الاتحاد

دنيا

عمر النجدي: أنا ترس في عجلة الفن الإسلامي العظيمة

القاهرة - ياسر سلطان:
الفنان عمر النجدي أحد المتميزين في الحركة التشكيلية المصرية بإسهاماته الفنية المتعددة وتجربته التي تمتد جذورها الى ما يزيد على النصف قرن ثم لانحيازه وتبنيه الواضح لبيئته ومجتمعه وثقافته·ويجمع عمر النجدي صفات الفنان المثقف كما يقول عنه الفنان والناقد احمد فؤاد سليم اذ أنه يرسم بمختلف الوسائط، ولعله من اوائل من استخدموا خامة الرمل فوق الاسطح القماشية، وهو ينحت في الحديد والخشب والصلصال ويحفر على الزنك والحجر ويشتغل بالسيراميك والخزف ويطبخ الزجاج مثلما يقتحم عالم الفسيفساء منذ أعلن مدرسته التي اشتهرت باسم 'فسيفساء الجيل' في منتصف الستينات، وفضلا على ذلك فهو يبدع اللوحة الجدارية وينفذ التمثال الميداني·
واستغرق عمر النجدي في عالم الموسيقى الى درجة أهلته لكتابة عدد من الالحان في اواخر الستينات وأوائل السبعينات مع ارتباطه كذلك بالفلسفة الصوفية التي ترى اللامرئي مرئيا ومتجليا للعيون·
يعرض عمر النجدي حاليا مجموعة من أحدث أعماله بقاعة 'سفر خان' في حي الزمالك بالقاهرة، وهي أعمال تتسق مع رؤيته وتجربته التي تتسم بروح شرقية نابعة من المجتمع والبيئة لقناعته بأن الفنان الصادق لا ينبغي أن يتخلى عن جذوره وثقافته وإلا تحول إلى مسخ مشوه في أعين الآخرين الذين يسعى إلى تقليدهم والعزف على نغماتهم·
وهذا الأمر هو الذي أرغم الاوروبيين كما يقول على تقبله واحترامه حيث يعد عمر النجدي واحدا من الفنانين العرب القلائل المعروفين في أوروبا وله متحفه الخاص الذي يضم مجموعة كبيرة من أعماله في مقاطعة 'فيرنو' جنوب العاصمة الفرنسية باريس وهو معروف في محيط منطقة نورناندي حيث يقيم وقت وجوده بفرنسا·
كما تتولى تسويق أعماله هناك دانييل بورديت التي تعد المسؤولة كذلك عن نشاطه الفني في جميع أنحاء أوروبا الامر الذي يجعله متفرغا تماما للعمل والابداع وهو ما يفتقده الفنان في مجتمعاتنا التي يقوم فيها الفنان اثناء معرضه بكل صغيرة وكبيرة بداية من عمل البراويز الى تنسيق اللوحات على الحوائط·
والفنان عمر النجدي يتبنى ما يمكن ان نسميه الفلسفة الشرقية الاسلامية في أعماله الا ان هناك آخرين لا يرون ضرورة لهذا التمسك الشديد بالهوية بدعوى الحرية والخروج عن الاطر التي تحد من عملية الابداع من وجهة نظرهم·
ويقول النجدي إن الاعمال الصادقة التي تتسق مع روح الفنان وثقافته هي وحدها التي سوف تبقى وتستمر اما دون ذلك فلن يكتب له الاستمرار بل سوف يكون مثارا للاستهجان والسخرية، وعصر النهضة على سبيل المثال كان مليئا بالفنانين الا ان من بقي منهم ومن وصل الينا فقط ستة لا أكثر يمثلون ذلك العصر على رأسهم مايكل انجلو ورافيللو ودوناتيلو ودافنشي·
ويقول: تعرفت من خلال تجربتي الطويلة على مختلف الاتجاهات والمدارس الفنية من تجريدية وسريالية وتكعيبية وغيرها، كما شاهدت فنون الحضارات المختلفة في العالم وخلصت إلى نتيجة أنا مقتنع بها إلى حد كبير وهي ان الفن الاسلامي بكل عناصره المعمارية والزخرفية في منتهى السمو والرفعة رغم ما يدعيه بعض المستشرقين المغرضين من ان الفنون الاسلامية مسطحة وخالية من المضمون وللاسف الشديد هناك غبن شديد لذلك الفن حتى في مجتمعاتنا وبين مثقفينا·
واضاف: الفن الاسلامي رفيع لانه ينبثق من الفكر والعقيدة الاسلامية لهذا عكفت على دراسة هذه الفنون جيدا والتعمق فيها واكتشفت بعض الحقائق التي تمثل روح هذا الفن وجوهره الحقيقي كاعتماده على شكل الدائرة والمربع على سبيل المثال في فن العمارة والزخرفة والكتابة، وهو أمر مشترك بين مختلف الفنون الأخرى في جميع أنحاء العالم ولكن بدرجات متفاوتة· واذا تأملت جيدا فسوف تكتشف بكل سهولة أن ذلك السلوك الفني يتسق الى حد كبير مع الكثير من مظاهر العقيدة الاسلامية فالكعبة المشرفة شكلها مربع وعملية الطواف ترسم شكلا دائريا حولها·
وقال: انا فنان تشكيلي اسلامي برغم ما قد يراه البعض في اعمالي من حداثة ورؤية مختلفة الا ان المتعمق في لوحاتي يشعر بذلك الجانب الروحاني المؤثر والمحرك الرئيسي لتجربتي الفنية لاني اعتبر نفسي 'ترسا' في مسيرة هذا الفن الذي أعتز به وأحاول تقديمه الى الآخرين بوجهه الحقيقي الخلاق، اذ ان هناك من يعتقدون ان الفن الاسلامي هو مجرد وحدات او عناصر مكررة بهدف زخرفي بحت خال من المضمون وهؤلاء ينظرون فقط الى القشرة الخارجية لذلك الفن دون محاولة للتعمق فيه والبحث عن مضامينه الروحانية والجمالية البعيدة، ولعلك تلاحظ خلو أعمالي من ذلك التكرار والزخرفة إلا أنها رغم ذلك لا يمكن فصلها عن سياق هذه الروح الفنية الاسلامية الكامنة في أبسط عناصر الفن الاسلامي·
وسائط متعددة
ويتميز الفنان عمر النجدي بتعدد الوسائط بمعنى انه يمارس العديد من أنواع الفنون المختلفة كالنحت والخزف والحفر والرسم وغيرها ويقول: على الفنان الذي يريد الخوض في اكثر من مجال ان يكون على درجة كبيرة من الحذر حتى لا يتحول الى بصمجي وهو ليس امرا ضروريا في تقديري، فمن ير أنه اكثر إبداعا وتميزا في مجال بعينه فليظل ملتزما به ولا يحاول التطرق الى مجالات اخرى· والامر بالنسبة لي هبة من عند الله صقلتها بالدراسة المتنوعة والمشاهدة المستمرة والممارسة واشعر باستمتاع لدى ممارستي هذه المجالات الا ان التقنية عندي تختلف حسب الموضوع والحالة النفسية التي تعتريني؛ فقد أرسم الاسكتش او اللوحة في لحظات الهدوء والسكينة وقد أشعر أحيانا بحاجة الى إخراج ما بي من شحنة غضب او قسوة فألجأ الى الحفر على الزنك على سبيل المثال الذي يتطلب مني مجهودا وطاقة زائدة، وفي أعمالي بشكل عام لا ألجأ الى أي شكل من أشكال التحضير كعمل نموذج او سكتش اولي أو غير هذه الامور التي قد يلجأ اليها البعض بل أقوم بالعمل مباشرة على اللوحة او قطعة النحت او غيرها وهذه الوسيلة مريحة لي اذ تجعلني القي بالشحنة التي في داخلي وهي طازجة قبل ان يخف وهجها·
وأضاف: الحصان بالنسبة لي رمز أصيل محمل بالكثير من المعاني والدلالات ويتسق مع رؤيتي الشرقية الاسلامية لكونه عنصرا مهما من عناصر هذه الحضارة التي انتمي اليها واعتز بها، واحرص الى حد ما على أن تتضمن اعمالي شيئا من الرمز لكني لا اتعمده او اخطط له بل قد يظهر امامي بعد الانتهاء من العمل لكني حريص على ان اكون منفعلا لحظة الابداع وهذا الانفعال لابد ان يكون وراءه حدث أو مشاعر مثارة بطريقة أو بأخرى·

اقرأ أيضا