الاتحاد

تقارير

الغارات الإسرائيلية على سوريا... نموذج لحافة الهاوية

كريستا كايس بريانت
نيكولاس بلاندفورد

بيروت


التصعيد المفاجئ والدراماتيكي في الهجمات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف عسكرية في سوريا، يهدد بتحويل الحرب الأهلية المندلعة في سوريا منذ عامين إلى صراع إقليمي. «نحن نقترب من ذلك على نحو حثيث»، هذا ما يقوله تيمور جوسكل المحاضر الجامعي في بيروت، والذي سبق أن خدم ضمن قوات حفظ السلام في جنوب لبنان. ويضيف قائلا: «هناك نموذج من أساليب حافة الهاوية تتم ممارسته الآن في المنطقة».
وتشير دلائل عديدة إلى أن «حزب الله» اللبناني، الذي اعتمد طويلاً على نظام الأسد في تهريب السلاح المرسل إليه من إيران، قد دفعته تطورات الأحداث واشتداد لهيب الحرب في سوريا لتوثيق تحالفه مع النظام. ويعلق جوسكل على ذلك بقوله: «إذا ما استمرت إسرائيل في شن هجمات جوية داخل سوريا، فإن الحزب سيجد نفسه مضطراً للرد بعد أن دفعه الإسرائيليون للحافة».
والهجمات الجوية التي تنسب على نطاق واسع لإسرائيل، والتي أصابت منشآت عسكرية تقع في ضواحي العاصمة دمشق، تعتبر الثانية من نوعها في أقل من 48 ساعة، والثالثة خلال عام. ومن بين الأهداف التي ضربتها الطائرات الإسرائيلية شحنة من صواريخ «فاتح 110» الإيرانية كانت مرسلة، كما أفادت الأنباء، لـ«حزب الله». وهذه النوعية من الصواريخ كانت ستمكن حليف سوريا الوثيق من شن هجمات بالغة الدقة على أهداف إسرائيلية مهمة مثل مطار بن جوريون، أو وزارة الحرب في تل أبيب، من خلال إطلاقها من منصات موضوعة في قواعد بعيدة عن الجنوب بمسافة يمكن أن تصل لوسط إسرائيل.
وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها لن تسمح بوصول منظومات تسليح «يمكن أن تغير قوانين اللعبة» إلى أيدي «حزب الله» اللبناني. ويعتقد أن «حزب الله» قد حصل في عام 2009 على نسخة من صواريخ «فاتح 10» المعدلة من قبل السوريين والمعروفة باسم «إم600». والنسخة الإيرانية أوالسورية تحمل رأساً حربياً زنته 1,100 رطل ويصل مداه إلى 150 ميلاً، ما يجعلها أطول مدى، وأدق قدرة على إصابة الأهداف من معظم الصواريخ التي يمتلكها «حزب الله».
وليس واضحاً حتى الآن، ما إذا كانت الطائرات الإسرائيلية قد دخلت المجال الجوي السوري أم أنها هاجمت أهدافها من الحدود اللبنانية القريبة، لكن وزير الخارجية السوري فيصل المقداد وصف الهجوم الإسرائيلي في مقابلة مع «سي.إن.إن» بأنه يعتبر «إعلان حرب».
وعلى الرغم من العداوة التاريخية بين إسرائيل وسوريا، إلا أن الدولتين لم تدخلا في معارك مباشرة ضد بعضهما بعضاً لما يقرب من أربعة عقود، باستثناء مواجهات قصيرة في لبنان عام 1982 وبعض العمليات الإسرائيلية داخل سوريا في مناسبات قليلة خلال العقد الماضي؛ مثل عمليات اغتيال جهاديين داخل دمشق وقصف معسكر تدريب للفلسطينيين. وكانت أكثر هذه العمليات شهرة قيامها بتدمير ما قالت إنه مفاعل نووي في شمال شرق سوريا عام 2007.
وتصعيد الضربات الإسرائيلية ضد سوريا، يأتي عقب أسبوع من الجدل الذي احتدم في الولايات المتحدة حول ما إذا كان النظام السوري قد عبر «الخط الأحمر» الذي حدده أوباما، عندما قام باستخدام أسلحة كيماوية ضد شعبه أم لا. ويرجع اهتمام الإسرائيليين بموضوع «الخط الأحمر» إلى أنهم ينظرون إليه كمحك يقيسون من خلاله التزام الأميركيين بالتعهدات التي يقطعونها على أنفسهم، ليعرفوا هل سيلتزمون بتعهداتهم لتل أبيب بشأن النظام الإيراني إذا ما عبَر هو الآخر «الخط الأحمر» الذي حدده نتنياهو في خطاب له بالأمم المتحدة في سبتمبر 2012.
ويشرح المحلل الأمني الإسرائيلي ريوفن بدهازور المسألة بقوله: «الرسالة التي تود إسرائيل إرسالها للأميركيين هنا هي: كيف يمكن لنا أن نصدقكم وأنتم لا تتدخلون في سوريا، بعد أن تم عبور الخط الأحمر الذي سبق لكم تحديده؟ كيف يمكن لنا أن نصدق وعودكم بشأن إيران بعد ذلك؟».
وفي هذا السياق تنبغي الإشارة إلى أن الأولويات الإسرائيلية تختلف شيئاً ما عن العتبة المحددة من قبل أميركا للتدخل. فاهتمام إسرائيل الرئيسي ليس بما إذا كان الأسد سيستخدم الأسلحة الكيماوية لقتل شعبه أم لا، بل بما إذا كان «حزب الله» سيحصل على الصواريخ المتقدمة وغيرها من الأسلحة أم لا، وما إذا كان مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية سوف يسقط في أيدي المقاتلين من الجماعات المتطرفة. ويوضح البروفيسور إفرايم إنبار، مدير «مركز بيجين السادات للدراسات الاستراتيجية» في جامعة «بار إيلان» ذلك بقوله: «نحن لا نهتم بما إذا لو قاموا بقتل بعضهم، وإنما نحن أكثر اهتماماً بشأن حزب الله».
ويشار إلى أنه بعد انتهاء الحرب التي استمرت شهراً كاملاً بين إسرائيل و«حزب الله» في صيف عام 2006، نعمت الحدود اللبنانية الإسرائيلية بأطول فترة هدوء منذ منتصف الستينيات، فترة استغلها «حزب الله» في تعظيم قدراته العسكرية من المقاتلين ومنظومات التسليح الأكثر تقدماً. بيد أن أياً من «حزب الله» أو إسرائيل لا يرغب في خوض صراع جديد ضد الآخر لأنهما معاً يدركان جيداً أن أي مواجهة جديدة ستكون أكثر عنفاً وتدميرية بكثير من حرب 2006 التي مني فيها الاثنان بخسائر جسيمة.
ويشار إلى أن عدد المرات التي اخترقت فيها الطائرات الحربية الإسرائيلية المجال الجوي اللبناني هذه العام يفوق بمقدار الضعف نظيره في عام 2012 بأكمله، حتى أن ضجيج الطائرات الإسرائيلية التي تحوم في سماء بيروت أصبح جزءاً من روتين الحياة اليومية في العاصمة اللبنانية، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى مطالبة إسرائيل في مرات عديدة بإيقاف طيران طائراتها فوق المجال الجوي اللبناني واصفةً ذلك بأنه يمثل «عملاً استفزازياً» يمكن أن يؤدي إلى تداعيات خطرة. ومن تلك التداعيات قيام «حزب الله» بإسقاط طائرة من تلك الطائرات انتقاماً من الضربات التي قامت بها إسرائيل في سوريا، أو حتى بدعوى حماية السيادة اللبنانية التي تنتهكها تلك الطائرات. وعلى الرغم من ذلك يظل الإسرائيليون متفائلين بحذر من أن نظام الأسد وحلفاءه لن يغامروا بفتح جبهة جديدة معهم في هذه الوقت مـن احتدام الأزمـة السوريـة، عـلاوة علــى أنهـم لا يمتلكون القدرة على القيام بنوع من الهجوم لردع إسرائيل ومنعها من التمادي في أعمالها.
ويقول إفرام إنبار: «إسرائيل لن تتراجـع عما تقوم به... وإذا ما ردوا فإننا سوف نرد من جانبنا».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا