد أمين، وأحمد حسن الزيات، ومحمَّد فريد وجدي، وغيرهم من إسلاميي مصر حينها·
إلاّ أن المشهد اللافت في كل هذه العلاقات العامة كان قد تكلل بلقاء الصوّاف الشيخ المجاهد حسن البنّا، مؤسس جماعة أو حركة (الإخوان المسلمون) في مصر، قال الصوّاف عن كيفية هذا اللقاء التاريخي: سألنا عن عنوانه فقيل لنا إنه يخطب في (مسجد محمَّد فاضل باشا) في باب الخلق، فقصدناه، أنا وشباب البعثة، وجئنا إلى المسجد، وكان خطيب المسجد وهو يرتدي عمامة يمانية وجبَّة بيضاء، وبعد أن نزل من المنبر، تقدمنا منه، وسلّمنا عليه، واحتضننا واستقبلنا استقبال الأخ لأخيه، والوالد لولده، ومن ثم أخذَنا معه إلى مركز (الإخوان المسلمون) في (الحلميَّة)، فذهبنا معه، وجلسنا في المركز جلسة طيبة؛ حيث لأول مرة نشهد فيها هذا الرجل العبقري المجاهد المؤسس للدعوة الإسلامية، وحضرنا (حديث الثلاثاء) في المركز الذي كان يتحدَّث فيه الشيخ المجاهد كل أسبوع، ومن ثم انصرفنا معجبين بشخصيته الفذة وعبقريته النادرة·
وبالتأكيد كان الصوّاف وزملاؤه مواظبين على حضور خطب البنّا، ومنخرطين في الأجواء الإخوانية خلال الفترة التي امتدت لعام قبل أن يعود وهم أيضا إلى بغداد بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام ،1939 بل كان الصوّاف قد انخرط في عمل الإخوان بالحلميَّة، وأسَّس (قسم الاتصال بالعالم الإسلامي) برفقة الشيخ عبد الحفيظ الصيفي من مصر، والشيخ الفضيل الورتلاني من الجزائر، والشيخ إسماعيل مندا من إندونيسيا· وكان الصوّاف يقيم في كل أسبوع اجتماع عمل قبل (حديث الثلاثاء) للشيخ البنّا يتناول فيه مع رفاقه انفتاح الإخوان على مسلمي كل دولة من الدول العربية والإسلامية· ووسَّع الصوّاف علاقاته أكثر مع ناشطين إسلاميين آخرين، ومع جماعات إسلامية مثل جماعة حسين يوسف (شباب سيدنا محمَّد)، وجماعة أحمد حسين (مصر الفتاة) ما يعني أن الرجل كان يبني علاقات عملية كانت بمثابة الدُربة في مجال اكتساب آليات العمل الإسلامي والاغتناء بروح هذا النمط من العمل، وقال الصوّاف في هذا المجال: مضيتُ في عملي ومشاركتي لإخواني في العقيدة والإيمان، ودرستُ طرق الجميع، وأساليب الجميع، حتى عُدتُ إلى العراق وأنا بفضل الله غني بالتجارب المتعددة· عندما عاد الصوّاف إلى الموصل عمل في مجال الوعظ والإرشاد الديني، وتعرَّف على الشيخ مصطفى الصابونجي الذي أنشأ هو الآخر (مسجدا) بالموصل، وصار فيه الصوّاف خطيبا، لكن هذا الأخير أنشأ جمعية أخرى هي (جمعية الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر) بمساعدة عبد الرحمن السيد محمود وعبد الرحمن محمود الأرحيم، ولأنه عندما كان في مصر قد سمع عن كثب بحركة (الإخوان المسلمون) صار له التطلع إلى إنشاء جمعية (الإخوان المسلمون) في الموصل وبالاسم ذاته بعد التداول مع رفيقيه، بيد أن الحكومة العراقية المَلكيَّة رفضت التسمية، وظل مع رفاقه بأمل ولادة مأمولة لهذه الجمعية حتى لو كانت باسم آخر حسب الشيخ البنّا الذي نصح الصوّاف ورفاقه بعدم أهمية الاسم إذا ما توفر العمل الدعوي الحقيقي، إلا أن الشيخ مصطفى الصابونجي سرعان ما اقترح على الصوّاف إرسال بعثة إلى (الأزهر الشريف) على نفقته الخاصة، فحصل ذلك فعلاً، ورأس الصوّاف البعثة من جديد إلى مصر عام ·1943
مصر مرة أخرى
عاد الصوّاف إلى مصر ثانية بدعم من الشيخ الصابونجي الذي موَّل البعثة الدراسية، ولأكثر من مرة أكد الصوّاف أن علاقاته مع الفُقهاء والناشطين والمثقفين في مصر كانت تدعوه دائما بالعودة إلى مصر ثانية، وذكر ان الشيخ حسن البنّا كان قد طالب منه خطيا انتخابه عضوا في الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمون في مصر، ولا يذكر الصوّاف شيئا عن استجابته لهذه الدَّعوة!! لكنه عمليا كان أحد دُعاة هذا الاتجاه الناشطين والمؤسسين لكيانه عمليا في العراق· وذكر في مذكراته أنه تم له ورفاقه العراقيين في البعثة إقامة حفل تخرج لهم في دار الإخوان بالحلميَّة، وحدث في هذه المناسبة أن أمراً كُشف، وهو وجود إخوانيين مصريين كانوا قد عملوا بالعراق كمدرسين لمدة أربع سنوات، ومنهم الشيخ محمَّد عبد الحميد أحمد الذي لا شك دعا في أثناء عمليه إلى تكريس الخطاب الإخواني في المجتمع الجامعي والتعليمي العراقي، لكنه لم يحصد شيئا، وهو ما كشفهُ بنفسه من على المنبر عندما قال خطيبا حسب رواية الصوّاف نفسه: (إن العراق لا يصلح للدعوة، ولا تصلح له بسبب الفساد الذي استشرى والإلحاد الذي انتشر، والشيوعية التي أخذت بزمام الأمور)·

اقرأ أيضا

فرنسا تعلن إحباط هجوم على غرار اعتداءات 11 سبتمبر