صحيفة الاتحاد

دنيا

كتابة الدَيْن.. تحفظ المال وتدفع النزاع والشقاق

أحمد محمد (القاهرة)

سبق التشريع الإسلامي بالتشريع المدني والتجاري غيره بنحو عشرة قرون، وأمر بتنظيم العلاقات المالية بين الناس، وأكد تدوينها وتسجيلها، بل والإشهاد عليها حفظاً لحقوق كل الأطراف، فالكتابة أمر مفروض بالنص، غير متروك للاختيار في حالة الدّين إلى أجل، وتصدير الحكم بالنداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، دليل على الاهتمام به، لأن النداء يوجب انتباه المنادى، ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وهذا تشريف للمؤمن وتكريم له بخطاب الله له، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى? وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى? أَجَلِهِ ذَ?لِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى? أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، «سورة البقرة: الآية 282».
يقول العلماء، لما حث الله تعالى على الصدقات، وحرَّم الربا، ودعا إلى العفو عن المعسر، والتصدق عليه بإسقاط الدَّين، جاءت هذه الآية «آية الدَّين» لتعطي للمال حقه، وترفع شأنه، فإنه قوام الحياة، فقررت واجب الحفاظ عليه، بكتابة الديون، والإشهاد عليها بمن تُرضَى عدالتهم، وكون الشاهدينِ رجلينِ مسلمين حرَّين، فإن انعدم رجل من الاثنين، قامت امرأتان مقامه، واستحث الله تعالى مَن يحسن الكتابة أن يكتب إذا كان ذا سعة من أمره، وحرَّم على الشهود إذا ما دُعوا لأداء الشهادة أن يتخلوا عنها، وحرم على المتداينين ألا يكتبوا ديونهم ولو كانت قليلة، فقال تعالى: (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى? أَجَلِهِ)، «سورة البقرة: الآية 282».
ورخَّص سبحانه، عدم كتابة التجارة الحاضرة التي يدفع فيها السلعة في المجلس ويقبض الثمن فيه، وأمر بالإشهاد على البيع، ونهى عن الإضرار بالكاتب أو الشهيد بأن يلزم الكاتب أن يكتب، أو الشاهد بأن يطلب منه أن يشهد، أو أن يدُعى إلى مسافات بعيدة تشق عليه، إذ أمره تطوُّع وفعل خير لا غير.
وجاء في «التفسير الميسر»، يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إذا تعاملتم بدَيْن إلى وقت معلوم فاكتبوه، حفظاً للمال ودفعاً للنزاع، ولا يمتنع مَن علَّمه الله الكتابة عن ذلك، وليقم المدين بإملاء ما عليه، وليراقب ربه، ولا ينقص من دينه شيئا، فإن كان المدين محجورا عليه، أو صغيراً أو مجنوناً، أو لا يستطيع النطق لخرس به أو عدم قدرة على الكلام، فليتولى الإملاء عن المدين القائم بأمره، ولا تَملّوا من كتابة الدَّين قليلاً أو كثيراً إلى وقته المعلوم، ذلكم أعدل في شرع الله وهديه، وأقرب إلى نفي الشك في جنس الدَّين وقدره وأجله، لكن إن كانت مسألة بيع وشراء، بأخذ سلعة ودفع ثمنها في الحال، فلا حاجة إلى الكتابة، ويستحب الإشهاد على ذلك منعاً للنزاع والشقاق.