تقارير

الاتحاد

الأزمة السورية... ومخاطر استقطاب الأصولية

خلف تفجير انتحاري مزدوج يوم أمس بمدينة إدلب، التي تعيش على وقع الاضطرابات المتواصلة، ثمانية قتلى على الأقل، مشيراً ربما إلى أن الانتفاضة المستمرة ضد النظام السوري قد تكون بصدد تبني تكتيكات عنيفة معروفة أكثر في العراق ومناطق أخرى. ولكن العملية الانتحارية الأخيرة جاءت بعد يوم واحد على وصول الجنرال "روبرت مود"، رئيس بعثة المراقبين الأمميين في سوريا، إلى دمشق للإشراف على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض دخوله حيز التنفيذ في 2 أبريل الماضي.
وعلى رغم أن أحداً لم يعلن مسؤوليته رسميّاً عن التفجير الأخير الذي هز مدينة إدلب، إلا أن تفجيرات سابقة أعلنت المسؤولية عنها جماعة مجهولة يُعتقد أنها تنتمي للتيار السلفي الجهادي. فقد أعلنت الجماعة تبنيها لهجمات انتحارية نفذت في دمشق خلال الأسبوع الماضي وأسفرت عن مقتل 11 شخصاً وجرح 28 آخرين، وحسب موقع متشدد على الإنترنت فقد تبنت الجماعة عملية دمشق ونسبتها إلى متشدد قالت إنه فجر نفسه بالقرب من عناصر الأمن التابعة للنظام. كما أعلنت الجماعة وقوفها وراء التفجيرين الانتحاريين اللذين استهدفا دمشق في 17 مارس الماضي وخلفا مقتل 27 شخصاً.
وفي شهر يناير الماضي قالت صحيفة "الأخبار" اللبنانية إنها تلقت شريط فيديو من الجماعة يُظهر مجموعة من الأشخاص يتلقون تدريباً عسكريّاً، وتضمن الشريط أيضاً تصريحاً لمن يعتقد أنه زعيم الجماعة، يدعى فاتح أبو محمد الجولاني، يدين النظام ويحشد التأييد ضده، واسم الجولاني ربما يشير إلى انحدار زعيم الجماعة من منطقة الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل منذ 1967.
ولكن على رغم هذه المعطيات فقد شككت المعارضة السورية في العمليات الانتحارية الأخيرة ومدى انتسابها إلى حركات "جهادية" كما يدعي النظام، مؤكدة أنها عمليات من صنع النظام نفسه الذي يسعى إلى تبرير مزاعمه القائلة إنه يخوض حرباً ضد جماعات إرهابية تابعة لتنظيم "القاعدة"، وإنه يستهدف الإرهابيين بدل المتظاهرين السلميين.
وفي هذا السياق يقول عمار عبدالحميد، الناشط السوري المقيم في أميركا إن "الخلايا الوحيدة التابعة للقاعدة في سوريا هي تلك التي يستغلها النظام وجهازه الأمني، كما أن التفجيرات الانتحارية التي تمت في الآونة الأخيرة كانت بعلمه، هذا إن لم تكن بإشرافه المباشر، وسواء تعلق الأمر بالتوقيت، أو الطرف المستفيد، وحتى معطيات أخرى، فإنها تشير جميعاً بأصابع الاتهام إلى النظام نفسه، وليس إلى غيره".
ولتوضيح ما يقول إنها قرائن تذهب في اتجاه تورط النظام استشهد الناشط عبدالحميد بما قاله وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، خلال مؤتمر صحفي بدمشق من أن النظام السوري لا يشعر بالحرج من التفجيرات الانتحارية لأنها تضفي المصداقية على مزاعمه بأنه يواجه خطر المسلحين الإسلاميين.
ولطالما اعتبر المحللون أن السلطات السورية تعاونت في مرحلة من المراحل مع شبكات أصولية على أساس تكتيكي ومرحلي، حتى وإن كان النظام الذي يقول إنه علماني وينتمي إلى الطائفة العلوية لا ينسجم في توجهاته وعقائده مع التشدد الذي يمثله الأصوليون السنة.
وفي جميع الأحوال هناك أدلة متزايدة على أن الانتفاضة السورية المستمرة منذ أكثر من عام بدأت تجذب اهتمام بعض المسلحين الأصوليين إلى ساحة معركة جديدة بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق واقتراب وقف "الناتو" لعملياته في أفغانستان. كما أن الظواهري، زعيم "القاعدة"، عبر عن تأييده للانتفاضة السورية، قائلاً إن من واجب المسلمين جميعاً في الدول المجاورة سواء تركيا، أو الأردن، أو العراق، أو لبنان، تقديم المساعدة لإخوتهم في سوريا.
وفي الأسبوع الماضي نقلت بعض وسائل الإعلام مقتل القيادي اللبناني البارز المحسوب على التيار الجهادي، عبدالغني جوهر، في سوريا، ولكن ظروف وتفاصيل مقتله لم تعرف على وجه الدقة بعد في ظل التقارير المتضاربة التي تقول إنه لقي حتفه في مدينة القصير السورية القريبة من الحدود اللبنانية عندما انفجرت في وجهه قنبلة كان ينوي زرعها، فيما يذهب البعض الآخر إلى أنه قضى في تبادل لإطلاق النار بمدينة حمص المضطربة، وكان جوهر مطلوباً للسلطات اللبنانية لضلوعه في تفجيرات استهدفت الجيش اللبناني في عام 2008.
وأكثر من ذلك نقلت صحيفة "الحياة" اللندنية يوم الجمعة الماضي أن عنصرين متطرفين من الأردن لقيا حتفهما في سوريا خلال مواجهات مسلحة مع قوات الأمن، وأضافت الصحيفة أن أجهزة الأمن الأردنية اعتقلت عبدالله قباع، الخبير في المواد المتفجرة، ومعه عناصر أخرى كانوا يحاولون عبور الحدود إلى سوريا.
وهذه المعطيات وغيرها تثير قلق المراقبين للثورة السورية من احتمال انعطافها إلى مزيد من الراديكالية وغلبة الجانب العسكري المتطرف على نهجها، ولاسيما في ظل ما يعتبره السوريون المنتفضون، الذين يعانون من قمع قوات الأمن، تجاهلاً دوليّاً لمصيرهم وعدم الوقوف إلى جانبهم، وذلك على رغم ما يبديه المجتمع الدولي من تعاطف لا يتجاوز الكلمات. وتضاف إلى ذلك رغبة النظام في دفع الأمور في هذا الاتجاه لتأكيد مزاعمه للعالم وإثبات أن معركته هي ضد التطرف الإسلامي الذي يسعى إلى السيطرة على المنطقة وزعزعة استقرارها، وأن حملة القمع الوحشية التي ظل يقودها ضد شعبه لأكثر من سنة تندرج في إطار الدفاع المشروع عن النفس وصد هجمات الإرهابيين.

نيكولاس بلاندفورد
بيروت

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا