الاتحاد

تقارير

أميركا وكوبا: حبل الودّ القصير

يتضمن قرار أوباما بإنهاء الحصار التجاري على كوبا، الكثير من عناصر الإثارة، لكنّه يدفعني لإطلاق عبارة استدراك وتحذير تفيد بأن «علاقة الحب المتبادل بين الجانبين قد تتلاشى بعد انتخابات نوفمبر، بصرف النظر عمن سيكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة».
والسبب هو أن كوبا لم تفعل إلا القليل من أجل رد الجميل لقرار أوباما برفع العقوبات عنها. وإن الرئيس الأميركي المقبل سينظر لسياسة الانفتاح حيال كوبا كجزء من الإرث الذي تركه أوباما، ولن يرى الرئيس المقبل مبرراً لإهدار المزيد من رأس المال السياسي لترسيخ أسس هذه العلاقة الفاشلة مهما بلغت التكاليف.
وعندما أعلن عن خطة الانفتاح على كوبا في 17 ديسمبر 2014، قال أوباما إن السياسة الأميركية السابقة المتعلقة بالعقوبات ضد الجزيرة فشلت، وإن الانفتاح التجاري الأميركي سيدعم رجال الأعمال الكوبيين ويدفعهم لتأسيس مجتمع متكافل.
والآن، وبعد أكثر من عام على هذه المقولة، تنتشر مشاعر الإحباط واليأس، حتى في أوساط الدبلوماسيين الأميركيين الذين شاركوا في مفاوضات إعادة العلاقات بين البلدين. وفي بداية يناير المنصرم، تحدثت مجلة «تراباخادوريس» الأسبوعية الناطقة باسم الحكومة الكوبية عن تزايد عدد العاطلين عن العمل بعد إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة. ومن جهة ثانية، وردت في مدوّنة إلكترونية عنوانها «رسائل من كوبا» يحررها إعلامي شهير من دولة أوروجواي، عبارة تقول «فيما يتعلق بالأوضاع الداخلية، فإن حالة الشلل تزداد تفاقماً».
وفيما يخص الجوانب السياسية لتطبيع العلاقات الأميركية الكوبية، من الواضح أنها لم تغير شيئاً، حيث واصلت الحكومية الدكتاتورية العسكرية حظر إنشاء الأحزاب السياسية، ولا تزال التعليمات الصارمة المتعلقة بمصادرة حق التجمّع وحرية الصحافة سارية المفعول.
وخلال العام الماضي، زادت وتيرة الاعتقالات التعسفية في أوساط المعارضة السلمية الكوبية، حتى بلغ عدد المعتقلين في شهر نوفمبر الماضي وحده 1447 ناشطاً مدنياً، حسب المفوضية الكوبية لحقوق الإنسان وهيئة المصالحة الوطنية. وقالت الصحفية والناشطة المدنية الكوبية الجريئة «يواني سانشيز»، في مدوّنتها الإلكترونية: «لا تزال الوسائط الإعلامية، كالتلفزيون والراديو والصحف، تخضع لوصاية الحزب الشيوعي بشكل كامل». وأضافت «وبسبب الرقابة الصارمة، لم يعد بوسع أي إنسان التحدث إلى العامة عبر الميكروفون، ما عدا أولئك الذين يزكّيهم المسؤولون الحكوميون للتحدث لوسائل الإعلام. ولا يمكن إجراء أي حوار صحفي مع أي إنسان يعارض النظام».
ورغم امتناع الطرف الكوبي عن اتخاذ أي إجراء لتعزيز التقارب مع الولايات المتحدة، فإن أوباما أعلن بتاريخ 27 يناير عن إطلاق الحزمة الثالثة من الإجراءات وحيدة الجانب لتخفيف الحصار التجاري على كوبا. وسوف تسمح هذه المبادرة الجديدة للمزيد من الأميركيين بالسفر إلى كوبا، وتوسيع قائمة المنتجات الأميركية التي يُسمح بتصديرها إلى الجزيرة. ويبدو أن أهم النتائج المترتبة على مبادرة أوباما لإعادة العلاقات مع كوبا، قد اقتصرت على الجانب السياحي، ليس فقط من طرف الأميركيين وحدهم، بل شجعت سياحاً من مختلف دول العالم على زيارة الجزيرة. وبناءً على أرقام رسمية صادرة عن مسؤولين كوبيين، فإن عدد السياح ارتفع إلى 3.5 مليون عام 2015، بزيادة بلغت 17.4? عن عام 2014.
ورأيي شخصياً أن السياسة الأميركية السابقة الرامية لفرض العزلة السياسية والاقتصادية والتجارية على كوبا لم تؤدِّ الهدف المنشود منها، وأن محاولة أوباما لإعادة العلاقات معها لم تحقق النتائج المرجوة منها. ويبدو أن أوباما لم يكن يرمي من مبادرته هذه إلا إلى إضافة بند جديد إلى رصيده السياسي، بحيث يقال إنه أول رئيس أميركي يتجرأ على إعادة العلاقات مع كوبا بعد مضي أكثر من نصف قرن على قطعها.

*محلل سياسي أرجنتيني مقيم في نيويورك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون ميديا سيرفس»

اقرأ أيضا