الاتحاد

دنيا

بيروت يا بيروت كل شيء يتبدل

بيروت - ريميال نعمة:
في الزاوية فتاة تتصفح كتاباً رافضة انهاء كوب العصير الذي تشربه منذ ساعة على الأقل··· وفي أخرى تتحلق مجموعة من الفتيات حول بعض أكواب القهوة الأميركية، يتهامسن يتضاحكن، يسرقن نظرة من هنا ونظرة من هناك بشغب أنثوي محبب··· وثمة زميلات لهن يوحين بالجدية اكثر بتحلقهن حول كومبيوتر محمول، والجلسة تطول·
على طاولة أخرى حوار طويل يجريه ناشط بيئي مع احد زملائه، وفي زاوية من المكان تجلس مجموعة من المثقفين: كتاب شعراء، صحفيين، روائيين، يتجمعون في حلقة واحدة تزيد حيناً وتنقص احياناً بحسب سخونة الطقس السياسي وحرارة المواقف بينما يجلس عدد من الشبان بربطات عنق وأناقة ظاهرة يتناولون اكواب القهوة او الشاي··· يسرقون لحظات الراحة من خلال دوام العمل الوظيفي الطويل·
وجوه تعرفها ولا تعرفها، صحفيون، اعلاميون، مذيعون، ورجال سياسة وأعمال، مفكرون، بالنسبة للبعض، هو مكان اللقاء الأحب، يتسامرون يتسلون ويقتلون الوقت بقليل من الدردشات والقليل القليل من المصروف، انها الجلسات الأقل كلفة في المدينة··· اما بالنسبة للبعض الآخر فهي الملاذ والوسيلة الأنجح للهروب من متاعب الحياة اليومية، حيث الغياب عن ارض الواقع وعن الكثير الكثير من الهموم والمنغصات على كل المستويات السياسية عنها والاقتصادية والحياتية·
'هايد بارك' لبناني
هذا هو المشهد العام للمقهى اليوم، مشهد يكاد يتكرر يومياً على امتداد النهار··· ليظل المقهى هو المكان الأفضل لاستراحة مؤقتة او 'لدردشة على الماشي' او لجلسة عمل سريعة، او للقاء تعارف او ربما لنقاشات فكرية وسياسية هي الشغل الشاغل للبنانيين· هو مساحة تواصل وفسحة يومية كأنه بمثابة 'هايد بارك' للكثيرين· في بيروت وحدها اكثر من 500 مقهى بحسب المنطقة ومدى اكتظاظها بالمحال التجارية والمتسوقين· شارع الحمراء أشهرها، فهو يضم مقاهي يرتادها العديد من رواد المنطقة والموظفون في المؤسسات الحكومية والرسمية الموجودة فيها بكثرة··· ولطالما كان هذا الشارع علامة فارقة في ثقافة هذا البلد· فلهذا موعده الصباحي المعتاد··· ولذاك مطرحه ومكانه وكرسيه المفضل، ولتلك شلتها التي تحوم حولها كما يحوم النحل على وردة يتيمة··· ولآخر مكانه الاستراتيجي لمراقبة المارة لا سيما النساء منهم·
حكم الحرب ··· و الزمن
ويتواصل اليوم دور شارع الحمراء على استحياء فثمة مقاه أقفلت وتحولت الى مكان لبيع الالبسة، وأخرى بدّلت من مظهرها الخارجي لترضي جمهوراً نخبوياً··· البعض منها لا زال محافظاً على شكله كما رواده وهي بأي حال لم تعد شبيهة بالمقاهي الثقافية التي ارتبطت بأسماء كتّاب كبار مثل مقهى 'بشر' الذي كان يجلس فيه عباس محمود العقاد وطه حسين وتوفيق الذقن، او مقهى الفيشاوي، او مقهى الحرافيش الذي يقدّم مشروبات تحمل عناوين روايات نجيب محفوظ··· فالزمن قد تغيّر والمدينة بدأت تفقد ذاكرتها ومع هذا لطالما كان هذا الشارع علامة فارقة في ثقافة هذا البلد··· فقد عرف في عزه وماضيه الغابر الكثير من المقاهي الشهيرة التي كان لها حضورها وروادها وشهرتها الخاصة، فانتمت الى الشارع او انتمى اليها لا فرق··· كمقهى 'الهورس شو' خلال السبعينات والذي كان يرتاده العديد من الوجوه البارزة في تلك الفترة، من مثقفين، وممثلين، ومسرحيين وشعراء، وفنانين· وقد ارتبط اسم 'الهورس شو' بشارع الحمراء لزمن طويل، حتى عملت الحرب على تغيير معالمه مرات عديدة، فقد اقفل المقهى ابوابه امام رواده كما امام تلك الحقبة بكل اضغاثها وثقافتها، وذاكرتها، لتبدأ ثقافة من نوع آخر هي ثقافة السلاح وحرب الشوارع· رغم هذا بقي مقهى 'الهورس شو' مكانه، تبدلت عناوينه، وعاد منذ فترة لينفض عنه غبار الفترة الماضية··· تبدّل وتغيّر وارتدى حلة جديدة وحاله لم تعد تختلف عن حال مقاهي المدينة الحديثة··· أما رواده فمتنوعون، متسوقون، طلاّب، زوار المنطقة من موظفين وغيرهم· ومثله مقهى الـ 'مودكا' ذلك المقهى الدائري الذي صمد امام كل الظروف التي واجهته، حافظ على زبائنه من رواد شارع الحمراء من صحافيين وكتّاب وزوار وأطباء وموظفين خلال الحرب وما بعدها، الا انه حتماً لم يستطع الصمود امام ذلك التحول الذي أصاب معالم المدينة والحس التجاري لأبنائها··· فقد قرر أصحابه ومنذ فترة قصيرة تحويله الى محل للألبسة ففقدت الحمراء معه احد أبرز معالمها ومقاهيها·
المقاهي الصامدة
وقد صمد حتى اليوم مقهيان هما: 'كافيه دو باري' و 'الويمبي'، حيث بعض المثقفين الذين يصرون على الجلوس فيه يومياً لاسيما خلال فترة الصباح (فالمقهى يقفل أبوابه مساءً) فبات وكأنه يفتح ابوابه خصيصاً لهم، وقد تتوسع جلسة هؤلاء في 'الكافيه دو باري' لتضم اكثر من 15 شخصاً يترأسهم ويتزعمهم يومياً الشاعر عصام العبدالله ··· ومنهم شوقي بزيع، حسن عبدالله، جودت فخر الدين، رشيد الضعيف، فيصل سلمان، محمد شقير زاهي وهبي وغيرهم الكثيرون·
اما الآخر، فله رواده ومحبوه من كل المستويات ولا سيما زوار شارع الحمراء من السياح العرب الذين يستمتعون بالجلوس على طاولات الرصيف الموضوعة خارج المقهى والتي تطل على منتصف الشارع وحركته الدؤوبة·
خصوصية ثقافية
وفي فترة المساء يحضر مقهى 'سيتي كافيه' الذي اكتسب شهرته الخاصة بسبب قربه من المقر السكني لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري الذي كان يأتي الى المقهى للقاء الصحفيين والاصدقاء والمثقفين··· ولا يزال 'سيتي كافيه' يحتفظ بخصوصية ما سواء بالتعاطي مع زبائنه او بارتياد البعض له، وفيه تعقد حلقات من النقاشات تتناول مجمل المواضيع المطروحة في البلد، فالمقهى هو المكان الأحب بالنسبة لأهل الكلمة والقلم؛ يتحاورون، يتناقشون، يتجادلون، يختلفون ويفترقون، ومن ثم يلتقون في اليوم التالي ليتصالحوا ويعاودوا النقاش من جديد·
يقول واحد: 'تنتهي دائماً مشاويرنا الخاصة، ونعود لنلتقي في الحمراء من جديد· فالحياة مع شارع الحمراء بلا يأس بارد، كان يسمع مع بحة اصواتنا في الغربة التي نعيشها في الوطن وخارجه'·
ويتابع آخر: 'ان تكون من مثقفي المقهى او من رواد المقهى فهذا امتياز اكثر منه تهمة، انه تصنيف وتوصيف لحال المكان أولاً وجمهوره النخبوي المثقف (يختلف المعنى هنا) ··· والملفت انه وبعد ان كان الوفاء للمكان هو احدى السمات البارزة للمثقف، بات هؤلاء يبدلون المقاهي كما يبدلون ربطات العنق··· هي حالة الجمود المرافقة للمدينة'·
اما فردان بشارعه العريض والانيق فيكاد لا تخلو فيه زاوية من مقهى··· فهو احد اكثر مناطق بيروت اناقة وشياكة وجمهوراً كما قاطنيه ورواده ومحاله ومراكزه التجارية التي تعتبر خمسة نجوم، وأسعاره نار، وفي فردان ثمة محطات للراحة والاستجمام بعد عناء يوم مضنٍ في التسوق·
شارع نخبوي ومتمرد
يبدو الشارع المتفرع من شارع الحمراء وكأنه يتمرد على رواد هذا الاخير من الصعاليك والمهمشين الذين يعيشون خارج الحياة··· يتمرد بأسلوب العيش وبواجهاته الانيقة··· بمقاهيه المختلفة التركيبة والاسعار باستثناء 'ستار باكس' وتعج مقاهي الشارع بالرواد: رجال اعمال، طلاب، وسيدات مللن التجول في المراكز التجارية وانفاق النقود وقررن الاستراحة للبحث عن طريقة اخرى لصرفها ربما، وقد تلمح في المكان وجوهاً اعلامية وصحافية، وفنية، وقليلا من المثقفين خوفاً ربما من ان يتهموا بوصمة شارع فردان··· وتهمة النخبوية او البرجوازية· فالمكان كما يبدو معد خصيصاً لاستراحة نسائية على فنجان قهوة او كوب عصير او غداء سريع بعد جولة تسوق مهمة·
تؤكد احدى السيدات أن جلسة المقهى بالنسبة لها متعة حقيقية بعد نهار من التسوّق··· وتضيف: 'نادراً ما أرتاد المقهى وأجلس فيه دون ان اكون قد قررت التسوق في المتاجر المحيطة والمجاورة هكذا استفيد من وقتي، واستريح بعد عناء التسوّق· وقد اغتنم الفرصة للقاء دردشة مع الصديقات او لموعد عمل بسيط دون ارباكات الزيارة العائلية والواجبات الاجتماعية التقليدية'·
المقهى هو الأحب إلى قلوب الجيل الشاب فهو الذي يقف حائلاً احياناً بين حبيبين أو باقتراب همساتهما الرقيقة تماماً كما يحول دون خلافاتهما وعتابهما وصراخهما بصوت مرتفع·
تذهب قصص الحب ويتبدل ابطالها وتبقى المقاهي وحدها الشاهد الملك على تلك الحكايات كما على روادها المختلفين··· تحجز لهم اماكن جاهزة دوماً لاستقبالهم، حتى ولو قرروا استبادلها بمكان آخر·

اقرأ أيضا