الاتحاد

دنيا

راشد الخضر مئة عام من عزلة الشاعر وسيادة الشعر


الشارقة ـ إبراهيم الملا:
يصف الشاعر الفرنسي (جيرار دي نيرفال) الشعراء بأنهم: 'كائنات تحطمت أبراجها'
ويحيل هذا القول في عجالته وتفاسيره الظاهرة إلى الندم الكثير والمضاعف الذي يتبع الغواية الشعرية ويريق دمها وماءها على كامل التجربة الحارقة للشاعر، وفي هذا الوصف ما يشي بانطفاء وهمود وخسارات، ولكنه في العمق وفي الأصل لا يحيل سوى على فرادة ضارية وعلى دربة واختمار وصوغ وحياكة في مستحيل اللغة وفي رحابتها، في العنف كما في البراءة، وفي التجربة الممزقة كما في النأي الأليف والمتآلف·
إن مأساوية هذا الوصف إنما يبيحها هجرة الشعر واغترابه في المكان الذي يُفترض أن يكون مأوى وظلا وسكنى لجسد الشاعر ولقصائده الفائضة بالزمان والمكان، وهي هجرة قدرية واغتراب مؤسس على يقين وإيمان مطلق بالنفي، لا للجسد وحده، ففي هذا قول وتأويل وأنساق، ولكنه النفي المتضامن مع لغة الشاعر ـ مع لعنته بالأحرى ـ ، لأن الشاعر يكتسب لغته من خبرة الوجود في الأمكنة الخاطئة، ومن التصادم مع خطابات البداهة التي تنتظر من الشاعر أن يكون عاليا وواضحا وذا سمت وهيئة وفصاحة وغلو في الصوت والحضور والهيبة· وهذا ما لم يتوفر لشاعرنا راشد الخضر، المحتفى به وبمئويته (1905 ـ1980)، لأنه شاعر أسس شعره على النقصان، ونعني به هنا نقص العاطفة المشبعة والملموسة، ونقص الحضور الدائم والمستقر·
يقترن (الخضر) أيضا ـ كما يروي معاصروه ـ بصفة الانطواء وخفوت الصوت وتواضع المظهر، ما شكك الناس بقدرته على قرض الشعر وتأليف القصيدة، فالشعر كما يراه العموم هو صنو قائله، وهو شبيهه في الفخامة والجزالة والزهو والاحتفال بالشعر قولا وفعلا·
عرف راشد الخضر (اليتم) مبكرا ولازمه هذا الحس بالانفصال عن العالم كما لو كان قدرا ومصيرا، عرفه في العائلة، كما في العشق، وصار لزاما عليه في بواكير حياته أن يربّي هذا الفقد في شعره، وأن يعيد تكراره وسبكه ورعايته، وأن يصطحب معه هذا (الحطام الذهبي) أينما حلّ وارتحل، من البحرين إلى الباطنة والسعودية، ووصولا إلى الكويت وسوقطرة والهند، في طواف دائخ وهروب (مازوشي) من صورة (علياء) المقبورة في ضباب عشق بعيد، إنه اعتصام بالمتاهة، ولجوء حذر لذاكرة تنبض في عروق اليد وتتصبّب على القرطاس والطلسم ورقعة الروح المبتلة بماء السواحل الأولى في (عجمان)، وبأنينها الرملي الذي لن يفارق شعرَه أبدا، يقول (الخضر):
مت غرقه ما بتلّ ينبي
عِلّتي كِلّن إتعايابها
عل اليبس غرّقني إمحبّي
وغرقه فوق اليبس ما أعجبها
في بحرهم مركبي مشبّي
والسواحل ما يجاربها
أبعد من الشمس لو قربي
تقصر إيدي لو بمدّ إبها
ها هو الغريق (اليابس) يشتكي من وهم الغرق، واليابس في اللهجة المحلية هو العود الميت والعطشان ـ ولاحظ كم هو مخالف لاسم ووصف شاعرناـ فالخضر يغرق في ماء البُعد، لأنه ماء جامد وشرس ومتشابك، وهو البحر الذي جفّ من حرقة الجفاء وشدّة المكابدة، لقد صار المعشوق في هيئة الشمس التي لن يطالها العاشق في وهم الوصال هذا، وفي يأس الغرقِ الذي ما عاد غرقا، بل عوْما أبديا في التيه!
بخور الماء البعيد
'ما إستوى قبله ولا عقبه'، أي لم يظهر أحد يشبهه في رقة القول وفي جزالة السبك لا من قبله ولا من بعده·
هكذا يذهب الشعراء المعاصرون للخضر عند وصفهم لشاعر (الحب المبتور) إلى مذاهب ومسالك شتى، خصوصا إذا رافق هذا الوصف استرجاعهم لزمن مغسول برائحة البحر و بطعم الملوحة المسكرة والنسيان الأزرق الشفيف، ففي تلك الأيام الدائخة بشقائها الهادئ والمترنحة على وقع الشتات الملتّم في بيوتات الساحل الصغيرة، كان الشعر يتوالد ويتدفق في الرأس والأصابع وفي الهواء الممتزج بعطر الصحراء وبخور الماء القريب، كان الشعر يهبّ من الأمكنة كلها ويصطدم بجدران الحواري ويدخل الأبواب المشرعة على الروح دون استئذان، ودونما حاجة لطرق وإلحاح، في تلك الأزمنة الهائجة برعشة القصيدة كان (الخضر) يتفتح على عبقرية خاصة في البوح الشعري، فغطاء السر انكشف على زخم غير معتاد من التراكيب والألفاظ التي جاوزت إطلاعه وغرفت من جذوة الموهبة المغروسة فيه·
خرج الخضر عارما ومتوهجا بشعره وبأسلوبيته التي لم يجاريه فيها أحد، ولكنه في ذات الوقت كان حليفا للتواضع في المظهر والحالة، وكأن السر في الشعر الجامح إنما يكمن في الهدوء والدعة والقناعة القصوى، يقول (الخضر) :
يا عذولي خوز عن قربي
خوز عن بلواي تبلى بها
ماشي حافي وعر دربي
وإنته راكب درب سمح إبها
يعرض (الخضر) حالته ويقرنها بالبلوى، وهي حالة لا تقارن بالحالات الأدنى كالألم العابر والمصيبة المؤقتة، فالبلوى صفة تحيل على التجذّر والشيوع والغور في أرض الذات و في رمال الروح المتروكة لهبّات الدهر وعصف الشقاء، وهو يمشي حافيا في الدروب الوعرة، لأن قلبه غير محصّن ضدّ عوائد الهجر وغدر الأزمنة، على عكس الآخرين الذين مُهّدت دروبهم وصلحت أحوالهم، فهم في منجاة من مهالك الطرق ووعورة الأقدار·
عاشق الونّة
أذكر أنني كنت مرة في بيت (إبراهيم المدفع) بعد ترميمه، وكنت أشعر بهذا السفر الخفيف والضبابي مع نداء الأرواح القديمة، وكنت أستحم برذاذ من الوجد والخفة التي لا تترجم، وكأن الهواء من حولي مطرز بهالة من النسيم القدسي، كنت وحدي هناك مثل طفل يغسل رأسه بالدهشة الموغلة والأساطير البعيدة والخارقة، الآتية من وميض يخترق سرّ الليل ثم لا تلبث أن تختفي كإبرة في سواحل (المريجة) القديمة·
لعلي كنت أهذي بالطفولة، وأنبعث بخيالات مطمورة ، لا قبل لي بها ولا طاقة، متحررا من جسارة الخارج نحو انهمار الذات على نفسها ، وانهمار الهواء البارد عليها، الهواء الذي يأتي من فراديس مفقودة·
تذكرت وقتها أبياتا لراشد الخضر يقول فيها :
ونتي تلجم يرح قلبي
حتى آه ما قدرت أونّ إبها
ما إستوى قبلي ولا عقبي
عاشج الونّه يغصّ إبها
ونسمات الكوس والغربي
لعبة الشطرنج لاعبها
وبعيدا عن الهوس الطافح باللغة والألفاظ عند راشد الخضر، وبعيدا عن انحيازها العجيب والمدهش للتركيب (السيمتري) والتشكيلي المفارق والمعزز بروح عاشقة حدّ التماهي، فإن الأبيات أسرتني بدقّة، هذا الأسر الذي يجرف معه أصدقاء لا تعرفهم ولن تعرفهم، ولكنهم حاضرون ومتحفزون ويندلعون في رؤاك وأحلامك، كلما مرّ عليك وقت مثل هذا الوقت، وكلما استباحتك ذاكرة مثل هذه الذاكرة، إنها صحبة أطياف غابرة ، هذه التي تأتي مثل رماح مسددة من كهوف بعيدة، ومثل نسائم صوفية تهبّ عليك وأنت تفتح لها صدرك وأسرارك وكل أنفاسك البيضاء·
في ذاك البيت الحميم، كنت بصحبة (الخضر): (ونّتي تلجم يرح قلبي)، ضدّان لكنهما يلتقيان في صدر هذا الغريب، يلتحمان بالأحرى، والونّة تترجم الجرح، لكنه الأنين الذي لا يبوح، الأنين الخافت مثل قنديل منطفئ في القلب·
(حتى آه ما قدرت أونّ إبها) دع الداخل يغلي بالنحيب، دع الصمت وحده يتوّج خرابك، (ما استوى قبلي ولا عقبي) ليست بارانويا الشاعر بل الفردانية الباذخة حد الطهر والكتمان والاستئناس بجمرة الشعر، (عاشق الونّة يغص إبها) عودة لنرجسية الألم وإلغاء الخارج لأنه لا يرحم، ولأنه أسس وجوده على تحييد كل ما هو غريب ومذهل ومضيء بنواياه، تماما كالماس الذي يغصّ بالنور فيتوهّج!
(ونسمات الكوس والغربي ········· لعبة الشطرنج لاعبها) تحت (بارجيل) بيت المدفع، راشد الخضر يهندس لي الهواء على هواه، وله الحق، كل الحق، ذلك أني مأخوذ بمتاهة والنسيم على صدغي يبرر ذهولي من نسيان نفسي والآخرين، ففي حضرة الخضر كل خاطرة تذوب، وكل بيت للقصيد يغصّ بزائريه !

اقرأ أيضا