الاتحاد

دنيا

قلوب الأردنيين تعبانة


عمان - توفيق عابد:
الجلطات تقصف أعمار الأردنيين··· هذا تشخيص طبي واقعي للوضع القائم في الوقت الحاضر، ورغم أنه لا اعتراض على الموت فهو قدرنا وأحيانا يكون رحمة، إلا أن هذا لا يمنع الانزعاج من الأرقام الرسمية المقلقة؛ فهناك 45% من الأردنيين يموتون سنويا بالجلطة لدرجة أن أحد الظرفاء علق في عزاء صديق له 'يا جماعة الجلطات تفتك بنا'· وإذا عرفنا أن 600 ألف مواطن مصابون بالسكري وهو السبب المباشر لأمراض القلب، وان الأردن ثاني دولة في العالم يعاني مواطنوها من السمنة وزيادة الوزن لتوصلنا بسهولة إلى نتيجة مؤداها أن الوضع خطير يحتاج لمن يعلق الجرس!
600 ألف مصاب بالسكري و 45% من الوفيات سببها أمراض القلب
الجهات ذات العلاقة وخاصة وزارة الصحة لم تقف متفرجة إزاء الوضع الخطير بل بادرت إلى طرح استراتيجية وطنية متكاملة لممارسة رياضة المشي وتخصيص شوارع للمشاة، كما يجري الحديث عن غابة رياضية في مدينة الحسين للشباب وسط عمان لتنمية اللياقة البدنية وخاصة في ساعات الصباح حيث تكون كمية الأوكسجين أعلى منه في الليل·
التقارير الطبية تفيد بأن الجري هو من الرياضات الأكثر فاعلية في تحسين الصحة القلبية وعمل الأوعية الدموية والجهاز العصبي والتنفسي كما يساعد على فقدان الوزن الزائد وتخفيف التوتر·
والغابة الرياضية كما يقول المسؤولون في مدينة الحسين للشباب مزودة بعيادة خاصة مجانية توفر الرعاية وتجري فحوصات الضغط والسكري والوزن وتقدم إرشادات وقائية لممارسي الأنشطة الرياضية إضافة إلى مكتبة ثقافية·
'دنيا الاتحاد' التقت الدكتور حيدر حسين المدني استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية حيث قال: ما يقارب 45% من الوفيات في الأردن سببها أمراض القلب وخاصة الجلطات، ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى زيادة نسبة المصابين بتصلب الشرايين الذي يحدث نتيجة عدة تغييرات منها تشنج وتقلص جدار الشريان مع فساد وانتكاس وترسبات الدهون والكلس داخل طبقاته التي تؤدي مع الوقت إلى تضيق في قطر الشريان وبالتالي نقص كمية الدم التي تروي عضلة القلب أو الدماغ أو الأطراف، ومع استمراره تحدث تشققات في الطبقة الداخلية المبطنة للشريان وإغلاقه بالكامل مما يؤدي إلى حدوث الجلطات·
التوتر العصبي
ومن أهم العوامل المؤدية إلى تصلب الشرايين التوتر العصبي الناتج عن الوضع المعيشي وعدم الاستقرار النفسي وقلة الضمان الصحي الجيد، والاستعداد الجيني الوراثي وهذا يفسر وفاة عائلات بالتتابع بالجلطة· ومرض السكري الذي ازدادت نسبته في الأردن عما كان سابقا حيث تشير الإحصائيات الحديثة إلى معاناة 600 ألف مواطن منهم 13,7 % تتراوح أعمارهم بين 19و65 عاما و50% تزيد أعمارهم عن ذلك من بين 5 ملايين و200 ألف نسمة يشكلون عدد سكان المملكة وفق آخر إحصاء رسمي· ومن هذه العوامل التدخين وارتفاع ضغط الدم وقلة الحركة وممارسة الرياضة وكثرة الدهنيات في الطعام وتنوع أصناف المأكولات وأحب هنا التركيز على زيادة الوزن والسمنة لأن الأردن يعتبر ثاني أعلى دولة في العالم يعاني مواطنوها من السمنة·
وللنساء نصيب
وحول ارتفاع إصابة النساء بأمراض القلب يرى الدكتور المدني أن هذا يعود إلى كثرة النساء المدخنات وممارستهن جميع الأعمال الشاقة المناسبة وغير المناسبة، فضلاً عن زيادة الأعباء الأسرية ومشاركة الزوج لتأمين احتياجات الأسرة، مما أدى بالتالي إلى تعرضهن إلى توتر عصبي وضغوط نفسية متواصلة تؤدي إلى زيادة التشنج في الشرايين وبالتالي تصلبها ويكنَّ عرضة كما الرجل للإصابة بالجلطات رغم أن النساء لديهن وقاية خلقية ضد الجلطة بسبب الهرمونات الأنثوية التي تفرز بانتظام قبل انقطاع الدورة الشهرية·
الموت المفاجئ
وفي ما يتعلق بالموت المفاجئ الذي يحدث دون سابق إنذار يقول الدكتور حيدر المدني: إن الموت المفاجئ يكون غالبا بسبب اضطراب وتسارع أو تباطؤ شديد في ضربات القلب سببه إما جلطات قلبية أو أمراض خلقية في نظم القلب أو مسار الشحنات الكهربائية التي تشغل القلب·
أما الجلطات القلبية الصامتة فتحدث غالبا للمرضى الذين يعانون من السكري أو كبار السن الذين تفوق أعمارهم 70 عاما والسبب أن الأعصاب التي تنقل الألم تكون مريضة معتلة وليس لديها القدرة على نقل الإحساس بالألم ولذلك يتوفى المريض دون أن يشعر بأي ألم·
الخطر الأكبر
من جانبه يقول الدكتور وليد سرحان مستشار الطب النفسي إنه للتدليل على أهمية العامل النفسي في الجلطة القلبية فإن الدراسات أكدت بما لا يترك مجالا للشك أن المصاب بالاكتئاب بلا علاج معرض للجلطة القلبية ثلاثة أضعاف غير المصاب أو من عولج، وبعد الجلطة يصاب نصف المرضى بالاكتئاب ومن لا يتم تشخيصهم ولا علاجهم وفي هذه الحالة تكون الوفيات لدى المكتئبين ثلاثة أضعاف غير المكتئبين ويمكن الادعاء بأن الحالة النفسية تلعب دورا أساسيا في الجلطة القلبية وهي ليست ترفا ولا بذخا·
ويرى أن عوامل الخطورة متعددة ومنها التدخين والسمنة وقلة الرياضة واضطراب دهنيات الدم بالإضافة إلى الاكتئاب، وإذا تمعنت في هذه العوامل تجد أنها جميعا تتعلق بنمط الحياة والإفراط في الطعام والتدخين وعدم ممارسة الرياضة وعدم الاكتراث للعوامل النفسية من توتر وقلق واكتئاب وعدم معالجتها والتعامل معها بالصورة الصحيحة·
لا فروقات نفسية
وفي معرض رده على سؤال حول كون بعض المجتمعات أو الشعوب أكثر قابلية للإصابة بأمراض القلب والجلطات قال الدكتور وليد سرحان: لا يوجد أي دراسة تقرر وجود فروقات نفسية بين شعب وآخر، ولكن يمكن القول بأنه رغم الأعباء النفسية التي يتحملها مواطننا سواء جراء الأوضاع الاقتصادية أو السياسية فإنه لا يكترث للعناية بنفسه، وقد لا يتجاوز من يعالجون من الاكتئاب 1% من مجموع المرضى وهم 10% من السكان، وكذلك من القلق وغيره من المشاكل النفسية كما أن المنطقة قد توالت عليها الكوارث على مدى العقود مما جعل الأفراح والتنفيس عن النفس أمرا نادر الحدوث·
عامل وراثي
وحول أسباب ارتفاع الإصابات بين النساء في الآونة الأخيرة قال الدكتور وليد سرحان: هذا صحيح ففي السنوات الأخيرة زادت معدلات الإصابة بين النساء لأن المرأة خرجت إلى العمل وتعرضت للضغوط النفسية والاكتئاب والقلق والسمنة، كما تصاعدت نسب المدخنات ووصلن إلى منافسة الرجل في هذا الأمر مع أن الهرمونات الأنثوية تعطي المرأة حماية حتى سن الخمسين وبعد ذلك لا حماية لها وقد أبت إلا وأن تتساوى مع الرجل·
ويضيف: إن إصابة الشباب بالجلطة القلبية تعني وجود عامل وراثي كبير بالإضافة لعوامل الخطورة المعروفة كالتدخين وعدم ممارسة الرياضة والسمنة وأسلوب الطعام غير الصحي والمشاكل النفسية والهموم التي يحملها بعض الشباب في سن مبكرة·
ويرى أن التدخين في الأردن سواء الإيجابي أو القسري من أهم عناصر الخطورة ومع أن قانون الصحة العامة يحظر التدخين في الأماكن والاجتماعات العامة إلا أنه حبر على ورق ولا فائدة منه ولا بد من محاصرة ظاهرة التدخين قانونيا واجتماعيا وثقافيا وطبيا·

اقرأ أيضا