الاتحاد

دنيا

عجين الأرض

بيروت - غادة تميم
يقولون في الامثال الشعبية 'مثل الفواخرة لا دنيا ولا آخرة' وذلك للاشارة الى الانسان الضائع الذي لا فائدة ترجى منه في الدنيا وبالتالي فلا حظ ولا نصيب له في الجنة برأيهم، على اساس ان 'اقربكم الى الله انفعكم لعياله' كما يقول الحديث الشريف·
ولعل هذا المثل الشعبي لم يأت من فراغ، لأن عمل الفاخوري، أي صانع الفخار، تعب وركض طوال النهار خلف الحصان الذي يدور في دوائر متواصلة ليعجن بسنابكه الطين مع الماء فيصفيه من الشوائب، ثم عليه ان يأخذ هذا الطين لينخله في مناخل ناعمة فيصفيه مرة أخرى، ثم يعجن ويدلك ويلف ككتل كبيرة في خرق رطبة ليخمّر لعدة ايام، لتؤخذ منه بعد ذلك قطعاً صغيرة ليتم تصنيعها على دولاب الفاخوري بعد اعادة عجنها وتليينها عن طريق وضع الفاخوري ليديه في الماء لتسهيل صياغتها من الخارج، ثم يضيف اليها قطعاً زخرفية بيده، كأذن الجرة او فم الابريق واذنه وقاعدته لاحقاً، ثم يضعها في الشمس لتجف وبعد ان تجف يحملها الى الفرن لتحرق ثم قد يأتي بعد هذا التعب كله عامل غشيم فيخاف ان يترك النار مشتعلة في الفرن ليلاً لأنه يريد أن يرتاح فيتشقق الفخار كله ويذهب عمله هباء·
فالفاخوري اذاً، يضيع يومه في العمل مع الطين فلا يصلي ولا يصوم لأنه لا وقت لديه لذلك اذ لا يستطيع ترك الطين في البركة بدون عجنه بواسطة سنابك الخيل، فإذا كانت البركة كبيرة والطين من انواع مختلفة كما في لبنان حيث يستخدم 'الدلغان' الابيض والطين الاحمر، ويحتاج الى المزج من خلال الخلط مع الماء والدمج بشكل كامل، فلا يمكن للفاخوري ترك العملية اذا لم يكن له زميل يساعده اذ انه يضع الطين في البركة ويقف في وسطها ممسكاً برسن الفرس 'الكديش' ويدفعه ليدور في دوامة متواصلة، وليس لديه خلاط كهربائي لأنه يحتاج الى محرك قوي جداً كونه كثيفاً ولا بد من تخفيف الكثافة بالماء وبالتالي لا بد للخيل من الدوران لفترة طويلة قد تمتد لعدة ايام اذا كانت الكمية كبيرة، وحتى اذا ارتاح بعد ذلك فإن عليه جمع هذا الطين في اكوام لكي 'يزلّ' الماء منه (كلمة مشتقة من الزلال في البيض الذي يفصل عن الصفار احياناً)، لتصل نسبته الى المستوى المطلوب اي الى ما دون الجفاف، ثم ينقل الى 'العجانة' حيث يدلك كما عجين الخبز ويحول الى قطع اسطوانية الشكل تقطع بالسكاكين وقد يصل قطر الدائرة فيها الى 15 ـ 30 سم حسب قدرة وقوة الفاخوري، وهذه الكتل تلف بالخيش المبلل بالماء ثم تحفظ في مكان ظليل لتبقى لينة لحين الحاجة وعندها تقطع وتمرر عبر ما يشبه الفرّامة اليدوية ليخرج الطين من الامام كأنابيب يأخذ منها الفاخوري الكمية اللازمة للشكل المراد صنعه ويجمعها على صينية الدولاب ثم ينقلها فوق لوح خشبي لتجف في الشمس·
من هنا فان الفاخوري الخاسر للآخرة هو خاسر للدنيا ايضاً لأن علاقاته الاجتماعية كصانع، هي دون مستوى الصفر، فهو في مهنته 'مثل ما بدو الفاخوري بيركب دينة الجرة' - اي انه يركب اذن الجرة كما يريد، وهو مثل شعبي يطلق على اهل السياسة القادرين على قلب الامور لمصلحتهم كيفما ارادوا - لكنه في ظروف عمله غير قادر على تأدية الواجبات وتنمية العلاقات والقيام بالزيارات·
بداية الحرفة
وعندما نتحدث عن الفاخوري وصناعة الفخار لا بد لنا من الاشارة الى ان الحرف اليدوية في كل بلد تنبع من طبيعته ومواده الاولية التي يمكن للانسان ان يستخدمها ويطورها من حالتها البدائية الى حالة تنفعه في حياته وتصلح للاستخدام في حاجاته اليومية وضروراته المعيشية، وقد اجمع المؤرخون على ان اولى الحرف اليدوية في تاريخ البشرية كانت صناعة الفخار·
ولعلنا عندما نتصور بدايات الحرفة نقول انه لا بد ان صياداً قد خرج يوماً باحثاً عن رزقه قبل ان يستقر الانسان في مناطق سكنية جماعية او قرى زراعية فوجد حيواناً شارداً فأصاب منه مقتلاً، وجرى ليأكل منه فبحث عن حجارة يصنع منها موقداً ولما لم يجد جمعا بعد الطين وصاغ منه ما يشبه الموقد الطيني الاول ووضع في وسطه القش والحطب ثم شوى اللحم الذي اصطاده، ولما عاد الى المكان في اليوم التالي اكتشف ان النار قد شكلت من الطين موقداً متماسكاً فادرك اللعبة وبدأ يصوغ من الطين ما يناسبه من ادوات ويحرقها بالنار حتى اصبحت صناعة الفخار عملاً مستقلاً قائماً بذاته·
انها نفس البداية في كل زمان ومكان فوق هذه الكرة الارضية، فصناعة الفخار لم تبدأ في بلد واحد، اذ تكشف لنا البحوث الأثرية عن فخار صيني ومصري وسومري ويمني وافريقي، فلا بد اذا ان مناسبة الاكتشاف كانت متشابهة لأن الانسان الأول كان في الأصل صياداً·
ولقد نشأت صناعة الفخار في لبنان منذ ما قبل العهد الفينيقي لكنها في العهد الكنعاني الفينيقي تطورت الى مسافات أبعد وبدأت تأخذ اشكالاً جمالية تلبي الحاجات المتنوعة للانسان الذي سار خطوات واسعة في مجال الحضارة، فصارت تصنع من الفخار اواني حفظ الطعام وحفظ المحاصيل ودفن الموتى والأواني المطلية لحفظ الزيوت والسوائل· ولأن الناس لا تكتفي بما يلبي حاجاتها اليومية الى الأدوات لأن الانسان بطبيعته باحث عن الجمال بالفطرة لذا كان التطور نحو صنع القطع الأجمل والطريقة الأفضل لتزيين هذه القطع اما بالتولين او الزخرفة او الرسم عليها او الحفر فوقها·
وقد كانت صناعة الفخار تتم باليد· وعندما عرف الانسان الدولاب واستخدمه في مناح عديدة اخترع عجلة الفاخوري لتدار باليد اليسرى بينما يتم تشكيل القطعة الفخارية باليد اليمنى ثم صارت تدار بالقدم وتطورت اليوم لتدار بالمحرك، الا أن عجلة الفاخوري لا زالت هي الاساس في الصنعة وبعد قطع الفاخر البسيطة صار التزيين بأشكال نباتية وحيوانية ثم برسوم هندسية وتشكيلية·
وبعد الفخار الجاف صار استخدام رماد الحطب الذي يمزج بالماء ثم تغطّس فيه قطعة الفخار فتكسبه اللمعة التي نراها في صحون الفول لأن ماء الرماد عندما يتعرض للنار يتحول الى كربون الخشب يعطي ما يشابه لمعة الماس الذي هو من كربون الحجر، اما الوان التلوين فيستخدم فيها اوكسيد النحاس للون الأخضر، واوكسيد الحديد للون الاحمر، واوكسيد التوتياء او التنك الخفيف او اوكسيد الرصاص للون الاسود، وهذا الاوكسيد يؤتى به من عند العطارين او يصنّع يدوياً باضافة الاحماض الى المعدن المطلوب ليتأكسد· وفي لبنان هناك نوعان من الفخار، فخار الجنوب والخط الساحلي وهو رقيق واقل سماكة ويميل الى الحمرة، وفخار راشيا والبقاع وهو اسمك واكثر مسامية ولونه مائل الى الأبيض، اما السبب في ذلك فلان الصلصال الابيض موجود في البقاع بصورة اكبر ولذا تصنع منه ادوات التبريد كالاباريق المعنقة لأن المسام الموجودة فيه تجعله اسرع تبريداً للماء لأن بعض الماء يتبخر عبر المسام وتتسرب نسبة معينة من الهواء اليه اما فخار الساحل الاحمر فتصنع منه جرار الزيت وجرار الماء الكبيرة لأنه مانع للتسرب ومطلي من الداخل·
فوائد ونتائج
والفخار يعطي الطعم المرئي للماء ويبرده بدرجة يتحملها الجسد بعكس برودة التبريد في الثلاجات، فتبريده خفيف ويتأقلم بسرعة مع جسم الانسان كما ان طناجر الفخار المطلية افضل للطبخ لأن رماد الفحم يتبلور الى الكريستال فيمنع التأثر السريع بالنار فتصل النار خفيفة ويطهى الطعام ببطء مما يساعد على حفظ الانزيمات والفتيامينات فيه· ولا ترتفع درجات الحرارة في الطنجرة الى مستويات عالية فتكون النكهة افضل· كما انه اذا اضيف اللبن الى الطعام لا يتأكسد ولذا نجد في المختبرات الطبية الهامة في العالم تحفظ اكثر المواد الطبية في اوعية من الفخار لأن المواد الطبية تتأثر بالضوء والرطوبة والفخار عازل لهما· ومن هنا ايضاً فأن الزيت الذي يوضع في اوعية زجاجية او بلاستيكية يفترض حفظه في الخزائن حتى لا يصله الضوء فيتحول الى التأكسد او الى سبب للكوليستيرول بدلاً من ان يكون مانعاً له ولذا نجد باعة الزيت يحفظونة في جرار فخارية وعندما يبيعونه يضعونه في تنكات تمنع الضوء حتى لا يفسد لأن الفخار يبطئ البرودة ويبطئ الحرارة بعكس الزجاج والبلاستيك·
وكان القدماء عندما يغادرهم ثقيل الدم يكسرون ابريقاً من الفخار خلفه كوننا كلنا من تراب كما الفخار فكسر قطعة الفخار تعبير عن قطع لصلة الرحم معه فالفخار فيه ما يحييه كالماء والطعام وكسره يعني قطع الصلة الحياتية مع ذاك الانسان·
كما ان كتابة السحر على الفخار اشارة كأنه يكتب على لحم الانسان، وكان السائد انه اذ أخذت قطعة فخار من عند الفاخوري لكتابة السحر عليها ثم حرقها فإن طبخة الفخار كلها تتكسر وهذا من الاساطير والسحر اصلاً اكثره من الاساطير·
آثار تاريخية
ولمادة الفخار طبيعة عامة وهي مقاومته للعوامل الطبيعية بعكس المعادن التي تتأكسد مع الضوء والرطوبة والهواء فلا تثبت امام تقلبات الطبيعة بعكس الفخار الذي لا يتأكسد ولا يتفاعل مع الكالسيوم ولا تفتته الاحماض الموجودة في الهواء ولذا حمل الينا الفخار آثار الشعوب القديمة· وتشير دراسة للباحث السوري حسين كامل الى ان فخار العصر الحجري الحديث ظهر للمرة الاولى في مناطق قرية جرمو السورية واوغاريت واريحا وكانت اوعيته سمجة الصناعة، هشة المقاومة، كثيرة الشوائب وغير نقية وأكثرها عادي وغير ملون، وكان الملون منه قليل جداً وتتألف نقوشه من خطوط متقاطعة ملونة باللون الأسود· اما في قرية حسونة السورية فقد اكتشفت ثلاثة انواع منه، نوع قديم ذكرناه ، ونوع نموذجي محزز او ملون او ملون ومحزوز في آن واحد ونوع متطور عرف بفخار سامراء، والأخير مصنوع باليد، وهو ناعم، وذو طلاء ذاتي والوانه احمر وبني واسود، واشكاله طاسات وجرار وصحون، وعليه زخارف هندسية وغزلان وطيور وهناك فخار حلف في شمال سورية قرب نهر الخابور يعود الى سنة 4900-4300 ق·م· وفخار نينوى في العراق الذي اكتشفته بعثة بريطانية عام 1933 ـ1934م فيما فخار حلف اكتشفته بعثة المانية في الاعوام 1911 ـ 1913 ـ 1929م، اما فخار العبيد الذي اكتشف في تل العبيد قرب مدينة اور العراقية وفي اريدو وحاج محمد القريبة منها فقد كان خفيف الزخرفة ويضم تكوينات هندسية فقط وهناك فخاريات الوركاء (اوروك) المصنوعة باليد وعلى الدولاب ايضاً فكان منها فخار مدلوك احمر اللون، وفخار رمادي مدلوك، وفخار سمج يخلو من الطلاء والزخارف·
فخاريات في البحار
وتشير المهندسة سميحة ابراهيم الى فخاريات اكتشفت في اعماق البحار كانت عبارة عن دنان (جرار كبيرة) لحفظ المواد الغذائية اذ تتسع لحوالي عشرين او ثلاثين ليتراً من الزيت او السمك المدخّن او النبيذ او الصلصة المصنوعة من عصارة السمك المخمر التي كان الرومان من المغرمين بها، وقد تم العثور على مئات الآلاف من الجرار في كل البلدان المشاطئة للمياه المحاذية لبلدان البحر الابيض المتوسط، كما اكتشف العالم الاثري الالماني هانريش درسل جرار في جزيرة صقلية·
كما تذكر الباحثة فطوم نزيه بالوش ان من اهم منتجات الفخار القديمة القلل والاباريق والدوارق والازيار واطباق حفظ الطعام واطقم الشاي والقهوة كالأكواب والفناجين والمباخر والمسارج التي تستخدم للتدفئة واواني حفظ الحبوب والغلال واصص الزرع وحجارة الشيشة والقواديس التي تستخدم في بناء ابراج الحمام وتجميل الاسوار والمباني ومواسير الصرف الصحي والتحف ولعب الاطفال الشعبية·
وتشير الاعلامية زينب ياغي نقلاً عن مختار قرية راشيا الفخار اللبنانية يوسف خليل الذوقي الذي يملك احد المصنعين الباقيين بعد التحرير في القرية الى ازمة يعانيها الفخار اللبناني بعد الانقطاع الطويل لفخار راشيا عن السوق المحلية بسبب سنوات الاحتلال· فيما يذكر الاعلامي بيار عطالله ان اسم القرية السرياني يعني بالعربية اسياد الفخار، فراشيا تعني السيد، اي ان اهل القرية كانوا اسياد صناعة الفخار في المنطقة وان هذه الصنعة تعود الى حقبة الحضارة السريانية في جنوب لبنان حيث يعثر بين حين وآخر على بعض القطع الفخارية القديمة·
الواقع اليوم
يبقى ان نقول ان صناعة الفخار في لبنان اليوم تكاد تكون محصورة بين قرية راشيا الفخار في الجنوب، وقرية كفرحيم في الشوف المشهورة بمغارتها المميزة التي حولها اصحابها من آل ابو خزام الى موقع سياحي، فيما غابت الفواخير التي كانت منتشرة على شاطئ بيروت والتي كان بعضها ملكاً لعائلة حملت اسم الصنعة وهم آل الفاخوري·
ولا بد من الاشارة هنا الى ان صناعة الفخار في لبنان الى تراجع بعدما غابت بسطات بيع الفخار عن الاوتوسترادات العامة والطريق الساحلي والتي كان يقوم على بيعه فيها بعض العمال السوريين، وتكاد تقتصر عملية البيع اليوم على طلاب المدارس الذين يشترون الفخار الجاهز للرسم عليه في مدارسهم ليعرض في معارض أواخر العام الدراسي، الا ان احداً لم يطلق حتى الآن مشروعاً لتعليم صناعة الفخار لأن الاواني الزجاجية والبلاستيكية والميلانين الرخيصة حلت محلها ولأن سيدات الأسر اصبحن يحتفظن من الفخار بالصحون المخصصة للفول فقط، فيما غابت بقية الأواني الفخارية عن الاستخدام وان استخدمت فمن اجل الزينة فقط في بعض الصالونات المنزلية·

اقرأ أيضا