الاتحاد

الاقتصادي

بيزنس البيانات الشخصية يغزو السوق المصرية

القاهرة - محمود عبدالعظيم:
يبدو أن البيانات والمعلومات الشخصية المسجلة لدى العديد من الجهات مثل شركات الهاتف والمصارف أصبحت تجارة رائجة تتداولها شركات التسويق المحترفة في السوق المصرية ضاربة عرض الحائط بمبادئ الحفاظ على خصوصية البيانات والمعلومات التى نصت القوانين والاعراف الدولية على صيانتها · وفي ظل تحول متسارع نحو اقتصاد السوق في مصر ظهرت حاجة الشركات لما يعرف بدراسات وبحوث السوق لتحديد اتجاهات وأذواق المستهلكين والأنماط الاستهلاكية ومعرفة مجتمع المستهلكين ذاته وتحديد شرائحه لاختيار الشرائح المستهدفة·
في بداية الأمر وجدت الشركات المنتجة للسلع أو الخدمات صعوبات في التعرف على مجتمع المستهلكين واحتياجاتهم نظرا لعدم وجود قاعدة بيانات لدى أي من هذه الشركات حول أفراد المجتمع· وترتب على ذلك وجود فجوة معلوماتيه في السوق دعت البعض لمحاولة سدها عن طريق توفير البيانات المطلوبة للشركات كنوع من البيزنس الجديد الذي بدأ يظهر في مصر خلال الفترة الأخيرة وهو البيزنس الذي يعرفه مجتمع الأعمال بتجارة البيانات الشخصية·
ونظرا لحداثة عهد السوق بهذا النوع الجديد من النشاط لم يتم تقنينه حيث لم تحصل أي من الشركات الجديدة على ترخيص بمزاولة هذا النشاط حيث يقوم به عدد من الشركات المتخصصة في مجال الاستثمارات والبحوث التسويقية وبعض شركات العلاقات العامة·
وبسبب الربحية العالية والتكاليف القليلة لتجارة البيانات الشخصية باعتبارها تقدم للشركات المنتجة للسلع والخدمات 'زبائن جاهزين' فقد تدافعت جهات وأفراد عديدون للعمل في هذا المجال وشهد منافسة حادة مع التورط في سلوكيات غير قانونية أو غير أخلاقية لا تتفق مع قواعد البزنيس·
ومن بين هذه السلوكيات ما يدخل في عداد انتهاك الخصوصية واقتحام الاسرار الشخصية للعملاء مما يؤدي الى الكثير من المشكلات بين الافراد والجهات التي يتم الحصول منها على البيانات وفي مقدمتها شركات الهاتف النقال والنوادي الاجتماعية والرياضية وشركات الانترنت واحيانا بعض البنوك عبر مراكز اصدار بطاقات 'الفيزا' و'الماستر كارد'·
وهناك سؤال يطرح نفسه في عالم الأعمال بمصر حول مدى قانونية تجارة البيانات الشخصية والمخالفات والتجاوزات التي تقع فيها الجهات التي تتسرب منها هذه البيانات وكيف يمكن توفير قواعد بيانات للشركات تساعدها على تسويق منتجاتها والتعرف على أذواق واتجاهات المستهلكين دون المساس بمبادئ الخصوصية والحريات الشخصية·
بيزنس عالمي
ويرى ماهر مقصود -المدير التنفيذي لشركة 'دليشوس إنك' المالكة لسلسلة منشآت سياحية- ان تجارة البيانات الشخصية 'بينزس عالمي' معروف في جميع دول العالم ولكن في ظل ضوابط قانونية وأخلاقية تمنع اساءة استخدام هذه البيانات من جانب الجهات التي تحصل عليها وتضمن عدم انتهاك الخصوصية أو افشاء الأسرار الشخصية للعملاء·
وقال ان المجتمع المصري يمر بمرحلة تحول جذري حيث يتجه الى اقتصاد السوق القائم على المنافسة ومعرفة رغبات المستهلكين وتلبيتها والحاجة تزداد لمعرفة معلومات كافية عن هؤلاء المستهلكين وفي ظل غياب قاعدة بيانات قومية تملكها جهة من الجهات الرسمية أو تملكها ولا يمكن ان تمنحها لأحد يستخدمها في أغراض تجارية تبدو جهود من يعملون في مجال تجارة البيانات الشخصية أمرا ضروريا للشركات الراغبة في تسويق منتجاتها أو الوصول بخدماتها للشرائح المستهدفة·
واضاف ان انزعاج المواطنين من ورود مكالمات تليفونية من اشخاص لا يعرفونهم ثم يتضح انه تم الحصول على ارقام الهواتف من جهات مختلفة قد تكون شركة الهاتف نفسها أو النادي الاجتماعي الذي ينتمي اليه الفرد أو حتى البنك الذي يتعامل معه أمر يعود الى عدم اعتياد المصريين على اقتحام الغرباء -ولو عبر الهاتف- لخصوصيا تهم الأمر الذي يتسبب في مشاكل عديدة ومن ثم تبدو الحاجة ملحة لتقنين هذا النشاط بحيث تتضمن استمارات التعارف في أي جهة تشمل البيانات الشخصية سؤالا يتعلق برغبة المواطن في اتاحة هذه البيانات لجهات اخرى أم لا وذلك بوضوح ومن يقبل ذلك يقبله برغبة ومن يرفضه يمكنه الرجوع على الجهة التي قدمت بياناته الشخصية لجهة اخرى دون رغبته ويمكنه ان يقاضيها ويحصل على التعويض المناسب وبالتالي لا يصبح هناك أي انتهاك للخصوصية·
ويشير الى ان الكونجرس الاميركي شهد مؤخرا أزمة بسبب مشاكل مشابهة نتيجة تسرب بيانات 1,2 مليون موظف في الحكومة الفيدرالية وهي بيانات كانت مخزنة على أجهزة الكمبيوتر في بنك 'أوف اميركا' وتتسم بالسرية والخصوصية·
ورغم ان البنك أعلن في بيان رسمي ان هذه البيانات تمت سرقتها ولم يتم تسريبها بواسطة أي من العاملين فيه فان عددا من اعضاء اللجنة القانونية في مجلس الشيوخ الاميركي طالبوا بضرورة اصدار تشريع يحد من الاتجار بالبيانات الشخصية للافراد لصالح هيئات تجارية وانشطة اقتصادية خاصة أو حتى لعملاء تابعين للحكومة·
ويضيف ماهر مقصود انه مع تسلمينا بأن تجارة البيانات الشخصية تصطدم بأعراف المجتمعات المحافظة فانه يجب التسليم ايضا بأن تكنولوجيا المعلومات والانفتاح على صعيد الاتصالات أتاح قدرا هائلا من المعلومات عن الاشخاص لم يكن متاحا من قبل وبالتالي يصبح من الطبيعي ان يظهر من يحاول استثمار هذه البيانات والمعلومات لأغراض تجارية والحل في تقنين هذا النشاط ووضع الضوابط اللازمة له·
البنوك بريئة
وإذا كانت قائمة الجهات المتهمة بتسريب بيانات عملائها تشمل شركات الهاتف المحمول والانترنت والنوادي والبنوك فإن حازم مدني -مدير العمليات في بنك الاسكندرية- ينفي تماما امكانية قيام أي بنك بتقديم بيانات عملائه لأي جهة لاستخدامها في أغراض تجارية مشيرا الى ان البنوك بريئة تماما من مثل هذه الأمور·
ويضيف ان قانون سرية الحسابات المصرفية يلزم البنوك بعدم افشاء بيانات عملائها الا بإذن قضائي -يصدر غالبا من محكمة الاستئناف ويصدر مسببا- لاستكمال تحقيقات جارية وبالتالي بتسهيل الحصول على مثل هذه البيانات من الجهاز المصرفي كما أن معظم بيانات العملاء لدى البنوك لا تفيد في الأغراض التجارية حيث لا تشمل في معظم الأحيان أرقام الهواتف بل تقتصر على الاسم والعنوان ورقم الهوية وبالتالي لا تسعى الجهات الراغبة في الحصول على البيانات الشخصية لاهداف تجارية لمثل هذه البيانات غير المفيدة لأن هذه الجهات تريد معرفة المستوى التعليمي ومستوى الدخل والمهنة لتحديد الشريحة الاجتماعية التي ينتمي اليها صاحب البيانات بهدف وضعه ضمن اي من الفئات المستهدفة واذا كان يمكن له شراء السلعة أو طلب الخدمة المراد تسويقها أم لا·
ويضيف ان الفنادق الجديدة في المنتجعات الساحلية التي تريد تسويق خدماتها لا تفيدها معرفة قوائم تضم اسماء مواطنين وعناوين منازلهم ولكن يفيدها معرفة قدرة هؤلاء على السفر وقدراتهم الشرائية عن طريق تحديد مستواهم الاقتصادي والاجتماعي وهو أمر لا توفره البيانات المتاحة بالبنوك·
ويطرح حلا يتمثل في ضرورة تنشيط مراكز البحوث الجامعية ومراكز استطلاع الرأي الرسمية التابعة للدولة مثل مركز المعلومات ودعم اتخاذ الفرار في مجلس الوزراء حيث أثبت هذا المركز قدرات جيدة في الفترة الماضية على القيام باستطلاعات رأي مفيدة في قضايا مهمة فهذه المراكز يمكنها القيام بدراسات ميدانية وبحوث تسويقية لتحديد اتجاهات المستهلكين ومعرفة أذواقهم وامكانية قبولهم لسلع وخدمات معينة وذلك بمقابل مادي لحساب الشركات الراغبة في ذلك وهذا من شأنه ان يساعد الشركات على تسويق منتجاتها وخدماتها بتكلفة أقل ولا يتسبب في انتهاك خصوصية الافراد خاصة وأن هذه المراكز وخاصة التابعة للجامعات تتبع اساليب علمية واحصائية واختيار عينات عشوائية تجعل النتائج التي تتوصل اليها جيدة وتتسم بالموضوعية·
شركات مرخصة
ويؤكد فادي الجندي -مدير التشغيل بشركة 'واي أوت' المتخصصة في أعمال الانترنت- أن بيزنس تجارة البيانات الشخصية يعد احدى ثمار ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات·
ويشير الى ان التطورات الاقتصادية الايجابية التي شهدتها مصر خلال الشهور الأخيرة أدت الى طلب متنام على البيانات التي تستخدمها الشركات الجديدة في تسويق منتجاتها كما ان نمو تجارة الخدمات يعتمد على هذه البيانات اعتمادا كبيرا لأن الخدمة قائمة على المعلومة وبالتالي جاء هذا النشاط ليسد فجوة في السوق ويلبي احتياجات شركات عديدة·
ويطالب بضرورة تأسيس شركات مرخصة يكون نشاطها الاساسي هو تجارة البيانات حتى تسهل مراقبة اعمالها واخضاعها للقانون ومحاسبة القائمين عليها في حالة وقوع تجاوزات أو إساءة استخدام بيانات أي شخص بدلا من الوضع الحالي حيث تقوم بهذا النشاط شركات غير مرخصة أو مرخصة لنشاط آخر مثل شركات الاستشارات والبحوث التسويقية أو شركات العلاقات العامة·
وقال ان التطور الاجتماعي والاقتصادي بات يفرض انماطه من السلوك والانشطة الجديدة وعلينا مواكبة الاحداث بابتكار حلول ومبادرات تتسم بالواقعية وتحقق مصالح كل الاطراف·

اقرأ أيضا

«موانئ دبي» تفتتح منصة كيجالي اللوجستية