الاتحاد

عربي ودولي

الانتخابات التشريعية تحسم الخيارات الفلسطينية

محمد أبو الفضل:
تفرض الأجواء الاقليمية والتطورات الداخلية قبيل الانتخابات التشريعية جملة من التحديات على كل القوى الوطنية ، تجعلها تسارع بتحديد مساراتها ،فاستمرار حالة المخاض التى تسيطر على كثير من القنوات الفلسطينية يدخل فصائلها الرئيسية، إما فى مواجهات داخلية مفتوحة تتحقق بموجبها أبرز الأهداف الاسرائيلية فى الوصول الى الحرب الأهلية ، أو تجاذبات حادة تعطل أى مشروعات وطنية يمكن التوافق حولها، وفى الحالتين سيكون الشعب الفلسطينى أكبر الخاسرين ،لأن اسرائيل تواصل إنجاز أغراضها على الأرض وسينحرف المجتمع الدولى بالمشكلة ويحصرها فى شقها الفلسطينى فقط ، فتتوالى نداءات ضبط النفس بالنصيحة تارة والضغط والاقصاء تارة أخرى، ومعضلة استمرار مشاهد الفلتان الفلسيطنية أنها أصبحت مرتبطة بالفوضى التى تعم أجزاء متفرقة من المنطقة أكثر من ارتباطها بالإجراءات المباشرة التى تقوم بها اسرائيل ، وبالتالى سيفضى الانسداد فى حسم التوجهات الى ترجيح كفة إحداها فى نهاية المطاف ،ووفقا لمجموعة من الأحداث وتقديراتها التكتيكية من المرجح أن يكون الحسم فى صالح الخيار الأوفر قابلية للتطبيق والأكثر واقعية للتنفيذ ·
ومن أوضح سمات العمل الفلسطينى خلال الفترة الماضية التقاطع الظاهر فى الخيارات، التى تتبناها التيارات الوطنية فى السلطة والمعارضة ،وفى أحيان أخرى داخل التيار الواحد، وإذا كانت القيادة الفلسطينية استفادت من هذه الحالة فى توزيع الأدوار،فإنها تكبدت بموجبها بعض الخسائر النوعية،حيث اكتنفت الحدود السياسية جوانب من الغموض ولحق بالمعايير المسلحة ملامح من الضباب، نتيجة اختلال التوازنات وتعرض العمليات العسكرية لحملات تشويه من جهات متباينة، وتدفع جملة من المؤشرات الراهنة على الساحتين الداخلية والخارجية نحو التعجيل برسم التوجهات وتقنين الآليات، بكل ما تنطوى عليه من حساسيات ، فالمرحلة المقبلة ربما لا تحتمل مزايدات أو شعارات تدغدغ المشاعر وتؤجج العواطف بعيدا عن الواقع وملابساته، وستكون الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها فى الخامس والعشرين من يناير الجارى محكا مهما فى معرفة أوزان القوى الوطنية داخل المجلس التشريعى، وستترتب عليها صورة جديدة لمعالم الخريطة السياسية وأولوية خياراتها،أى ظهور معادلات تتحكم فيها أنماط مغايرة من التفاعلات ·
إعادة فرز الأوراق
من هنا يمكن القول أن هناك عملية فرز تجرى على قدم وساق ، بمشاركة غالبية التيارات السياسية، وكشفت الانتخابات التمهيدية لحركة ' فتح ' حدوث تغيرات لافتة فى بعض هياكلها وتقدمت أعداد من جيل الشباب على حساب ما يوصف بالشيوخ، ولعل مشهد الحركة وهى تتقدم بقائمتين إحداهما رسمية والأخرى مستقلة فى البداية واللجوء الى العنف بدلا من الحوار يؤكدان عمق المشكلات التى حاولت الحركة تجاوزها وأخفقت فى مواجهتها أكثر من مرة، فتسببت فى توسيع مساحة الاحتقان،جراء عدم الاحتكام لأدبياتها الأساسية، لذلك لم تعد المسكنات المعنوية والاغراءات المادية وسيلة لتأجيل الاستحقاقات السياسية، ومنهجا للحفاظ على الحركة ومستقبلها وإبعادها عن شبح التراشقات الممتدة،وتقـع على عاتق الناجحين من مرشحيها،سواء من جيل الشباب الذى يقوده مروان البرغوثى المعتقل فى السجون الاسرائيلية أو الشيوخ برعاية الرئيس محمود عباس، مسئولية المشاركة بفاعلية فى إعادة الهيكلة وتوحيد الخطاب وتحاشى استمرار الوقوع فى فـخ المتناقضات، لأن هناك قوى وعناصر صاعدة ستجنى ثمار التشرذم الحاصل فى ' فتـح ' يمكن أن تهدد مكانتها التقليدية، فقد قامت ' حماس ' بترتيب أوراقها واختيار صف كوادرها ،انطلاقا من تقديرها لمضمون المرحلة المقبلة، وعلى ضوء تفوقها فى الجولة الرابعة من الانتخابات البلدية الشهر الماضى من المتوقع أن تؤدى نتائج الانتخابات التشريعية الى توسيع الاعتراف بقوتها السياسية،مما يمكنها من ممارسة أدوار مؤثرة فى صياغة القوانين الفلسطينية ·
ناهيك عن بروز تحالفات بين قوى يسارية ومستقلة صاعدة، تسعى لتقديم نفسها كخيار ثالث يجذب المترددين على جانبى ' فتـح ' و ' حمـاس ' ، والمثير أن التفكيك والتركيب السياسى على الساحة الفلسطينية يتزامن مع حالة مشابهة داخل اسرائيل، مما يعزز القول أن الديناميكية الجارية فى الخريطة الحزبية من المنتظر أن تقابلها تحولات مماثلة فى التوجهات العامة، التى تشير بعض الملامح إلى أنها ستميل الى التركيز على المضمون السياسى على حساب الشق العسكرى ، فقبول ' حماس ' بالانخراط فى عملية سياسية واسعة يؤدى الى الابتعاد تلقائيا عن خطاب المقاومة ،ولو حاولت الاستمرار والمواءمة بينهما قد تظهر عليها علامات تفسخ بين مشاركتها ومطالبها ،فتختار الأولى بأهدافها عن الثانية بمفرداتها ،وفى ظل حملات التهديد والوعيد بين جهات غربية وحماس تتزايد التعقيدات، لكنها لابد أن تتوقف عند اختيار محدد ·
وربما يجـد الحسم فى الاتجاه السياسى سندا فى امتداداته الخارجية، بما يعطى له قوة دفع أكبر للسير فى طريق ترتيب الأوضاع على أساس أولوية ،خيار التسوية الدائمة عند ' فتح ' والمرحلية عند ' حماس ' ، أى فى أجندة السلطة والمعارضة، وتتمثل الركائز الأساسية لهذا المنحى فى ، ميل الأطراف الاقليمية والدولية المعنية الى تنشيط التسوية ومحاولة ضخ دماء جديدة فى عروقها، وتشجيع الفصائل المختلفة على الانخراط فى عملية سياسية تجلب حوافز فى نهاية النفق وتبعدها عن الخيارات المسلحة، التى باتت تلقى رواجا فى صفوف القوى الاسلامية، علاوة على ظهور بوادر لدعم اجتهادات عدد من النخب العربية بالتركيز على المقاومة بأدوات مغايرة، مثل العصيان المدنى والاضرابات والتكثيف الاعلامى على انتهاكات الاحتلال، ومن الممكن أن تحدث هذه الوسائل أصداء ، بعد ثبوت استثمار اسرائيل لعمليات المقاومة ضد أهداف مدنية، وتصب حصيلة هذه الخطوات فى صالح العمل السياسى وتقلل من فرص زيادة رقعة الخيار المسلح،الذى يقلق كثير من الحكومات العربية وتتدخل أحيانا بوسائل مختلفة للتأثير عليه وجذب أصحابه بعيدا عن مكوناته بالضغط أو الاقناع ·
تباعـد المسافـات
برأي بعض المراقبين أن الصعود اللافت للقوى الاسلامية المعتدلة فى المنطقة يحقق أحد المطالب الغربية حيال تهيئة المناخ لمشاركتها ،بما يتكفل بتضييق الخناق على المتشددين فى التيار الاسلامى، وأضحى هذا التوجه مهما فى أجندة كثير من الدوائر الغربية ، التى تعتقد أن المشكلة الرئيسية تكمن فى قدرة ' حماس ' على الجمع بين الأدوات السياسية والمسلحة، ومن الضرورى أن تتخلى عن هذه الازدواجية لصالح الأولى،ولهذا لابد من تضحيات غربية وعدم حصرها فى زاوية تجبرها على التخلى عن مبدأ المشاركة، فالنداءات المتكررة لاستثناء حماس من دخول الانتخابات حتى تنزع سلاحها يمكن أن تسد المنافذ أمامها وتقلص من فرص الخيار السياسى، فى حين أن اقتناع المعتدلين بشكل عام بالمساهمة فى أى عملية سياسية يمثل فائدة من حيث، استعدادهم للتعامل حسب الديناميكيات الراهنة ، حتى لو أعلن هذا التيار أو ذاك رفضه الصريح لها، فمجرد القبول بالمشاركة يضفى أهمية على ما هو حاصل بالفعل من تداول غير مألوف لبعض المفردات السياسية ، وبالقدر نفسه يبتعد مسافة عن خلفياته وثوابته السابقة·
وبمرور الوقت يتزايد التقارب ،بسبب الحرص على التقدم الى الصفوف الأولى ، وتتسع الفجوة مع المواقف السابقة ، وبعملية محسوبة من الابتلاع والهضم السياسى يصبح خيار المقاومة فى غير مكانه وزمانه ،فطالما حدث قبول باللعبة السياسية وقوانينها سيصعب الجمع بينها والأدوات المسلحة، وتحت إغراءات التغيير المتدرج فى القوانين السائدة تتضاعف الهوة مع الثوابت وتتقارب المسافات مع الواقع ، ومع كل أهمية هذا التحرك من الناحية الاستراتيجية ، لكن المشكلة تتمحور فى مدى قبول كثير من الأنظمة بهذه التوجهات ، التى تعكس حصيلتها تهديدا على مراكزها ومكاسبها·ومهما بلغت الحسابات الداعمة للاتجاه السياسى، فانها تتوقف على أربعة محددات رئيسية، الأول قدرة حركة ' فتح ' على تخطى أكبر جزء من مشكلاتها وتحدياتها،وصولا الى توفيق أوضاعها على محاور حقيقية فى العملية الديمقراطية،وإنهاء الالتباس الذى يثيره التباعد بين أذرعها الرسمية والشخصية، وما يجرى الآن لا يشـى بالتفاؤل ،فدمج كتلتى فـح تحت لافتة واحدة عبر الأزمة الراهنة لكنه غير كاف لإعادة اللحمة الى صفوفها ،ما لم يتم وضع تصورات حقيقية ومتوازنة ·
والثانى درجة النجاح التى تحققها 'حماس' فى الانتخابات ومدى القبول بها من الجهات المختلفة،فضلا عن تحملها المسئوليات اللازمة للدخول فى مشاركة سياسية كاملة،وما تفرضه من التزام بتجديد التهدئة المسلحة، التى أصبحت محل أخذ ورد ومراوغات ومساومات ، وتساعد النسبة التى سيحصل عليه ما يسمى بالتيار الثالث فى ترجيح أو تعزيز كفة خيار على آخر·
والثالث حدود الانضباط فى السلوك الاسرائيلى حتى اجراء الانتخابات الفلسطينية،فعودة سياسة الاغتيالات للصدارة تنذر بعدم استبعاد القيام بعمليات عسكرية كبيرة ،استنادا الى تقديرات خاصة بالانتخابات الاسرائيلية بالأساس، كما أن نتيجة المنافسة المحتدمة بين القوى السياسية داخل اسرائيل ستلعب دورا موازيا لنتيجتها على المستوى الفلسطينى ،فعودة حزب العمل الى السلطة يمكن أن تفتح المجال للتفاؤل بتحرك التسوية، والعكس يمكن أن يصبح صحيحا ·
والرابع استعداد الولايات المتحدة لتعبيد الطريق أمام الحل السياسى وما يتطلبه من حوافز للفلسطينيين وضغوط على الاسرائيليين، برغم أن ثمة مؤشرات تدعم امكانية الإقدام على خطوات محددة ، غير أنها ستظل مرهونة ببعض التطورات السياسية ،ما يفيد أن جدول الأعمال الأمريكى سيواصل الدوران فى حلقاته السابقة ·

اقرأ أيضا

ولي العهد السعودي يستعرض التعاون العسكري مع وزير الدفاع الأميركي