الاتحاد

دنيا

بوليوود تحصد الملايين والمتمردون يخطفون الجوائز

دبي ـ إبراهيم الملا:
واقعه البائس إلى واقع افتراضي يموج بفنتازيا المبالغة، وبالخيالات الرومانسية والتعويضية المتواصلة مع صورة البطل الذي ينتصر للفقراء والمهمشين ويرفعهم قليلا عن الأرض القاحلة التي اعتادوا العيش عليها، ورغم خلطتها الدرامية اللاذعة المبنية على مزج الحزن بالبهجة والدموع بالرقصات، إلا أن السينما القادمة من بوليوود 'أو بومباي هوليوود' مازالت تمثل لغزا للنقاد و للسينمات الأخرى وللجمهور الغربي الذي أصبح ينظر لهذه السينما كبديل عن الصرامة الميكانيكية الجامدة التي أصبحت تعج بها أفلام هوليوود المهووسة ب 'الجرافيك آنيماشن' والخالية تقريبا من الروح، وكذلك الأعمال الأوربية المائلة للسينما الفنية الخالصة وسينما المؤلف·
هل هي غزوة بوليوود المظفرة لصالات العالم ؟، أم هي مجرد نزوة في الميول والتذوق السينمائي! أم أن الأسباب الرئيسية تعود للهيمنة الطاغية التي صنعتها سياسة الإنتاج السينمائي السنوي، وجيش العاملين خلف هذه الماكينة الفيلمية الهائلة '1200 فيلم في السنة الواحدة، وعشرة ملايين هندي يعتاشون من وراء هذه المهنة، يضاف إليهم خمسة ملايين مشاهد في الهند وثلاثة ملايين مشاهد على مستوى العالم يدفعون قيمة تذاكرهم يوميا لشراء التسلية المتماهية مع الأحلام والقصص الخرافية والفرجة المنقطعة عن مآسي الخارج'·
قد لا تعبر هذه الأرقام التي تتفوق على الأرقام القادمة من هوليوود عن الثراء الفني واستقلال الاتجاهات والمواضيع السينمائية في ماكينة التفريخ البصري هذه !، ولكنها تشير في الأساس للحجم الخيالي من الإيرادات التي تحتل جيوب المنتجين ونجوم الصف الأول في الهند، وتشير أيضا إلى ذوق المشاهدة الجديدة التي يمكن أن تجرف معها أي ذوق نقدي وفني وانتقائي يمكن الاستناد عليه عند تحليل الظاهرة البوليوودية·
بدايات السينما الهندية
ظهرت السينما في الهند لأول مرة في العام 1896 مع عرض الفيلم الفرنسي 'عجائب الدنيا' للأخوة 'لوميير'، بعد ذلك مباشرة وفي العام 1913 وعلى يد المخرج 'دادا صاحب فالكي' أصبح فيلم ' راجا هاريشندرا' هو الأول الذي يتم عرضه بنجاح تجاري وجماهيري في تاريخ السينما الهندية، وكانت المواضيع التي عمل عليها المخرج تعتمد بشكل أساسي على القصص الملحمية والشخصيات الخرافية التي يزخر بها التراث الهندي، ومن المصادفات الغريبة التي جابهت المخرج هي عدم موافقة أية امرأة في الهند كلها على الظهور في شريطه السينمائي الأول استنادا على العادات والمواثيق الدينية والاجتماعية التي منعت حتى المومسات من الدخول في هذا المجال ، ما دفع المخرج في النهاية للاستعانة برجل كبديل لتعويض هذا النقص!·
بعد هذه التجربة المثيرة والمغامرة السينمائية الأولى في أرض التوابل والحريروالفقروالأديان المتناحرة، ظهر عدد من المخرجين الرواد الذين أتوا من مناطق مختلفة وصنعوا أفلاما بلهجات محلية متعددة، ومع ظهور الاستوديوهات والمعامل الفنية في العام 1930 بدأت الملامح الأولى لصناعة السينما في الهند بالتوضّح شيئا فشيئا، وكان فيلم 'ديفداس' للمخرج ' بي سي باروا' الذي عرض العام 1935 وحمل مضامين احتجاجية ضد تقاليد الزواج المتوارثة هو أكثر الأفلام الأولى التي عرفت التميز الفني والموضوعي ـ أعادت بوليوود إنتاج هذا الفيلم مرتين ، الأولى عام 1955 مع الممثل الأسطوري ديليب كومار ، والثانية قبل سنوات قليلة وقام ببطولته الممثل المعروف 'شاه روخ خان' ـ ، وفي العام 1936 أستطاع فيلم 'سانت توكارام' للمخرجين' داملي' و'فاتح لال' في الحصول على أول تقدير دولي لفيلم قادم من الهند وذلك عندما حاز على جائزة خاصة من مهرجان فينيسيا الإيطالي·
المرحلة الثالثة والمهمة التي صنعت مجد السينما الهندية بدأت على أيدي أسماء إخراجية مألوفة لأذن المشاهد الحديث ، أمثال راج كابور وبيمال روي وجورو دت، فـراج كابور ورث المهنة من والده، وورّثها بدوره لأولاده وأحفاده التي ما زالت سيرتهم الفنية ملء السمع والبصر في السينما الهندية، وهو أحد الأسماء التي وازنت بين الإبهار التجاري والطرح الفني ، أما المخرج بيمال روي فكان أول من أدخل أسلوب الواقعية الإيطالية الجديدة في الأفلام الهندية من خلال فيلم ' فدادين الأرض' وكان ذلك في العام 1954 ، ويعتبر المخرج جورودت عبقري السينما الهندية دون جدال، حيث ناقش في أفلامه وبجرأة تلك القضايا الداخلية المسكوت عنها، كما استهجنت أفلامه المحظورات الاجتماعية التي أرغمت الكثير من المبدعين على التخلي عن مشاريعهم·
ومع انحسار موجة الاحتجاج في السينما الهندية لأسباب تجارية، ولأسباب أخرى تتعلق بالقمع الاجتماعي ودخول أصحاب النفوذ، ومافيات البغاء والملاهي في لعبة الترفيه والتسلية، والابتعاد عن النقد السياسي والاجتماعي في مواضيع الأفلام وفي أنماطها الفكرية والإخراجية، أصبحت السينما الهندية في بداية السبعينات رمزا للطوباوية الرومانسية التي تركت خلفها ميراثا مدمرا من سينما الحقيقة، وسينما 'الحب الملعون' التي خذلت روّادها المؤمنين بقدرة الصورة على الثورة وتغيير المفاهيم البائدة·

اقرأ أيضا