الاتحاد

دنيا

أعطونا العيدية

موزة خميس:
تعتبر العيدية حقا مكتسبا لكل الأطفال، سواء من داخل الأسرة أو خارجها، في ايام العيد· فعندما تبدأ الأمهات بتجهيز أطفالهن لحمام العيد وتحضيرهم لارتداء الملابس الجديدة، والروائح العطرة، يروين للأطفال قصصا عن العيديات، ويضعون شروطاً حول كيفية صرفها وعدم إهدارها على الحلويات والمفرقعات وأفلام السينما· تخبر الأمهات الأطفال ما ينتظرهم من زيارة كل بيت في الحارة أو(الفريج) وتمني العيد السعيد للكبار والصغار على حد سواء· وتبدأ رحلة جمع العيدية من الأبوين ثم الجدين ويأتي بعد ذلك دور الأخوال والأعمام، وكذلك الخالات والعمات وهكذا·
فرحة العيد تبدأ عندما تهب نسائم تبشر بقرب وصوله، وذلك قبل الوقوف بعرفة بعشرة أيام قبل الأضحى، حين يبدأ الأطفال بالاطلاع على لوازم العيد بدءاً بالملابس الداخلية -و'الكنادير'-الجلابيات للبنات والدشاديش للبنين، وأيضا أغطية الرأس لكلا الجنسين والأحذية (كالنعل والجواتي) والتي عادة ما يصر معظم الصغار الذين هم في الرابعة أو الخامسة من العمر على ارتدائها قبل العيد من شدة الفرح، والبعض يرتديها وينام بها وفي الصباح يعيدها إلى الصندوق·
الحياة الماضية
ومن الباحثين الذين اهتموا بكل أوجه الحياة الماضية، ولا يزال إلى اليوم ينظم المحاضرات في المدارس كباحث اجتماعي تراثي في كل ما يتعلق بالقديم من موروث شعبي سلطان بن غافان من منطقة أم القيوين التعليمية- موجه اجتماعي- وقد اخترنا أن يتحدث لنا عن قيمة العيدية وماذا تعني وكيف أصبحت اليوم·
يقول سلطان بن غافان: في الماضي كانت هناك العائلة الممتدة التي تسكن في منزل واحد وتضم عدة أجيال قد يصل عددها إلى ثلاثة أو أربعة أجيال· وقد يكون من الجيل الثاني وهم الآباء والأمهات عدة أخوة في منزل والدهم، ولكل واحد منهم زوجة وأبناء، وهكذا نجد أن ذلك المشهد كان يتيح في الماضي انتقال العادات بكل سهولة بشكل يومي ضمن الممارسات والسلوك· ولذلك في صباح العيد كان الأبناء الذكور بعد عودتهم من صلاة العيد مع آبائهم يتسلمون 'العيدية' من الآباء·
والعيدية هي أحد أوجه ومظاهر العيد، وتعبير عن التهنئة أو مرادفة للتهنئة· ويحدث مشهد منح العيدية بعد أن يؤدي الجميع صلاة العيد، فما إن ينتهوا من الصلاة حتى يلتفت كل منهم للآخر ويقبل كل صغير الكبير على رأسه، أو يعايدون بعضهم بتقبيل الأنوف، وهو - موضع الأنفة ورأس العزة-· ويفعل كل الحضور في أي مكان يلتقون فيه ذات الشيء تعبيراً عن تهنئتهم ومباركتهم للآخرين بالعيد· ويتبع ذلك بأن يقول الكبار للصغار'خذ عيديتك' أو'اصبر حتى أعطيك عيديتك'، ويبدأون في إهداء كل الأطفال العيدية دون استثناء · قديماً كان الأطفال يستحقون العيدية حتى عمر العاشرة، ربما لأن معظم الصبية من الذكور كانوا يبدأون في الخروج بحثاً عن العمل في ذلك العمر، وربما قد يكون مر على عملهم سنتان قبل العاشرة، والذي يعمل لا عيدية له· ولكن الأجداد في الماضي كانوا يمنحون العيدية للحفدة تعبيرا عن محبتهم·
ويكمل ابن غافان قائلاً: المهم تكون البداية من الرجال للصبية لأنهم يكونون معهم في مصليات العيد، ثم حين يصلون إلى البيوت ربما تقوم الأمهات بمنح العيدية للصبية من أبنائها إن كانت ميسورة، ثم يأتي دور البنات اللاتي يخرجن للسلام على آبائهن، وهنا يبدأ الآباء في إعطاء البنات عيديتهن·
رحلة العيدية
ويتابع ابن غافان: بعد أن يستلم الأطفال العيدية من الأبوين يخرجون إلى لقاء بقية أفراد الأسرة· وهنا لا يخرج إنسان من منزله إلا ويرى مظهرا كان من أهم مظاهر العيد، حيث يسير الأطفال في مجموعات داخل هالة من بهجة الألوان وبريق ملابسهم الجديدة وحلي البنات الذهبية· وكانت المجموعات مختلطة تجمع البنين والبنات لأن الجميع دون سن البلوغ، وتبدأ المسيرة إلى منازل الأخوال والخالات ثم الأعمام والعمات، ثم اقرب الجيران وهم بمنزلة الوالدين - حيث لا تكلف ولا تكليف بينهم- ثم بقية البيوت· ولم يكن الأطفال يعبرون الشوارع من منطقة إلى أخرى بعيدة كما يفعلون اليوم، فكانوا يكتفون بالمنطقة التي يعيشون فيها·
اليوم اختلف مظهر العيدية وفقدت رونقها، أولا لأن الأطفال والشباب والزوجات، اي الكل 'يطلب' العيدية ولا ينتظر أن 'تعطى' له· وثانياً لأن الكل يحصل على النقود طوال العام وبشكل يومي أحياناً· والسبب الثالث أن الكثير من الشباب في عمر قد يصل الى الرابعة عشرة ربما، نجدهم يدقون الأبواب على أناس لا يعرفونهم في مناطق بعيدة عن بيوتهم يطلبون العيدية· والأدهى والأمر من ذلك أن الأمهات لأسباب كثيرة، منها اختلاف البيئة المحيطة بالطفل، أصبحت تخرج أطفالها لجمع العيدية مع الخادمات من الفلبين وسيريلانكا واندونيسيا لخوف كل أم على أبنائها من الغرباء ومن السيارات التي لا تتوقف عن الدخول والخروج الى المنطقة الواحدة· تخاف الأمهات على أطفالهن من حوادث الدهس، فيبعثن بالخادمات اللواتي يستغللن صغر عمر الاطفال ويجمعن لأنفسهن العيدية· فإن كان الطفل قد حصل على 100 درهم بعد تلك الجولة تعطي الخادمة للأم 40 درهماً مثلاً وتأخذ 60 درهماً· و قديما كانت العيدية فقط للصغار، اما اليوم فالزوجة تنتظر العيدية، والمراهقون ينتظرون العيدية، وإن كان في الأسرة موظف من أحد الأبناء الكبار فإن بقية أخوته ينتظرون منه العيدية·
قديم وجديد
ويضيف ابن غافان : من المظاهر الجديدة في موضوع العيدية، أن الكثير من الأسر أصبحت حين تذهب للسلام على الأهل بعد أن تحولت العائلة من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، فإن الأبناء يحملون معهم هدايا للوالدين كعيدية للعيد· بل إن البعض ممن تزوج واستقل في منزل خاص به يخرج مبلغاً من المال لوالديه حين يذهب لزيارتهما للتهنئة بالعيد· وأيضا من الأمور القديمة التي تتجدد كل عام، مشهد توزيع كل جار مقتدر جزءاً صغيراً من اللحم الطازج يكفي لوجبة واحدة لأسرة جاره، وذلك بعد ذبح الذبيحة، وهومظهر يشبه توزيع لحم الأضاحي·
هذا المشهد في الماضي كان حكراً على الأثرياء، واليوم بفضل الله، فإن كل من يرغب ولديه المقدرة يفعل ذلك ويعتبره مثل العيدية، إلا إنه يدخل السرور الى قلوب أسرة كاملة ويزيد من أواصر البر بين الأهل والجيران·
كان من عادة الأم قديما أن تنتظر عودة الأطفال لتأخذ منهم العيدية لأسباب مختلفة منها أن الأطفال قد ينفقونها على شراء الحلويات، أو ربما يحتال طفل كبير على صغير ويسلبه ماله برضاه· وإن كان الطفل تحت الخامسة من العمر فلربما يضيع الدراهم وهو يلعب بها لأنه لا يعرف قيمتها· اما السبب الأهم لجمع الأمهات للعيديات، فكان لينفقن منها إن كانت الأسرة فقيرة، وهذا سبب من أهم أسباب إعطاء العيدية للأطفال قديماً، حتى لا يجرح الناس بعضهم بعضاً بالتصدق بالنقود·
كانت العيدية ضربا من الصدقة لا يعرض العاطي والمعطي لها للإحراج، ولذلك كانت الأم تنتظر عودة أطفالها بالعيدية، فيما كان الأطفال يتهربون منها حتى لا تأخذ كل درهم·
اما اليوم وبعد إن أصبحت معظم الأمهات عاملات وموظفات، وبعد أن أصبح بإمكان رب الأسرة تحقيق الاكتفاء لأسرته، فإن كل أم تضع عيدية كل طفل من أطفالها في حصالته الخاصة وتضع فوقها طوال العام ما يحصل عليه من نقود كهدايا منها ومن الأب ومن الآخرين في المناسبات الأخرى، وربما تفتح حساب توفير في البنك باسم الطفل، تحفظ فيه مدخراته وعيدياته·
اسوأ مشاهد العيد، هو ان يوقفك شاب في الرابعة عشرة أو الثالثة عشرة من عمره، وأنت لا تعرفه ليقول: أعطني عيدية· بعض المراهقين في هذا العمر يدقون على أبواب البيوت المغلقة طلباً للعيدية، وربما يحرقون جرس المنزل متعمدين لأن احدا لا يفتح لهم الباب· والمعروف قديماً أن المنزل طالما ان بابه مفتوح فإن ذلك يعني أنهم لا يزالون يوزعون العيدية، ولا تغلق الأبواب اول ايام العيد إلا عند صلاة الظهر، ليجلس الأطفال فرحين يعدون النقود التي حصلوا عليها·
تكافل وليس تسولا
ويستطرد ابن غافان: منذ ما يقرب 15 عاماً بدأت عادة خروج الأعداد الكبيرة من الأطفال لجمع العيدية تقل· بل أصبح عدد خروج تلك المجموعات الكبيرة يقل لأن هناك من بدأ يهمس في أذن الأسر والعائلات أن العيدية هي تحريض على التسول، وأنا أعارض هذه الفكرة الدخيلة، فأصل هذه العادة وتاريخها يعترضان على ذلك، فقد عشنا منذ عهد أجدادنا ونحن نأخذ العيدية ونفرح بها، وكانت فعلاً تقضي حوائج الكثير من الأسر المحتاجة دون أن تشعر الأسرة أن هناك من اطلع على حاجتها أو كشف سترها، ودون أن تجرح مشاعر البعض· كانت تلك المظاهر من العيدية مثل تبادل أطباق الأطعمة وتقاسم اللحم والسمك وتوزيع الأرز والسكر والطحين على الغني والفقير، مظهرا من مظاهر التكافل وزيادة المحبة بين الجيران، وتعلمنا ذلك منذ كنا صغاراً مثلما تعلمنا أهمية صلة الرحم·
كان الأهل يتعمدون قطع لهفتنا وتلذذنا باللعب ليبعثوا بنا إلى الجيران والأهل لإرسال طبق تمر أو طحين والأم قادرة على توصيل ذلك الطبق، والأب بإمكانه أن يفعل ذلك وهو في طريقه إلى أي مكان سيراً على الأقدام· ولكن كان القصد أن يربطوا قلوب الصغار بالكبار من جيرانهم وبقية الأرحام بالمحبة والحنان عن طريق أن نتعود على دخول منازل الأهل والجيران بشكل يومي· وهكذا فإن العيدية جزء من كل ذلك ولم تكن تسولا كما يقول البعض اليوم(لا تبعثوا بأبنائكم لجمع العيدية حتى لا يتعلموا التسول)·
نحن نعيش في نعمة ورفاهية لأن الله أراد لنا ذلك، ونحن لسنا بحاجة لبضع مئات أو عشرات الدراهم، فأحيانا يخرج الرجل منا مع أبنائه إلى مدينة العاب أو ملاه وينفق 500 درهم في ساعتين، وربما أكثر بمئات الدراهم، فهل من يكون هكذا حاله بحاجة لأن يعلم أطفاله التسول؟
وأيضا منذ سنين طويلة تعلمت الأمهات أن يدفعن بأطفالهن لتعلم مساعدة الفقراء وذلك بحث الأطفال على التبرع والتصدق من تلك الأموال التي يجمعها كل طفل، ولم يعد شيئا غير عادي مشاهدة أطفال في الجمعيات الخيرية أتوا للتبرع خلال فترة العيد، وأحيانا كثيرة طوال السنة من مصروفهم الأسبوعي الذي يأخذونه من أجل الشراء في المدرسة عند الحاجة·

اقرأ أيضا