الاتحاد

دنيا

محمد لافي يكتب شعراً أخضر


يوسف عبد العزيز:
بعد مجموعاته السّت، وهي على التوالي: ' مواويل على دروب الغربة والانحدار من كهف الرقيم وقصيدة الخروج ونقوش الولد الضال فمقفّى بالرماة، وأفتح باباً للغزالة ' يواصل الشاعر (محمد لافي) من خلال مجموعته الجديدة العمل على تطوير مشروعه الشعري وذلك بالحفر عميقاً في الأرض التي اجترحها لنفسه· لقد كرّس الشاعر منذ البداية صوراً مشرقة للإنسان الرافض المقاوم، الخارج على تعاليم القبيلة، مقابل الإنسان الصامت الخانع الهائم على وجهه مع القطيع·
وإذا كان عنوان الديوان الديوان الجديد للشاعر محمد لافي الصادر عن منشورات وزارة الثقافة الأردنية 'لم يعد درج العمر أخضر' يشي بخريف ما تمر به حياة الشاعر، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال الاستسلام لقوى الشر والإحباط والقنوط· أكثر من ذلك يمكن القول إن الخضرة الغائبة هنا هي خضرة رمزية ذات أبعاد خاصة تتصل بالتمرد والثورة أكثر مما تتصل بالشاعر كشخص وكموضوع خاص· وبالتالي فإن تركيز الضوء عليها ومحاولة إبرازها على هذا النحو الفاجع يؤشر على رغبة الشاعر الجامحة في الانعتاق من إسار الخراب الشامل الذي بات يفترس كل شيء· ثمة إصرار إذن لدى الشاعر بالمقاومة والوقوف في وجه التيار· في هذه النقطة بالذات التي يلتحم فيها العام بالخاص والسياسي بالثقافي تقوم مشاغل الشاعر وتنهض مهمته الرسولية، تلك المهمة المتجسدة في حمل راية العصيان· وإذا كان الآخرون ومنهم رفاق الدرب قد أصابهم الإحباط واستسلموا لشروط الهزيمة، فإنه من جانبه لن يكف عن التشبث بقناعاته الأولى والمضي قدماً بها في الطريق الشاق، و' اللعب في الشعر حتى السماء الأخيرة ' على حد قوله·
قصيدة الاعترافات
' هدأ الرقص الآن
لم يتبقَ سوى قائمة القتلى
وخنادق تلعب فيها الريح
وخيل أتعبها التصهال على الطرقات
شوارع ترحل للضد
وذاكرة زوّجها المنفى للنسيان '·
هذه بعض من عناصر الخراب التي يعرض لها الشاعر ويلقي بها بين أيدينا· ثمة نهايات مأساوية وصل إليها النّضال الفلسطيني خصوصاً والعربي بوجه عام· ثمة فراغ مدوٍ يحدث ومشاهد من مسرحية هزلية تُعرض على الجمهور، أبطالها: طاووس بلا ريش، وقافية بلا شعر، وكاكي بلا طلقة!
نتيجةً لحالة النكوص التي أصابت البندقية المقاتلة تدب الهزيمة في كل شيء وتتناسل· لم تكن البندقية إلا عنواناً عريضاً لكل معاني العنفوان التي تسند الروح الإنسانية، ومع انهيارها تنهار هذه الروح وتذبل· بعينين مذعورتين يتتبع الشاعر صدى هذا الانهيار ويتوجع· ولا نبالغ إذا قلنا إن الديوان بكامله هو عبارة عن مرثية طويلة للأحلام المغدورة وهجائية جارحة لعناصر الواقع المريض، ابتداءً بالبيت والشارع والمدينة، وانتهاءً بفكرة الحلم بالوطن:
' في الممر الأخير سلام عليك
لم يعد درج العمر أخضر
ما عاد ناي الرعاة
دليل الفتى لحقول يديك
كل ما شيدته السواعد يسقط
فوق الرؤوس كما القارعة
أبتي، ضيّع الحلم منذ ثلاثين عاماً
هنا شارعه '·
ثمّ:
' نحن جيل المذيعة في التلفزيون
مشغولةً بحوار الجسد
نحن جيل الفراغ الصمد
نحن جيل الجموع الغفيرة واللاأحد '·
كل شيء في هذا الخلاء المخاتل معرّض لأسئلة الشاعر، ولأصابعه الجسورة التي تهزه بعنف وتهدمه بحثاً عن الحقيقة الغائرة تحت طبقات الطلاء التي راكمها المهزومون والطغاة· لن يسلم أحد منه ومن صراخه المجلجل الجارح الشكّاك· فالكل أمامه متهم ويتحمل قسطاً من الوزر الذي آلت إليه الأمور· إن لم يكن بالاشتراك المباشر في صنع الهزيمة فعلى الأقل بالقبول بنتائجها وغرس الرأس في رمالها الصفراء· هذا الجموح والغضب المتأجج سيحمله على مساءلة ذاته ونقدها نقداً لاذعاً· وهذا قلّما نعثر عليه في نصوص الشعراء بشكل عام حيث تحتل الذات عندهم موقعاً مقدّساً لا يطاله النقد:
' قنينة خمر
مدفأة ومسجلةٌ
ومقاعد لم تستقبل أحداً منذ شهور
أقلام عاطلةٌ
رزمة صحف
كتب متناثرة
خمسة كؤوس قذرة
كل الأشياء، هنا، تدخل مملكة التعريف
وأبقى وحدي·· النكرة '·
حتى القصيدة التي يكتبها فهو يذهب إلى نعتها بالقصيدة الغراب كما يقول في الورقة الثامنة عشرة من إحدى قصائده· إذاً نحن أمام ما يمكن أن نسميه بقصيدة الاعترافات، حيث يلجأ الشاعر من خلالها إلى أقصى درجات البوح وإشاعة المستور، حتى لو تطلّب ذلك الدخول في تفاصيل خاصة· مثل هذا النوع من الشعر لا يكتبه إلا شاعر حقيقي مخلص للكتابة وللقضية التي يناضل من أجلها· وهذه الثيمة هي إحدى أهم الثيمات التي تميز شعر (محمد لافي)، وتمنح نصوصه الدفء والشفافية، وتجعلها طازجةً دون فبركةٍ ولعب مجاني·
انخطافة الصوفي
تحت وطأة هذا الألم الكاسح الذي يتجرعه، وفي ظل هذه الوِحدة المطبقة على روحه، وحيث يعبر الشاعر مفازة الخريف، الخريف الذي كان قد أكل الثورة من قبل وأكل معها أحلامه الصغيرة لا يجد (محمد لافي) أمامه سوى أن يتكئ على سياج الذكريات علّه يسعفه قليلاً فيتماسك ويسترد شيئاً من القوة ليواصل الغناء· هكذا على حين غرةٍ يستدعي الشاعر (العوجا) موطن صباه الأول، أصدقاء الطفولة والأمكنة الحميمة التي تلمّستها خطواته الأولى· يستدعي الأم التي تنهض من قبرها وتتفقده، ويستدعي الأب علّه ينقذه من براثن الواقع القاسي، ويرد إليه ذلك الحرز العظيم حرز الطفولة الذي ما زال متلألئاً في البال:
' غرّبتني المناشير
فلتعطني رايتي في البدايات:
طائرتي الورقية
ركضي وراء الصبايا
وأول حب على دفتر الثانوية
ردّ لي ما سرقته الرجولة
بنّك، رائحة الهيل
سمّارك الهاربين إلى صلواتك من تعب اليوم
والحالةِ المائلة
ردّ لي شجر العائلة '·
في هذه الانعطافة الحميمة نحو برية الطفولة، والتي تشبه أكثر ما تشبهه انخطافة الصوفي القصيرة ولكن العميقة الهاجسة بالكشف والأسرار يسقط الشاعر محمد لافي على مكنوناته الدفينة ويتحسس جيداً الحبل السري الذي يوصل جسده البعيد بالتراب· ها هو يقف بعد كل الخراب الذي حدث ليرفع راية المعصية ويصعّد احتجاجه:
' خمسون سنة
تتوزع في سطرين
والعمر الضّليل على مد العين
لا يتنازل عن معناه
ولا يقبل هذي القسمة في الدرب
على اثنين '·
أخيراً هل يمكن القول إنّ كل تلك البكائيات والمراثي التي يطفح بها الديوان ما هي إلا محاولات مواربة من قبل الشاعر لترويض الواقع القاسي والانتصار عليه وقهره بالشعر!! ' لم يعد درج العمر أخضر ' عبارة اقترحها الشاعر عنواناً لمجموعته الأخيرة، فيما هو في واقع الأمر ما زال يكتب بضراوة قصائده اليانعة الشفّافة، ويصعد درج الشعر الأخضر، الشعر الذي هو بمثابة عمر حقيقي للشاعر·

اقرأ أيضا